القلم الجديد (Pênûsa Nû): منبر الكلمة وذاكرة الصحافة الكردية في سوريا

خالد بهلوي

لا يُنظر إلى الصحافة من زاوية كونها مجرد أوراقٍ تتعاقب عليها الأخبار، أو كأنها صفحاتٌ تنتهي صلاحيتها بانتهاء يومها؛ إنها، في جوهرها، ذاكرةٌ حيّة للزمن، وشهادةٌ على ما مرّ بالإنسان من تحولات وانكسارات وآمال. وحين ترتبط الصحافة بقضية شعبٍ وثقافته وهويته، فإن الكلمة تغدو أكثر من وسيلة للتعبير؛ تصبح فعلاً من أفعال حفظ الوجود، ومقاومة النسيان، وصون الذاكرة من التبدد.
وفي تاريخ الصحافة الكردية، تحتل صحيفة كردستان موقعاً تأسيسياً بارزاً؛ فقد صدر عددها الأول في القاهرة/مصر، في 22 أبريل/نيسان 1898، على يد مقداد مدحت بدرخان، عضو جمعية صعود كردستان. ومنذ ذلك التاريخ، أخذت الصحافة الكردية تتسع، وتتابعت الصحف والمجلات التي حملت اللغة الكردية، واحتضنت الأدب والفكر والسياسة والثقافة، لتصبح صفحاتها فضاءً لتثبيت الحضور الكردي في زمنٍ كانت فيه الكلمة نفسها فعلاً من أفعال التحدي.
وفي امتداد هذا المسار الطويل، جاءت صحيفة القلم الجديد – Pênûsa Nû؛ لتضيف صفحةً أخرى إلى سجل الصحافة الكردية، ولتمنح الكلمة مساحةً جديدة في المشهد الثقافي والإعلامي الكردي في سوريا. ومنذ صدور عددها الأول في يونيو/حزيران عام 2012، ارتبطت القلم الجديد بتجربة الكتّاب والصحفيين الكرد في سوريا، واتخذت لنفسها موقعاً بين الصحافة والثقافة والأدب، فكانت مساحةً مفتوحة للتعبير، ومنبراً للأفكار والنصوص والدراسات والحوارات.
فقد صدرت الصحيفة باللغتين الكردية والعربية؛ وتولى إدارة القسم الكردي الأخ قادو شيرين، ثم الأخ عبد الباقي حسيني، فيما تولى إدارة القسم العربي الأخ خورشيد شوزي، وكانت الجريدة من إخراج خورشيد شوزي.
كانت الحاجة إلى القلم الجديد كبيرةً في تلك المرحلة الزمنية؛ لأنها غدت منبراً يستطيع أن يمنح الكاتب والصحفي والمثقف الكردي مساحةً للتعبير عن أفكاره، وأن يتيح لإبداعه أن يجد طريقه إلى القارئ. وفي الوقت نفسه، سعت الصحيفة إلى تعريف القارئ السوري والعربي بجانب من النتاج الثقافي والفكري الكردي، وجعل الثقافة مساحةً مشتركة لا جزءاً منفصلاً.
ومنذ بداياتها، عُرفت القلم الجديد بوصفها جريدةً أدبيةً وثقافيةً شاملة، تتجاور في صفحاتها الكلمة الأدبية مع الفكرة، والدراسة مع الحوار، والخبر مع النشاط الثقافي. فاحتضنت الأدب والفكر والدراسات والملفات والحوارات والأخبار والنشاطات، وفتحت أبوابها أمام أصوات متعددة، انطلاقاً من الإيمان بأن الصحيفة الحيّة هي التي تستطيع أن تجمع في صفحاتها نبض المجتمع وأسئلته الثقافية والفكرية وهمومه اليومية.
