محمد حسن الساعدي
يقف العراق اليوم أمام منعطف اقتصادي بالغ الحساسية، حيث تتقاطع طموحات التنمية مع أزمات البنية العميقة فمنذ عقود ظل الاقتصاد العراقي أسير النفط، إذ يشكل أكثر من تسعين في المئة من الإيرادات العامة، ويحدد مسار الموازنة والإنفاق، ويجعل البلاد رهينة لتقلبات الأسواق العالمية، إذ أن هذا الاعتماد المفرط خلق هشاشة مالية، وأدى إلى تراجع فرص التنويع، فيما بقيت الزراعة والصناعة والخدمات في موقع هامشي لا يتناسب مع إمكانات العراق البشرية والجغرافية.
برزت في السنوات الأخيرة مشاريع كبرى تحمل وعود التحول، مثل مشروع “طريق التنمية” الذي يربط الخليج بتركيا عبر العراق، ومشروع الغاز المتكامل مع “توتال إنرجيز” الذي يهدف إلى تقليل الاعتماد على النفط الخام وتطوير الطاقة المتجددة،إذ أن هذه المشاريع ليست مجرد بنية تحتية، بل محاولة لإعادة صياغة دور العراق في الاقتصاد الإقليمي والعالمي، غير أن نجاحها يتوقف على قدرة الدولة على مواجهة تحديات الفساد، وضمان الاستقرار السياسي، وتوفير بيئة استثمارية آمنة.
التوقعات الدولية تكشف عن صورة متباينة فصندوق النقد الدولي يتحدث عن نمو محدود لا يتجاوز نصف نقطة مئوية في 2026، بينما يشير البنك الدولي إلى احتمال انكماش يصل إلى ثمانية في المئة في 2027، قبل أن يتوقع قفزة نوعية في 2028 إذا تحسنت الظروف، فيما أن هذه الأرقام تعكس هشاشة الوضع، لكنها في الوقت نفسه تفتح الباب أمام إمكانية التحول إذا ما استثمر العراق اللحظة التاريخية في إصلاحات هيكلية جادة.
التحديات البنيوية لا تزال ثقيلة،فالبطالة بين الشباب مرتفعة، ومشاركة المرأة في سوق العمل لا تتجاوز اثني عشر في المئة، والدين العام مرشح للارتفاع إلى أكثر من ستين في المئة من الناتج المحلي خلال العامين المقبلين، ويضاف إلى ذلك أزمة المياه وتراجع البنية التحتية، ما يجعل أي مشروع اقتصادي بحاجة إلى رؤية شاملة تتجاوز مجرد الإنفاق أو التوسع في العقود النفطية.
التحول الاقتصادي في العراق ليس مجرد شعار سياسي، بل معركة بين الفرص والمخاطر،فالفرص تكمن في موقع العراق الجغرافي، وفي ثرواته الطبيعية، وفي قدرته على أن يكون محوراً للتجارة والطاقة في المنطقة،أما المخاطر فتتمثل في استمرار الفساد، وضعف المؤسسات، والانقسامات السياسية التي قد تعرقل أي مشروع إصلاحي، لذلك فإن التحول الحقيقي يتطلب إرادة سياسية صلبة، وإصلاحات إدارية ومالية عميقة، وتطوير قطاعات الزراعة والصناعة والخدمات، إلى جانب تعزيز التعليم والابتكار.
إن استكمال المشهد الاقتصادي في العراق يكشف أن التحول المنشود لا يمكن أن يتحقق بمجرد إطلاق مشاريع ضخمة أو توقيع عقود مع شركات عالمية، بل يحتاج إلى إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وإلى صياغة عقد اجتماعي جديد يوازن بين العدالة الاجتماعية والانفتاح الاقتصادي فالمواطن العراقي الذي عانى من الحروب والاضطرابات يتطلع إلى أن يرى ثمار هذه المشاريع في حياته اليومية، عبر فرص عمل حقيقية، وخدمات عامة مستقرة، وبنية تحتية تليق ببلد غني بالموارد،وإن أي تحول اقتصادي لا ينعكس على حياة الناس سيبقى مجرد أرقام في تقارير المؤسسات الدولية.
العراق يمتلك موقعاً جغرافياً استراتيجياً يجعله قادراً على أن يكون جسراً بين آسيا وأوروبا، كما يمتلك ثروات طبيعية هائلة يمكن أن تتحول إلى قاعدة لتنمية مستدامة إذا ما أُحسن استثمارها، لكن هذه الإمكانات تصطدم بواقع سياسي معقد، حيث الانقسامات الداخلية والفساد الإداري يهددان أي مشروع إصلاحي لذلك فإن التحول الاقتصادي يتطلب أولاً إصلاحاً سياسياً يعيد للدولة هيبتها، ويضمن استقلالية المؤسسات، ويضع حداً للتدخلات التي تعرقل مسار التنمية.
التجارب الدولية تثبت أن الدول التي نجحت في التحول الاقتصادي لم تعتمد فقط على الموارد الطبيعية، بل على بناء الإنسان وتعزيز التعليم والابتكار فالعراق بحاجة إلى رؤية طويلة الأمد تجعل من الشباب قوة إنتاجية، وتفتح أمامهم أبواب المشاركة في الاقتصاد الجديد، سواء عبر التكنولوجيا أو الزراعة الحديثة أو الصناعات التحويلية كما أن إشراك المرأة بشكل أوسع في سوق العمل سيضاعف من القدرة الإنتاجية ويعزز التوازن الاجتماعي.
يبقى السؤال المطروح حول قدرة العراق على تحويل هذه الفرص إلى واقع ملموس. فإما أن ينجح في بناء اقتصاد متنوع ومستدام يحرره من أسر النفط، أو أن يبقى عالقاً في دوامة الأزمات المالية والسياسية. التحول الاقتصادي ليس مجرد خيار، بل ضرورة وجودية تحدد مستقبل العراق ومكانته في العالم.