انس الشيخ مظهر
عندما تصبح محاولات حصر السلاح دون جدوى
لسنوات طويلة، كان الحديث عن “حصر السلاح بيد الدولة” في العراق يبدو حديثاً واضح المعالم , فهناك فصائل معروفة، لها أسماء وقادة ومقرات.. وكل ما تحتاجه الدولة هو إقناعها أو إجبارها على تسليم سلاحها والانضواء تحت مظلة رسمية. لكن ما يتكشف اليوم يقول إن هذه الصورة البسيطة لم تعد تطابق الواقع. فبينما ينشغل قادة الفصائل الكبرى بمكاسبهم السياسية والمالية، تعمل طهران على مسار مختلف تماماً، يشرف عليه ضابط في الحرس الثوري الإيراني، يقوم على تفكيك فكرة “الفصيل” نفسها، واستبدالها بشيء أصغر حجماً وأصعب تتبعاً…خلايا محدودة العدد، لا مقر لها ولا لافتة، تعمل بمعزل عن القيادات التقليدية وترفع تقاريرها مباشرة إلى الخارج.
والفارق بين النموذجين ليس شكلياً. فالفصيل الكبير يحتاج إلى مقاتلين كُثر وحضور إعلامي وواجهة سياسية كي يمارس نفوذه، وهذا بالتحديد ما يجعله عرضة للمراقبة والمساءلة , فقادته معروفون، ومقراته يمكن تحديدها، وأي تحرك له يُقرأ سياسياً. أما الخلية الصغيرة فتكتفي بعدد قليل من الأشخاص يملكون الخبرة العسكرية والقدرة على التنفيذ، من دون الحاجة إلى جيش من المقاتلين أو مكتب إعلامي. وتشير تقارير نقلتها وسائل إعلام عراقية عن تقييم أميركي إلى أن بعض هذه المجموعات جرى تجنيدها من داخل فصائل قائمة، لكنها لا تمر بالضرورة عبر قيادات تلك الفصائل، بل تأتمر مباشرة بأوامر الحرس الثوري ، وأن بعضها له علاقة بهجمات استهدفت دولاً خليجية أو بضربات نُفذت بطائرات مسيّرة انطلقت من الأراضي العراقية.
وهذا التحول يعني عملياً أن إيران تنتقل من منطق “الميليشيا” التي تحتاج إلى وجود مرئي ومعلن، إلى منطق “الشبكة” التي تستمد قوتها من كونها غير مرئية أصلاً. وبينما يمكن للدولة أن تتفاوض مع تنظيم له هرم قيادي واضح، فإنها تجد نفسها عاجزة أمام عُقد متفرقة، لا يؤدي سقوط إحداها إلى انهيار البقية، لأنها غير مرتبطة ببعضها بالشكل الهرمي المعتاد. ولا يأتي اعتماد هذا الأسلوب من فراغ، فهو يمنح إيران أكثر من ميزة في آن واحد.
*/ إمكانية “الإنكار المريح”…فاذا انكشفت خلية صغيرة أو سقط أحد أفرادها، تتوقف التحقيقات عند هذا الحد، ولا تصل إلى القيادة المركزية في طهران أو حتى إلى قيادات الفصائل الكبرى التي قد تكون الخلية قد تشكّلت من داخلها أصلاً.
*/ المناورة السياسية.. فحين تدخل الحكومة العراقية في تفاهمات أو تسويات مع الفصائل الكبرى، تبقى هذه الخلايا خارج أي اتفاق، لأنها بالأساس غير معلنة وغير معترف بها، ما يمنح طهران “ذراعاً” جاهزة للضغط في أي وقت تشاء، من دون أن تتحمل الكلفة السياسية لتحرك فصيل معروف باسمها.
*/ الميزة الثالثة مالية بامتياز… إذ يسمح هذا الأسلوب باعتماد قنوات تمويل غير تقليدية وعابرة للحدود، بعيداً عن الرقابة المصرفية والعقوبات التي تلاحق الأموال عبر الأنظمة الرسمية، ما يجعل ملاحقة مصادر هذه الخلايا أصعب بكثير من ملاحقة ميزانيات فصيل معلن.
