الأنماط الرئيسة للتغيرات في القرن الماضي وما يتلوها

 

إعداد ـ التآخي

شهد العالم في القرن العشرين وحتى الآن تغيرات رئيسة كبيرة اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا. اقتصاديا، جرى التحول من الزراعة إلى الصناعة ثم الخدمات، فمعظم الاقتصادات المتقدمة انتقلت من اقتصاد زراعي إلى صناعي، ثم إلى اقتصاد قائم على الخدمات والمعرفة. وتشابكت الأسواق العالمية بحرية انتقال رؤوس الأموال والسلع، ونشوء شركات متعددة الجنسيات؛ وصعود الرأسمالية الاستهلاكية وتوسع الطبقة الوسطى في كثير من الدول بعد الحرب العالمية الثانية.

وبرغم النمو الإجمالي، ازدادت الفجوة بين الأغنياء والفقراء في عقود عديدة، وجرى الانتقال من اقتصادات مخططة إلى اقتصادات سوق في كثير من الدول الاشتراكية سابقا بعد 1989.

  اجتماعيا شهد العالم هجرة واسعة من الريف إلى المدن، وظهور المدن الكبرى وتغير الأدوار الأسرية بدخول المرأة سوق العمل بكثافة، وتراجع الأسرة الممتدة لصالح الأسرة النووية، وتغير أنماط الزواج والإنجاب، وارتفاع مستويات التعليم وانتشار التعليم الإلزامي والجامعي. وتصاعدت حركات الحقوق المدنية والنضالات من أجل المساواة العرقية والنوع الجنسي وحقوق الأقليات، وجرى الانتقال الديمغرافي بانخفاض معدلات الوفيات والولادات تدريجيا، وشيخوخة السكان في الدول المتقدمة، والعلمنة النسبية في بعض المجتمعات مقابل صحوات دينية في أخرى.

حدثت الثورة الصناعية الثانية والثالثة في الكهرباء، ثم الحوسبة والإلكترونيات، وتعاظمت ثورة الاتصالات، من الراديو والتلفزيون إلى الإنترنت والهاتف الذكي، مما قرّب المسافات وغيّر طرق التواصل والإعلام، وبالأتمتة والذكاء الاصطناعي تحول سوق العمل، واستبدال بعض المهن بالآلات والخوارزميات. الثورة الرقمية انشأت اقتصاد المعلومات، والتجارة الإلكترونية، ووسائل التواصل الاجتماعي، وتطور النقل بالطائرات، السيارات، القطارات السريعة، مما سرّع حركة البشر والبضائع.

اما الأنماط السياسية المرتبطة بهذه التغيرات فتضمنت صعود وسقوط الاستعمار، وظهور دول مستقلة جديدة بعد الحربين العالميتين، وانبثاق التنافس الأيديولوجي (الحرب الباردة) ثم صعود نظام دولي متعدد الأقطاب. وتوسع مفهوم الدولة الحديثة والمؤسسات الدولية (الأمم المتحدة، منظمة التجارة العالمية).

 

 

اما أبرز التغيرات التي شهدها العالم العربي في القرن الماضي فتمثلت اقتصاديا باكتشاف النفط وتصديره الذي حوّل دول الخليج تحديدا من اقتصادات معيشية بسيطة (رعي، صيد لؤلؤ، تجارة محدودة) إلى اقتصادات ريعية ثرية في عقود قليلة. وانبثق التصنيع الوطني بعد الاستقلال في مصر وسوريا والعراق والجزائر، الدول التي تبنّت سياسات تصنيع وتأميم في الخمسينات والستينات (كالقطاع العام)، ثم الانفتاح الاقتصادي بدءا من “الانفتاح” المصري في السبعينات، وتحول كثير من الدول تدريجيا نحو اقتصاد السوق والخصخصة. وشهدت المنطقة الهجرة العمالية البينية: ملايين العمال من مصر واليمن ودول المغرب العربي هاجروا للعمل في دول الخليج النفطية، ما أوجد تحويلات مالية ضخمة أثرت على اقتصادات بلدانهم الأصلية، وحدثت   فجوة كبيرة بين دول الخليج الثرية ودول أخرى تعاني من ضعف اقتصادي أو حروب (اليمن، سوريا، السودان).

