مشروع ( فخر التاريخ ) عندما تتحول الذاكرة إلى مادة للبحث

شيروان الجاف
باحث وكاتب في تاريخ الحركة التحررية الكرُدية

في المشاريع الثقافية الجادة تكون قيمة الكتاب في قدرته على فتح أبواب جديدة أمام الباحثين وإضافة مادة يمكن العودة إليها بعد سنوات طويلة. ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى مشروع ( فخر التاريخ ) الذي أطلقه قسم الثقافة والإعلام في الحزب الديمقراطي الكوردستاني بمناسبة الذكرى الخامسة والستين لاندلاع ثورة أيلول، ويتضمن إعداد أحد عشر كتاباً تتناول الثورة من زوايا ومحاور متعددة.

أهمية هذا المشروع تكمن أولاً انه يفتح الباب أمام إعادة قراءتها من خلال الوثيقة والصحافة والتاريخ الشفهي والحياة الاجتماعية والتعايش الذي كان قائماً خلال تلك المرحلة. وقد أُعلن أن الكتب ستتناول خمسة محاور رئيسية، من بينها الوثائق الرسمية والصحافة العالمية والإقليمية والتاريخ الشفهي والتعايش المشترك، مع اشتراط الالتزام بالضوابط والمناهج العلمية في إعداد الدراسات.

وهنا تحديداً تظهر القيمة الحقيقية للمشروع بالنسبة إلى الباحث. فالبحث التاريخي يتمحور بالعودة إلى مصادر مختلفة ومقارنتها ووضع الحدث داخل سياقه العراقي والإقليمي والدولي. وكلما تنوعت المادة بين وثيقة رسمية وشهادة شخصية وصحيفة أجنبية أو إقليمية، أصبحت صورة المرحلة أكثر اتساعاً، وأصبح الباحث قادراً على قراءة التاريخ من أكثر من نافذة واحدة. وأرى أن من المهم جداً ألا يبقى نتاج كهذا محصوراً بلغة واحدة.وأنهم أعلنوا انه سينُشر بعدة لغات فثورة أيلول ليست موضوعاً للباحث الكوردي وحده، بل تدخل في دراسات تاريخ العراق والشرق الأوسط والحركات القومية والعلاقات الإقليمية والحرب الباردة أيضاً. لذلك فإن توفير هذه المؤلفات بالكوردية والعربية، والعمل لاحقاً على ترجمة الأعمال الأساسية منها إلى الإنكليزية ولغات أخرى، من شأنه أن يضع مادتها أمام دائرة أوسع بكثير من الأكاديميين والجامعات ومراكز الدراسات.والترجمة هنا ليست مسألة شكلية. كثير من تاريخ كوردستان ظل لعقود موزعاً بين مصادر كوردية وعربية وفارسية وتركية وإنكليزية وغيرها، وهو ما جعل الوصول إلى الصورة الكاملة مهمة صعبة على الباحث الذي لا يعرف جميع هذه اللغات. وكل مشروع ينجح في تقريب هذه المادة أو تقديمها بطريقة علمية موثقة يختصر سنوات من البحث على الأجيال اللاحقة. كما أن فتح باب المشاركة أمام الكتّاب والأكاديميين والباحثين من داخل إقليم كوردستان وخارجه يمنح المشروع فرصة لتعدد المقاربات والخبرات، خصوصاً إذا اقترن ذلك بمراجعة علمية صارمة للمصادر والإحالات والوثائق المستخدمة. وقد أوضحت الجهات القائمة على المشروع أن المقترحات تخضع لتقييم لجنة مختصة قبل اختيار الأعمال التي تدخل ضمن المشروع.

وقد تكون أهم نتيجة لمشروع ( فخر التاريخ ) بعد سنوات ما يمكن أن تفتحه هذه الكتب من أبواب أمام رسائل الماجستير وأطاريح الدكتوراه والدراسات المقارنة والترجمات والمشاريع الأرشيفية الجديدة.

لهذا أرى أن المشروع يستحق اهتمام الباحثين، ولا سيما الشباب منهم، لأن التاريخ يحفظه البحث والتوثيق والمراجعة المستمرة وفتح الأرشيف أمام أجيال جديدة من القراء والدارسين.

قد يعجبك ايضا
∧