كانت أسرة الجريدة تنطلق من إيمان بأن الكلمة والإبداع ليسا ترفاً ثقافياً، بل حاجةً روحيةً وفكريةً، وأن الثقافة تستطيع أن تكون إحدى الوسائل المشروعة في مواجهة الظلم والاضطهاد والقهر والاستبداد بمختلف أشكاله. ومن هذا الإيمان، لم تقتصر صفحات الجريدتين على الأسماء المعروفة، بل أولت الأقلام الشابة مساحةً واضحة، وأتاحت لها أن تقف إلى جانب الكتّاب المخضرمين والمبدعين الذين كانت لهم زوايا ثابتة ومقالات ودراسات ونصوص شعرية وإبداعية.
فالصحيفة التي تفتح صفحاتها أمام جيل جديد تسهم وتمنح الموهبة الناشئة فرصة الظهور، وتضعها في حوار طبيعي مع من سبقها خبرةً وتجربةً.
وهكذا أصبحت صفحات القلم الجديد أشبه بمساحة تلتقي فيها الأجيال، وتتجاور فيها التجارب، ويتحول النشر من مجرد ظهورٍ للنص إلى فعلٍ من أفعال التواصل الثقافي.
في القسمين الكردي والعربي، تنوعت أبواب الصحيفة وموضوعاتها، فكانت هناك الدراسات والتحليلات، والثقافة والفنون والأدب، والأفكار والآراء، والكتابات والنصوص الإبداعية، والحوارات والشخصيات والزوايا الثابتة، إلى جانب الأخبار والأنشطة والندوات. ولم تكن هذه الأبواب مجرد تقسيمات تحريرية، بل كانت في مجموعها محاولةً لرسم صورة متعددة الأبعاد للحياة الثقافية والفكرية.
فالنص الأدبي يحفظ حساسية اللحظة، والدراسة تضيء خلفياتها، والحوار يكشف تعدد الأصوات، والخبر يوثق ما يحدث، والندوة والنشاط الثقافي يحوّلان الثقافة من نصوص مكتوبة إلى حياةٍ تُعاش في المجال العام. ومن هنا، أسهمت الصحيفة في صناعة وعي ثقافي يتجاوز اللحظة العابرة، وفي حفظ جانب من الذاكرة الجماعية التي كثيراً ما تكون عرضةً للنسيان حين لا تجد من يوثقها.
ومن أهم ما حملته تجربة القلم الجديد أنها لم تتوقف عند حدود النشر باللغة الأم، بل جعلت من الثنائية اللغوية جسراً للتواصل بين مكونات المجتمع السوري. فاللغة ليست جداراً يفصل البشر بقدر ما يمكن أن تكون جسراً يعبرون عليه نحو بعضهم. وحين يقرأ القارئ العربي نصاً لكاتب كردي باللغة العربية، فإنه لا يقرأ مجرد نص مترجم إلى لغته، بل يقترب من تجربة إنسانية وثقافية قد تكون بعيدة عنه في ظاهرها. وحين يطّلع القارئ الكردي على النتاج الثقافي العربي، تتسع أمامه دائرة المعرفة، ويصبح الحوار ممكناً على أرضية الثقافة والتجربة الإنسانية المشتركة.
بهذا المعنى، لم تكن الثنائية اللغوية في القلم الجديد مجرد خيار تحريري، بل كانت مساحةً للتعارف والتفاعل، ومحاولةً لبناء جسور ثقافية بين مكونات المجتمع السوري، في زمنٍ كانت فيه الحاجة إلى الحوار والتفاهم أكثر إلحاحاً.
وحقيقةً، فإن الصحيفة تعيش طويلاً من خلال دورها التوثيقي. ولهذا، فإن استمرار القلم الجديد، والحفاظ على أعدادها وأرشفتها الورقية والرقمية، يتجاوز أهمية الحاضر إلى المستقبل. فكل عدد صادر منها يمكن أن يتحول، مع مرور السنوات، إلى وثيقة من وثائق تاريخ الصحافة والثقافة الكردية في سوريا، يحمل بين صفحاته أسماء الكتّاب، ونصوصهم، واهتماماتهم، والموضوعات التي شغلت زمنهم، وصورةً عن المناخ الثقافي والاجتماعي الذي صدرت فيه الصحيفة.