اجتماعيا جرت عملية تحضر سريعة بنمو هائل للمدن الكبرى (القاهرة، بغداد، الدار البيضاء) نتيجة الهجرة من الريف، وانتشار التعليم من مجتمعات ذات أمية عالية أوائل القرن إلى معدلات تعليم مرتفعة نسبيا، بخاصة تعليم المرأة. و تغيرت البنية الأسرية  بتراجع نسبي للأسرة الممتدة، وارتفاع سن الزواج، وانخفاض معدلات الإنجاب في بعض الدول. وجرى نمو ديمغرافي كبير جعل نسبة الشباب مرتفعة جدا (ما يُعرف بـ”الشباب الديمغرافي”)، و  تحولت المجتمعات من نظم استعمارية إلى دول وطنية حديثة ( في حالة الاستعمارين الفرنسي والبريطاني بخاصة).  وصعدت نزاعات الهوية: التوتر بين المد القومي العربي، والتيارات الإسلامية، والهويات المحلية / الطائفية، لاسيما بعد الربيع العربي 2011.

الإذاعة والتلفزيون، اديا دورا محوريا في تشكيل الوعي القومي العربي (في الخمسينات). ثم في مدة لاحقة الفضائيات العربية جرى التحول من التلفزيون الرسمي إلى قنوات كالجزيرة وMBC، التي غيّرت المشهد الإعلامي بعد التسعينات.  الإنترنت والتواصل الاجتماعي، أديا دورا بارزا في حراك الربيع العربي 2011 (تونس، مصر، ليبيا، سوريا، اليمن)، و جرت الطفرة العمرانية الخليجية في دبي وقطر كأمثلة على تحول سريع من قرى صغيرة إلى مدن عالمية حديثة في غضون عقود.

تمثلت اهم المحطات السياسية في الاستقلال عن الاستعمار (أواخر الأربعينات حتى الستينات غالبا)، وشهدت  الحروب العربية الإسرائيلية المتكررة (1948، 1967، 1973) وتأثيرها العميق على الوعي السياسي. و الحرب الباردة العربية بين الأنظمة الجمهورية والملكية. و أحداث العراق 2003 و الربيع العربي 2011 وما تلاه من حروب أهلية أو تحولات سياسية (سوريا، ليبيا، اليمن، تونس).

 

تأثير النفط الحاسم.. الربيع العربي

 

يظهر أن تأثير النفط ظل حاسما فحتى في دول الخليج الصحراوية كان اكتشاف النفط إيذانا بنهضتها العمرانية، وسرعان ما باشرت بالتحول الحضري وانشاء مدن متطورة.. كما أن ثورات الشعوب العربية الأخرى فيما يسمى “الربيع العربي” كانت من ضمن أهدافها تحقيق التنمية وعدالة توزيع الثروات مثلما حدث في الخليج.

فالنفط كان بمنزلة “المحرك الأساسي” الذي حوّل مجتمعات صحراوية تقليدية إلى دول حديثة خلال عقود قليلة فقط  وهو تحول استغرق قرونا في أوروبا. لكن يجدر التنبيه إلى نقطتين:  التفاوت في داخل الخليج نفسه، فليست كل دول الخليج استفادت بالتساوي أو بالسرعة نفسها؛ فقطر والإمارات تسارعتا في التحول العمراني أكثر من عُمان مثلا، والتفاوت مرتبط بحجم الاحتياطي النفطي وسياسات الاستثمار. و العامل البشري لم يكن تلقائيا، اذ التحول لم يحدث فقط بفعل المال، بل بقرارات سياسية وتخطيط استراتيجي (كرؤية دبي التي قللت اعتمادها على النفط منذ وقت مبكر نسبيا، أو رؤية 2030 السعودية لاحقا) التي تهدف الى تنويع الاقتصاد.

 

 

الدافع الاقتصادي كان حاضرا فعلا في ثورات الربيع العربي، البطالة (بخاصة بين الشباب المتعلم)، وارتفاع الأسعار، والفساد في توزيع الثروة كانت من الشرارات الأساسية  كما في تونس ومصر،  لكن الأهداف كانت أوسع من “التنمية”، فالمطالب كانت أيضا سياسية بامتياز  الكرامة، والحرية، وإنهاء الاستبداد، والمساءلة، والعدالة الاجتماعية بمعناها الأشمل (وليس فقط توزيع الثروة)، وتمثل ذلك بشعار “عيش، حرية، عدالة اجتماعية” في مصر الذي يجمع هذه الأبعاد معا.

