من أين لك يا مولاي؟

الباحث الحقوقي رەنج باراوی

العراق، ذلك المهد التاريخي الذي كان ينبغي لثرواته الطبيعية وأرضه أن تكون ينبوعاً للرفاه وكرامة المواطنين لكي یتنعمون بالمواطنة الاقتصادیة، ولكن مع الاسف ظل لعقود طويلة ساحةً للأزمات والانقسامات العميقة. لقد ظهرت في هذا البلد طبقةٌ من الحكام والشخصيات الطائفية الذين اتخذوا من المقدسات والشعارات الدينية ستارةً لإقامة إمبراطوريات مالية وسياسية ضخمة لأنفسهم. والمقصود هنا بالتحديد هم تلك الشخصيات السياسية الطائفية التي تستحوذ على المناصب العليا، والمؤسسات الكبرى، والاحتكار الاقتصادي، لا المقدسات الدينية الأصيلة. إنهم مهندسو الفقر وصناعه في المجتمع، بينما يعيشون هم في قمة الثراء والنفوذ. وحين يتأمل المرء في هذا التناقض العميق، ليتردد سؤال واحد في الذهن: «من أين لك يا مولاي؟».

لقد ظل تاريخ الحكم والعدالة شاهداً حياً على أن المسؤول النظيف لم يمد يده يوماً إلى المال العام؛ ففي التاريخ الإسلامي، عندما كان يُلاحظ أن والياً أو مسؤولاً قد أصبح فجأة في عهدة ولايته صاحباً لقصور وثروات طائلة، كانت تُشكّل فوراً لجنة تحقيق ويُسأل: «من أين لك هذا؟»وتُسترد تلك الأموال بلا حق إلى بيت المال. وإن هذا المبدأ التاريخي كان أساساً للحكم، ولكن حين ننظر إلى الخلفية والتاريخ السحيق لهؤلاء الشخصيات في عراق اليوم، نجد أن غالبيتهم الساحقة قد عاشت قُبيل تسلم السلطة ظروفاً اقتصادية بالغة الصعوبة والفقر ولم تكن تمتلك أي ثروة مستقلة. أما اليوم، ودون أي إنتاج علمي، أو صناعي، أو تجاري مستقل، فقد باتوا أصحاب شركات، وفيلات في الأحياء الراقية، وثروات خيالية جُمِعت عبر الاستيلاء على المال العام والملفات الاقتصادية.

وتعقيباً على هذه السمة الذميمة المتمثلة في تكديس الأموال والاحتكار، يُحذر القرآن الكريم بحزم أولئك الذين يأكلون أموال الناس باطلاً بقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)[التوبة: ٣٤]. كما يُحذر النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) بوضوح من خطورة الحكام الفاسدين في حديثه الشريف: «إِنَّ رِجَالاً يَتَخَوَّضُونَ فِي مَالِ اللَّهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَهُمُ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».

رغم ذلك، وتحت غطاء هذه المشاهد الدينية، لا يبرح هذا النمط الحاكم ليل نهار عبر المنابر والمحافل وعشرات القنوات الفضائية المدارة بميزانيات خيالية من قوت الشعب ومن “النثريات السرية” يروجون لمقولة أن «الفقر فخر وأن مأوى الفقراء هو الجنة». إن هذه القنوات لا تسعى لنشر الحقيقة، بل لصنع زيف مقدَّس، وتقديس المسؤولين، والتستر على الفساد؛ وهم يهدرون أموال هذه الأمة ليجعلوا من الصمت والفقر فلسفةً مقبولة في عقول المواطنين. وحين نقارن هذا بنهج الإمام علي (رضي الله عنه)، نرى ذلك القائد العظيم كيف وقف بوجه الفقر وصرح بكلمته الشهيرة: «لو كان الفقر رجلاً لقتلتُه». لقد اتخذ هؤلاء من الدين ونهج الإمام مجرد ترسٍ لبقائهم وتغطية لفسادهم.

ومن المصادر الأخرى لتضخم ثرواتهم، إدارة الإيرادات الهائلة للزائرين والموازنات الضخمة المرصودة للمراسم الدينية، حيث يذهب جزء كبير من هذه الأموال عبر منظمات ومؤسسات و«نثريات» حزبية وطائفية دون رقابة دقيقة إلى الجيوب الخاصة لهذه الشخصيات.

وفي الوقت الذي يؤكد فيه دستور جمهورية العراق الفيدرالي في المادة (١٤) على المساواة بين المواطنين أمام القانون، وفي المادة (١٦) على تكافؤ الفرص لجميع العراقيين، نجد أن هذه الطبقة الحاكمة قد جعلت من الدستور والقوانين رهينةً لمصالحها الخاصة. فضلاً عن ذلك، تنص المادة (٢٧) من الدستور على أن حماية الأموال العامة واجب مقدَّس والدولة ملزمة بإدارتها، لا أن تحال إلى ملكية خاصة لثلة تنهب ثروات الوطن تحت ستار المناصب والشعارات.