ومن هذه المزايا مجتمعة، يظهر التحدي الأخطر الذي تواجهه بغداد والذي يتلخص بالسؤال التالي :-
كيف تحصر الدولة سلاحاً لا تعرف أين يوجد؟
فمشروع “حصر السلاح بيد الدولة” بُني أصلاً على فرضية أن هناك فصائل معلنة يمكن التفاوض معها وإغلاق مقراتها، لكن هذا المنطق يتهاوى أمام خلية لا مقر لها أصلاً. فقد تعلن الحكومة نجاحها في إغلاق مقر أحد الفصائل أو سحب سلاحه، بينما تنطلق ضربة بطائرة مسيّرة أو صاروخ من شقة سكنية عادية يديرها شخصان لا يظهر أي رابط تنظيمي بينهما وبين المقر الذي أُغلق قبل أيام. والنتيجة أن قرارات نزع السلاح تتحول إلى إجراء شكلي لا يمس جوهر المشكلة، لأن الدولة تكون قد أنهت “الشكل” القديم للميليشيا من دون أن تلمس الشبكة الفعلية التي تحرّكها. وربما يكون الأخطر من ذلك أن عملية تفكيك الفصائل نفسها قد تدفع أكثر عناصرها خبرة وارتباطاً إلى الانتقال نحو تشكيلات أصغر وأكثر سرية، بدل أن تنهي وجودهم.
وثمة بُعد آخر لا يقل خطورة عن هذا كله، يتصل بالخطط المطروحة لدمج عشرات آلاف عناصر الفصائل داخل مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية مقابل تسليم سلاحهم، وهي خطط جرى تداولها فعلاً في الأشهر الأخيرة، وتحدثت بعض التقارير عن استيعاب نحو 35 ألف عنصر في الجيش والشرطة وجهاز مكافحة الإرهاب. والمشكلة هنا ليست في دخول مقاتل سابق إلى مؤسسة رسمية بحد ذاته، بل في احتمال أن ينتقل معه شيء آخر غير مرئي , شبكة علاقاته القديمة، أو التزام تنظيمي لم ينقطع، أو خط اتصال لا يظهر في أي سجل رسمي. وهذا يفتح باباً أخطر من امتلاك السلاح نفسه، وهو “امتلاك المعلومة”، فموظف داخل جهاز أمني لا يحتاج إلى حمل سلاح أو تنفيذ عملية كي يصبح ذا فائدة لجهة خارجية.. يكفي أن يعرف تحركات وحدة عسكرية، أو موقع مخزن سلاح، أو أسماء ضباط، ليصبح نقطة اختراق كاملة من دون أن يبدو الأمر كذلك على الورق. والفارق الحقيقي هنا بين أن يصبح الفرد موظفاً في الدولة، وأن ينتقل ولاؤه فعلاً إليها, فقد يحمل بطاقة رسمية ويتقاضى راتباً حكومياً، بينما يظل الطرف الذي يحدد تحركاته الفعلية جهة أخرى غير معلنة.
وانعكاس هذا الواقع على العراق ليس أمنياً فقط، بل يمتد إلى صميم فكرة الدولة ذات السيادة. فوجود خلايا “ خاصة في الاجهزة الامنية” تُدار قراراتها من خارج الحدود يبقي البلاد رهينة لتوازنات تُرسم في غرف مغلقة بعيداً عن بغداد، ويجبر الأجهزة الأمنية على الدخول في استنزاف دائم لملاحقة تشكيلات تتجدد بسرعة أكبر من قدرتها على تفكيكها. كذلك فإن أي حادثة أمنية تنفذها خلية مجهولة كافية وحدها لزعزعة ثقة المستثمرين، وإبقاء العراق خارج أي مسار جدي للتنمية الاقتصادية، بصرف النظر عن الجهود الرسمية لتحسين صورة البلاد أمام العالم.
وأمام هذا التحدي المركب، لا تصلح الوسائل التقليدية من بيانات رسمية أو مفاوضات مغلقة مع قيادات الفصائل لمواجهة هذا الشكل الجديد من النفوذ، بل تحتاج بغداد إلى نقلة نوعية في العمل الأمني والاستخباراتي…
*/ الانتقال من عقلية “حماية المقرات المعلنة” إلى عقلية “الاختراق العميق”، عبر بناء قدرات استخباراتية بشرية وتقنية قادرة على الوصول إلى دوائر مغلقة لا تظهر على السطح.