دول الربيع العربي (مصر، تونس، سوريا، اليمن) لم تكن تمتلك موارد نفطية ضخمة كالخليج، فالمشكلة لم تكن فقط “سوء توزيع ثروة موجودة” بل غياب انموذج اقتصادي منتج وفعال من الأساس، على عكس دول الخليج التي كان التحدي فيها إدارة فائض الثروة لا شحّها، و   في حين حافظ الخليج على استقرار نسبي مع تحول عمراني، انتهى الربيع العربي بنتائج متفاوتة جدا: نجاح نسبي في تونس، وحروب أهلية في سوريا وليبيا واليمن، وعودة لنمط استبدادي في مصر.

بعبارة أخرى، النفط في الخليج وفّر أداة تمويل ضخمة لتحول تديره أنظمة حاكمة مستقرة نسبيا “من الأعلى”، فيما كان الربيع العربي محاولة تغيير “من الأسفل” في ظل غياب تلك الموارد، وهو ما فسّر جزئيا صعوبة تحقيق نتائج اقتصادية سريعة حتى لو نجحت سياسيا.

سقوط نظام صدام حسين في العراق  في 9 نيسان 2003، وتشكيل سلطة الائتلاف المؤقتة بقيادة بول بريمر اقترنت بقرارات مفصلية مثيرة للجدل منها حل الجيش العراقي والأجهزة الأمنية، واجتثاث حزب البعث، اذ يرى بعض الباحثين  أنها أسهمت في الفراغ الأمني ونشوء المجاميع المسلحة لاحقا، وتمثلت المرحلة بإقرار دستور 2005 الذي أسس نظاما برلمانيا فيدراليا قائما على المحاصصة الطائفية والعرقية (شيعة، سنة، كورد)، و تشكّل عرف سياسي غير مكتوب، رئاسة الوزراء لشخصية شيعية، رئاسة الجمهورية لشخصية كوردية، رئاسة البرلمان لشخصية سنية، واتهم النظام  بانه كرس الانقسام الطائفي بدل بناء دولة المواطنة.

بعد الانتخابات التشريعية الأخيرة عام 2025، جرى تكليف علي فالح الزيدي رئيسا للوزراء، وتسلم مهامه رسميا في 16 أيار 2026، فيما يشغل نزار ئاميدي رئاسة الجمهورية  و هيبت الحلبوسي رئاسة البرلمان؛  وقد رافق تشكيل الحكومة الجديدة نزاعات حادة بشأن توزيع الحقائب الوزارية، بخاصة الحقائب السيادية، وهو ما يعكس استمرار أزمة النظام التوافقي بعد أكثر من ثلاث وعشرين سنة.

وشهد العراق التمرد المسلح (2003 ـ 2007) ضد القوات الأمريكية والنظام الجديد وتفجيرات المدن والحرب الطائفية (2006 ـ 2008) بعد تفجير مرقد الإمامين العسكريين في سامراء، التي أودت بعشرات الآلاف من الضحايا، وشهد العراق  صعود وسقوط تنظيم داعش (2014 ـ 2017) اذ سيطر التنظيم على الموصل ومساحات واسعة من العراق، ثم استعادتها القوات الحكومية  بعد حرب مدمرة خاصة في الموصل القديمة. تلا ذلك تصاعد نفوذ الفصائل المسلحة وتنامي دور الحشد الشعبي كقوة موازية للجيش النظامي، وانبثاق ملف “حصر السلاح بيد الدولة” الذي ما يزال أحد أكثر الملفات حساسية حتى اليوم.

واستمر الاقتصاد العراقي ريعيا  شديد الاعتماد على النفط (أكثر من 90% من الإيرادات)، وبرغم أن العراق يمتلك ثاني أكبر احتياطي نفطي عربي تقريبا فان التنمية تعطلت ولم تجري عملية احياء الصناعة والزراعة والخدمات و   يصنَّف العراق باستمرار من أكثر دول العالم فسادا، مع نهب واسع للمال العام (فضيحة “سرقة القرن” 2022 كمثال بارز)،  وضعفت البنية التحتية برغم عائدات النفط الضخمة وتواصلت أزمات كهرباء مزمنة، وتدهورت الخدمات الصحية والتعليمية، وأصبحت  البطالة مرتفعة بين الشباب برغم الثروة النفطية، ما غذّى احتجاجات متكررة.