ولو تجسَّد مفهوم «المواطنة» بمعناه الحقيقي في العراق، لأصبح المواطنون أكثر وعياً ولأدركوا بسهولة هذا الظلم الطائفي؛ ولكن لمنع هذا الوعي، يعمدون عمداً إلى إبقاء حالة من عدم الاستقرار و«الفراغ التشريعي» في البرلمان؛ فلا يسمحون أبداً بالتصويت على قانون صارم وعادل مثل (من أين لك هذا؟) لكشف ذمم المسؤولين المالية. وفي الوقت ذاته، ولبقاء سلطتهم، يقسمون المجتمع على أساس العشيرة والطائفة، لا على أساس المواطنة المتساوية.

إن عاقبة هذا الوضع ليست مجرد هدر مالي فحسب، بل هيتحطيم عميق لـ«الثقة الاجتماعية» وقتل الأمل ورغبة الحياة في نفوس الجيل الجديد؛ فما إن يرى المواطنُ مسؤولاً يثري على حساب فقره وشقائه، حتى تتمزق أواصر العلاقة بين الفرد ووطنه، ويهيمن شعور قاتل باليأس على المجتمع.

والمثير للسخرية أن هؤلاء المسؤولين يظهرون أنفسهم بمظهر الزهاد والفقراء، بينما يتنقلون في الواقع بسيارات مصفحة، وحراسات خاصة، وطائرات رئاسية. يتحدثون عن عطش وجوع الفقراء، وهم يتأملون العالم من شرف قصورهم المرمرية، وعند أي أزمة يلوذون بطائراتهم الخاصة خارج البلاد، تاركين المواطن يصارع كسرة الخبز اليابسة.

العلاجات والخطوات العملية:

١. صياغة مشروع قانون مدني من قِبل المراكز الفكرية والقانونية لتطبيق مبدأ «من أين لك هذا؟» على جميع الدرجات العليا بلا استثناء، تجسيداً لروح المواد الدستورية المتعلقة بالشفافية.
٢. خلق ضغط مدني ومؤسساتي بهدف إرساء الشفافية والتدقيق المالي في إيرادات المؤسسات الدينية والخيرية والقنوات الفضائية الممولة من المال العام.
٣. ترسيخ ثقافة «المواطنة»وتوعية الجماهير عبر خطاب وطني نقي لحماية الثقة الاجتماعية وفصل المقدسات الدينية عن سلطة الطبقة المحتكرة.

لقد حان الوقت لكي يوجه الجيل الواعي، والكتاب، ومجتمعنا المدني سؤالَ النزاهة الوطني والسياسي لهذه الطبقة، وليقولوا لهم بلا خوف: «من أين لك هذا؟»؛ ولایقتنعوا بردهم (هذا من فضل ربي)، امنت بالله وهو علی كل شيء قدیر ولكن نحن نرید ان نوجه لهم السؤال الدستوري والوجداني لتقصي الحقائق لانهم لیسوا بخط احمر بل ٲن العراق ودستوره وقوانینه الراسخة للاصلاح فوق الجمیع. ليكون هذا السؤال الخاتمة لضمائر غفت، وليرتفع كمنارة وعي في أفق الوطن إلى أن يُصدر قضاء الشعب قراره العادل.

المصادر والمراجع العلمية:

١.القرآن الكريم، سورة التوبة، الآية (٣٤).
٢.سنن أبي داود، الإمام أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، (بيروت: دار الفكر)، المجلد: 3، باب في مال الله، رقم الحديث: (3540)، ص: 198.
٣.نهج البلاغة، الإمام علي بن أبي طالب (رجي الله عنه)، جمع الشريف الرضي، تحقيق: محمد عبده، (بيروت: دار المعرفة)، المجلد: 3، الكتاب (45) إلى عثمان بن حنيف الأنصاري، ص: 69-75.
٤.دستور جمهورية العراق الفيدرالي (٢٠٠٥)، الوقائع العراقية (الجريدة الرسمية)، العدد: (4012)، المواد: (١٤، ١٦، ٢٧، ٤٦).
٥.قانون هيئة النزاهة والالكاف الكسب غير المشروع رقم (30) لسنة 2011 المعدل، وقائع العراقية، بغداد، (المتعلق بآلية الإفصاح عن الذمة المالية ومبدأ “من أين لك هذا؟”).
٦.التنظيمات الإدارية في الإسلام، د. صبحي الصالح، (بيروت: دار العلم للملايين)، الطبعة: 5، ص: 245-260 (تاريخ الرقابة المالية ومساءلة الولاة والمسؤولين في صدر الإسلام).

قد يعجبك ايضا