الفيدرالية والبلقنة: إقليم كوردستان كنموذج لإعادة هيكلة العراق واستقراره

أ.د.خليل مصطفى عثمان

تزدادُ الحواشي التي تُكتبُ على هامش المصطلح السياسي المتداول في الخطابات الغربية، ويطلّ مفهوم “بلقنة العراق” ليس كتهديدٍ أو سيناريو للتشرذم، بل كمدخلٍ موضوعي لإعادة تفكيك مركزية بغداد التاريخية وفهم واقع التنوع القومي والطائفي الذي أثبتت التجربة صعوبة اختزاله في هوية واحدة تُدار من المركز. تعود أصول هذه الفكرة في الميزان الاستراتيجي إلى رؤى وقراءات أدركت مبكراً طبيعة التركيبة العراقية المركبة، بدءاً من أوراق تحليليّة تناولت ضرورة إعادة توزيع السلطة على أسس جغرافية وديمغرافية حقيقية، وصولاً إلى المشروع الشهير الذي طرحه جو بايدن عام 2006 بمشاركة ليسلي جيلب. صاغ بايدن آنذاك رؤية تدعو صراحة إلى منح المكونات حق إدارة مناطقها عبر ثلاثة أقاليم تتمتع بحكم ذاتي واسع في كوردستان والوسط والجنوب، مع إبقاء حكومة تنسيقية في بغداد لتوزيع الموارد وحماية الحدود، وهي الخطة التي مثلّت آنذاك قراءة واقعية لإيقاف نزيف الصراع الطائفي وإعطاء كل مكون حق إدارة شؤونه بنفسه.
هذا التوجه حظي بسندٍ دستوري صريح في دستور عام 2005، الذي شرعن نظام الأقاليم والفيدرالية وجعل منها خياراً قانونياً يمنح الشعوب والمكونات حق تقرير شكل إدارتها.
وفي هذا السياق، يُقدم إقليم كوردستان النموذج الأبرز والأكثر نجاحاً لإمكانية وتطبيق هذه الفكرة على أرض الواقع؛ فقد أثبتت التجربة الكوردستانية خلال عقود من الحكم الذاتي والفيدرالية أن الاستقلال الإداري والسياسي ليس سبباً في الخراب، بل كان عامل استقرار وتنمية وازدهار اقتصادي وأمني لا تقارن بنظيراتها في باقي المحافظات الخاضعة للسيطرة المركزية. لقد نجح الإقليم في بناء مؤسسات دستورية وأمنية واقتصادية متماسكة، وحوّل المناطق الكوردستانية إلى واحة للأمان الجاذب للاستثمارات وللملايين من النازحين والمهجرين من مختلف المكونات، مما يعزز الفرضية القائلة إن منح الأقاليم سلطاتها كاملة يُنتج استقراراً ونموذجاً ناجحاً للحكم ينعكس إيجاباً على المنطقة برمتها.
وقد أشار مسؤولون غربيون ودبلوماسيون في واشنطن، وفي مقدمتهم من تناولوا ملف الشرق الأوسط والشرق الأوسط الجديد، إلى أن التجارب الفيدرالية القائمة على الحكم الذاتي الموسع هي السبيل الوحيد لمنع هيمنة طرف على آخر وتفادي إنتاج الديكتاتورية المركزية مجدداً.
إن تطبيق هذا النموذج وتعميمه عبر تشكيل أقاليم أخرى في الوسط والجنوب يمثل حلاً استراتيجياً مستداماً للمعضلة العراقية وليس تهديداً لها؛ فمن شأن الفيدرالية الواقعية أو نظام الأقاليم أن يحل عقدة توزيع الثروات وإدارة الموارد محلياً بعيداً عن بيروقراطية وفساد المركز، ويعطي السكان المحليين قدرة أفضل على حماية مناطقهم وتنميتها. ورغم محاولات التخويف التي تطرحها القوى المتمسكة بمركزية بغداد لاعتبارات سياسية أو أيديولوجية، يثبت التجاور الجغرافي والنموذج الناجح لإقليم كوردستان أن التعايش بين أقاليم مستقلة ذاتياً ومتكافئة في الحقوق يضمن حقوق الجميع ويمنع الصراعات الطائفية، ويفتح الباب أمام مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً لجميع سكان هذه الرقعة الجغرافية.

قد يعجبك ايضا
∧