 

احتجاجات تشرين في العراق

 

انبثق في شهر تشرين الأول سنة 2019، حراك شعبي عابر للطوائف طالب أولا بتلبية حقوق السكان ثم بعد ان جرت اعمال قتل واسعة للمتظاهرين جرت المطالبة بإسقاط النظام السياسي برمته، لا بتغيير الوجوه فقط، ومثلت الاحتجاجات الشعبية الواسعة  نقطة تحول مهمة لأنها بحسب الباحثين كسرت منطق المحاصصة الطائفية التقليدي، ولكنها قوبلت بقمع دموي أودى بحياة مئات المتظاهرين وجرح الالوف؛ ولقد عاش العراق عملية نزوح داخلي واسع بسبب الحروب المتعاقبة، بخاصة خلال معارك داعش. ويسجل الباحثون تصاعد الوعي الجيلي لدى الشباب (أكثر من 60% من السكان دون 25 عاما) للمطالبة بدولة مدنية بعيدا عن الطائفية.

وتحول العراق إلى ساحة تجاذب نفوذ بين إيران والولايات المتحدة وذلك انعكس على حياة السكان واعاق استقرارهم في أكثر من مناسبة، وانعكس على قراراته الداخلية والخارجية، وتسببت الاحداث في نشوء علاقة معقدة مع إقليم كوردستان العراق، تتراوح بين التعاون والتوتر (بخاصة حول ملفي النفط والموازنة).

ان تجربة العراق تمثل نموذجا لمفارقة “لعنة الموارد” اذ لم تُترجم الثروة النفطية إلى تنمية حقيقية، بل تشابكت مع نظام سياسي طائفي هش أنتج دورات متكررة من عدم الاستقرار. في المقابل، يُلاحَظ أن الحراك الشعبي (خاصة تشرين 2019) يعكس تململا جيليا متزايدا من هذا النظام، وإن كانت قدرته على إحداث تغيير بنيوي لا زالت محدودة حتى الآن.

وكان ملف الفساد هو الشغل الشاغل للعراقيين بخاصة بعد انكشاف ملفات فساد حكومي متعددة عثر بسببها على أموال طائلة مدفونة أو بصيغة عقارات او مركبات حديثة أو سبائك ذهب او حيوانات مزرعة.. لاسيما أن الفساد اعاق بناء واعمار البلد وتسبب ويتسبب في عدم الاستقرار الامني نتيجة اعتماد المجاميع المسلحة على جني الاموال بوسائل غير  مشروعة وغير قانونية.

ومنذ تشرين الأول 2025، باشر القضاء العراقي تحقيقات بشأن شبهات استغلال موارد الدولة والانتفاع بعقود حكومية مقابل عمولات ومنافع شخصية. واتسعت رقعة التحقيق بشكل كبير بعد توقيف عدنان الجميلي، وكيل وزارة النفط لشؤون التصفية، في أيار 2026، ثم إقالته في حزيران، لتشمل التحقيقات مسؤولين حاليين وسابقين وأعضاء في مجلس النواب.

وكشفت مصادر حكومية عن انطلاق مرحلة ثانية من حملة “صولة الفجر” تتبّع أصولا وعقارات ومجمعات سكنية في الولايات المتحدة وأوروبا يُشتبه بعائديتها لمسؤولين عراقيين أو واجهات استثمارية مرتبطة بهم  وهذا مؤشر مهم على أن الفساد ليس مجرد نهب محلي بل منظومة تهريب أموال عابرة للحدود.

ولقد برزت في المدة الأخير قضية تسليم سلاح المجاميع المسلحة الى الدولة “حصر السلاح حتى 30 أيلول” وربطها بعض الباحثين بالفساد، وقالوا، انه  حين تتحول الوزارات والعقود الحكومية إلى “غنائم”، تصبح بعض الفصائل المسلحة شريكا أو مستفيدا من شبكات الفساد (عقود وهمية، تهريب نفط، ابتزاز مشاريع)  فتتحول من مجرد “قوة أمر واقع” إلى فاعل اقتصادي له مصلحة في استمرار الفوضى المؤسسية، وان امتلاك بعض الجهات المسلحة نفوذا موازيا يجعلها فوق المساءلة القضائية العادية، ما يخلق “حصانة بالقوة” تصعّب محاسبة كبار المتورطين. هذا ما يفسر لماذا يربط كثير من المراقبين بين ملفي “حصر السلاح بيد الدولة” ومكافحة الفساد كوجهين لعملة واحدة فلا دولة قانون حقيقية من دون احتكار الدولة للقوة والمال معا.

 

قد يعجبك ايضا