اعترافات من فوق قلعة كركوك

 

ياسين الحديدي

منذ سقوط النظام السابق في التاسع من نيسان عام 2003، وُلد العراق الجديد وهو يحمل في خطابه الرسمي وعداً متكرراً: عراقٌ موحّد، ومشاركةٌ للجميع. وظلّ التأكيد في بيانات الحكومات وبرامجها على المساواة، ومحاربة الطائفية والنعرات القومية، وترسيخ مبدأ الشراكة الوطنية.

وأصبحت حماية هذا الهدف مسؤولية الجميع، من المواطن إلى رأس الحكومة، مروراً بالجهات الرقابية والتشريعية، وفي مقدمتها مجلس النواب، ولا سيما فيما يتعلق بكل ما من شأنه إثارة الفتن أو فرض إرادة مكوّن على آخر.

وبعد مرور 23 عاماً على ترسيخ مبدأ الديمقراطية والحكم بمشاركة الجميع، يخرج أحد النواب، ممن عاصروا مختلف دورات البرلمان، ليطرح من فوق أطلال قلعة كركوك خطاباً أثار الكثير من السجالات والمناكفات بين مكوّنات المحافظة.

فالقلعة، التي تقف شاهدة على تاريخ كركوك، يفترض أن تكون رمزاً لمدينة السلام والمحبة والتآلف، وللتعايش والانصهار في بوتقة الوطن الواحد، لا منبراً لإشعال الخلافات بين أبنائها.

وقد وجّه النائب انتقادات إلى الحكومة الاتحادية، متحدثاً عن تدخل بعض الوزراء، ممن ينسبهم البعض إلى مواقف متشددة داخل المكوّن العربي، في شؤون كركوك، ولا سيما ما يتعلق بمشروع الحكومة الخاص بتوزيع قطع الأراضي السكنية.

والمشروع، بحسب ما يُطرح، يهدف إلى توفير السكن لمن لا يملك مسكناً، من خلال فرز الأراضي وتقسيمها إلى قطع سكنية بمساحات محددة، ومن الطبيعي أن يستفيد منه أبناء المحافظة من مختلف المكوّنات والقوميات والأديان والمذاهب، بما يعكس التنوع والفسيفساء العراقية.

لكن النائب يرى أن هذه الأراضي تعود إلى التركمان والكرد، ولا يحق لأي وزير أو جهة حكومية التصرف بها أو استثمارها، باعتبارها أراضي مستملكة تعود ملكيتها إلى مراحل سابقة من تاريخ الدولة العراقية.

وفي المقابل، لا ينبغي أن يغيب عن النقاش أن الدستور العراقي لعام 2005 كفل للعراقيين حقوقاً متساوية، وأقر مبادئ المواطنة والحقوق والحريات، بعد أن صوّت عليه الشعب وأصبح نافذاً وفق الإجراءات الدستورية.

فهل يمكن أن يوضع الدستور جانباً عندما تتعارض بعض التفسيرات أو المواقف السياسية مع ما تقتضيه مبادئ المواطنة والمساواة؟

وهل تتحول قضية الأراضي والسكن والخدمات إلى وسيلة لإعادة إنتاج الخطاب القومي والمكوّناتي، بدلاً من أن تكون فرصة لترسيخ العدالة والمواطنة؟

إن الخطابات التي تضع مكوّناً في مواجهة مكوّن آخر تفتح الباب أمام سجالات واسعة، وقد انعكس ذلك بالفعل على صفحات التواصل الاجتماعي، حيث بدأ البعض يتنافس في الادعاء بأحقية هذا المكوّن أو ذاك بكركوك، وكأن المدينة يمكن أن تكون حكراً على جماعة دون أخرى.

كركوك، بتاريخها الطويل وتنوعها السكاني والثقافي، ليست ملكاً حصرياً لمكوّن واحد، بل هي مدينة لجميع أبنائها، وحقهم فيها يجب أن يُنظّم وفق الدستور والقانون، بعيداً عن التحريض والمزايدات السياسية والانتخابية.

كركوك لكل أهلها، وليست وقفاً لأحد؛ لا فوق القلعة ولا تحتها.

قد يعجبك ايضا
∧