كما لا يمكن النظر إلى الأرشيف الصحفي على أنه مجرد ركام من الأوراق القديمة؛ لأنه في الواقع ذاكرة مجتمع، وحافظة لملامح زمن قد لا يستطيع المستقبل استعادتها إلا من خلال ما تركه الحاضر من وثائق وشهادات. ومن هذه الزاوية، تكتسب كل صفحة من صفحات القلم الجديد قيمةً تتجاوز لحظة نشرها.
إن قيمة الصحيفة لا تتمثل بعدد صفحاتها أو بحجم انتشارها وحدهما، وإنما بما تتركه من أثر، وبمدى التزامها بأخلاقيات المهنة، واحترامها لعقل القارئ، وحرصها على التمييز بين الخبر والرأي والتحليل، وإفساحها المجال أمام الحوار وتعدد وجهات النظر. وهنا تبرز مسؤولية القلم الجديد بوصفها منبراً ارتبط بتجربة الصحفيين والكتّاب الكرد، ومساحةً يمكن أن تسهم في ترسيخ مفهوم الصحافة المهنية، ولا سيما في عصرٍ تداخلت فيه الأخبار مع وسائل التواصل الاجتماعي، وأصبحت فيه المعلومة تنتقل بسرعة تفوق قدرة التحقق منها.
تكمن أهمية القلم الجديد أيضاً في استمرارها كمساحة تجمع الكتّاب والصحفيين والمثقفين، وتفتح أبوابها أمام الأجيال الجديدة، وتمنح النصوص والأفكار فرصةً للظهور، وتسهم في تعريف المجتمع السوري بجانب من التجربة الثقافية الكردية، وفي الوقت نفسه تبقى منفتحةً على مختلف مكونات المجتمع.
وهنا يصبح القلم أكثر من أداة للكتابة؛ يصبح ذاكرةً وهويةً وجسراً، وشاهداً على زمنٍ كامل. وقد حافظت على نهجها وخطها المستقل في رصد الحالة اليومية المعيشة، وسعت إلى الحفاظ على استقلاليتها المهنية في تناول الوقائع وكشف الحقائق، وإلى إتاحة مساحة للتعبير عن المظالم والانتهاكات التي طالت أبناء الشعب الكردي، والإشارة إليها بجرأة. فحين تُكتب الوقائع، لا تبقى حبيسة اللحظة، وحين تُوثق المظالم، يصبح من الصعب على النسيان أن يطويها بالكامل.
هنا تكمن قيمة القلم الجديد في الأثر الذي تركته هذه الأعداد في ذاكرة القراء والكتّاب والصحفيين، وفي المساحة التي منحتها للكلمة، وفي الأصوات التي احتضنتها، وفي الجسور التي حاولت مدّها بين الثقافة الكردية ومحيطها السوري الأوسع.
فالصحيفة التي تنجح في الحفاظ على مهنيتها ودعم الأقلام الجديدة، وحماية مساحة الحوار والتعدد الثقافي، لا تبقى مجرد مطبوعة تصدر في زمن محدد؛ إنها تتحول تدريجياً إلى جزء من الذاكرة. والقلم الجديد تحفظ أسماءً ونصوصاً وأصواتاً، ومنبرٌ حمل الكلمة إلى فضاءٍ أوسع، وجسرٌ بين لغتين وثقافتين، ومساحةٌ حاولت أن تجعل من الصحافة فعلاً في مواجهة النسيان.
وحين تغيب كثير من التفاصيل التي صنعت يوماً من أيامنا، تبقى الصحيفة شاهدةً عليها. يبقى الورق ذاكرةً. وتبقى الكلمة أثراً. ويبقى القلم، حين يكون حراً ومسؤولاً، شاهداً لا يمحوه الزمن.

قد يعجبك ايضا
∧