*/ تجفيف مصادر التمويل غير الرسمية، من شبكات التهريب إلى الشركات الواجهة التي تُستخدم لتحريك الأموال بعيداً عن الرقابة المصرفية.
*/ رفع الكلفة السياسية على الواجهات التي تحتضن هذه الخلايا سياسياً، بحيث تُجبر الفصائل الكبرى وممثلوها في السلطة على الاختيار بوضوح , إما تعاون استخباراتي فعلي يثبت عدم تورطها، أو اعتبارها شريكة وتحميلها الثمن السياسي كاملاً. و
*/ ردع قضائي حاسم يطال كل من يثبت تورطه في إدارة أو إيواء تشكيلات موازية لسلطة الدولة، حتى لا تتحول هذه الشبكات إلى واقع مقبول بمرور الوقت.
لكن هذه الإجراءات، على أهميتها، تبقى دفاعية في جوهرها، وتحتاج إلى ما هو أبعد من ذلك كي تصيب النموذج الإيراني في نقطة ضعفه الحقيقية. فبدلا من أن تنهك الدولة نفسها في إثبات الصلة بين كل خلية وفصيلها الأم، وهي معركة استخباراتية شبه مستحيلة الحسم، يمكنها تبنّي منطق “المسؤولية الافتراضية” , في أن تُحمَّل كل عملية تنفذها خلية غير معلنة سياسياً وإعلامياً للفصيل الذي خرج أفرادها من صفوفه، من دون انتظار دليل قاطع يصعب الحصول عليه أصلاً. عندها ينقلب “الإنكار المريح” الذي تعتمد عليه طهران إلى عبء على الفصائل نفسها، إذ تجد نفسها مطالبة بالإجابة عن سؤال محرج مفاده “كيف سمحت لعناصرها بالتسرب إلى شبكات موازية؟” وهو ما يدفعها، رغبة منها في حماية مكاسبها السياسية، إلى ملاحقة صفوفها الداخلية بدل الاكتفاء بالتنصل من كل حادثة.
أما على المستوى التقني، فإن ملاحقة الأفراد وحدهم لن تكشف الشبكة الحقيقية، بينما يمكن لتحليل العلاقات بين الأشخاص أن يفعل ذلك , فبما أن الخلايا الصغيرة لا تملك هرماً قيادياً واضحاً، فإن نقطة ضعفها الفعلية لا تكمن في قائد بعينه، بل في “العقد المشتركة” , من قبيل الأشخاص الذين يربطون بين أكثر من خلية، أو بين خلية وموظف داخل مؤسسة رسمية. ورسم خريطة هذه الروابط، لا ملاحقة كل فرد على حدة، هو ما يكشف بنية الشبكة كاملة، تماماً كما تُفكَّك شبكات غسل الأموال عبر تتبع خطوط الاتصال لا الأشخاص فقط. وأخيراً، ثمة معركة لا تقل أهمية عن كل ما سبق، وهي معركة الصورة , فبدلا من أن يبقى العراق في موقع من يدافع عن سيادته فقط، يمكنه الاستثمار سياسياً وإعلامياً في تعرية نموذج “الإنكار” الإيراني نفسه أمام الرأي العام في إيران والمنطقة، عبر كشف كيف تتنصل طهران من حلفائها المحليين وقت الحاجة إليهم أكثر من غيره. فهذا الكشف يضعف صورتها كـ”حامية” أمام قواعدها الشعبية في العراق ولبنان واليمن على حد سواء، ويحوّل أداة كانت استراتيجية بالنسبة إليها إلى عبء دعائي يلاحقها هي، لا العراق وحده.
إن المسألة لم تعد تنحصر في سؤال “أين يوجد السلاح؟” ,فقد تنجح الدولة العراقية في إقناع فصيل بتسليم سلاحه، وقد تُدمج آلاف عناصره في مؤسساتها الرسمية، لكن هذا كله لا يعني بالضرورة أن الشبكة التي كانت تحرك هذا السلاح قد اختفت. وطالما بقي القرار والمعلومة والتمويل بأيدٍ لا تخضع كاملاً لسلطة بغداد، فإن حصر السلاح سيظل خطوة أولى ناقصة، لا خط نهاية حقيقياً لمشروع بناء دولة عراقية ذات قرار مستقل.