الباحث القانوني: رنج باراوي
قراءة نقدية لإلغاء الإرادة السياسية للکورد بعد ٨٩عاماً
تُعدّ هذه المقالة محاولة لقراءة نقدية وتاريخية لجذور المؤامرات الإقليمية ضد الشعب الکوردي، لكي يدرك القارئ كيف جرى دائماً استخدام الحدود المصطنعة والتحالفات الدبلوماسية لقمع الإرادة التحررية لشعب كوردستان.
في تاريخ منطقة الشرق الأوسط، توجد اتفاقيات لا تغير فقط خارطة العلاقات الدبلوماسية بين الدول، بل تصبح وصمة عار على جبين الحقوق الإنسانية والقومية للشعوب غير المتمتعة بالكيانات الدولتية. تُعد معاهدة سعد آباد التي وُقّعت في 8 تموز/يوليو 1937 في قصر سعد آباد بطهران بين العراق، إيران، تركيا وأفغانستان- أحد النصوص السياسية بالغة الخطورة، والتي صُمّمت بهدف رئيسي يتمثل في إبادة الحركات القومية في المنطقة وتصفيتها، ولا سيما حركة التحرر الکورديّة. إن فهم هذه المعاهدة يتطلب تقييماً عميقاً تاريخياً، قانونياً، اجتماعياً واقتصادياً لتتضح أبعادها المظلمة بحق الشعب الکوردي بجلّ جلاء:
أولاً: وضع الحركة الکورديّة والبيئة التاريخية عام ١٩٣٧، كانت حركة التحرر الکورديّة في شطري كوردستان (الجنوبي والشرقي) تمر بمرحلة تعجّ بالتحديات والجراح العميقة:
١.في كوردستان الجنوبية (العراق): عقب إخماد ثورات الشيخ محمود الحفيد وتراجع الحركات المسلحة، واجه المجتمع الکوردي وضعاً سياسياً بالغ الحساسية؛ حيث تمثل هدف الکورد في ذلك الشطر بالصمود بوجه سياسات التصهير والتهميش، وإجبار سلطة بغداد على تطبيق الحقوق الثقافية والإدارية.
٢.في كوردستان الشرقية (إيران): في ظل النظام الديكتاتوري لرضا شاه بهلوي، كانت تُمارَس سياسة قاسية قائمة على مبدأ “أمة واحدة ولسان واحد”. وهناك، واجه الکورد حملة وحشية لمحو الهوية الوطنية، وحظر اللغة الأم، والتهجير القسري.
فلم ترعَ دساتير وقوانين أيٍّ من الدولتين الحقوق المشروعة للکورد؛ ففي العراق، تعامل دستور عام ١٩٢٥ مع المكونات بصورة سطحية من خلال مواد شكلية جرى تجاهلها في أتون التطبيق العملي، وفي إيران، رفض الدستور المشروط وحكم رضا شاه التعددية القومية بالكامل، ناظراً إلى الکورد فرعايا من الدرجة الثانية يجب صهرهم في بوتقة الأحادية.
ثانياً: مخاوف القوى الكبرى والبعد الجغرافي-النفطي خلف المعاهدة٫ لم يكن نشوء هذا التحالف ثمرة لرغبات محلية بحتة، بل حمل بعداً استراتيجياً:
١.حماية حقول النفط: غالباً ما يُتغاضى في الدراسات التاريخية عن حجم القلق حيال تلاحم النضال الکوردي على جانبي الحدود العراقية والإيرانية (سيما في المناطق الغنية بالنفط والمناطق الحدودية). لقد أسست هذه المعاهدة في جوهرها طوقاً أمنياً لضمان سلامة خطوط نقل النفط والحقول الاستراتيجية من خطر أي حراك ثوري.
٢.درء كارثة السلسلة الثورية:بعد أن نجحت تركيا في وأد ثورات مثل الشيخ سعيد وآغري، وخوف إيران في ظل عصر بناء الدولة القومية المتشدد لرضا شاه من أن يتحول اندلاع أي ثورة في جزء من كوردستان إلى شرارة تحرق الأجزاء الأخرى؛ جاءت معاهدة سعد آباد بمثابة مؤامرة مسبقة لإخماد أي جذوة ثورية قبل تفاقمها.
تبلورت فكرة هذا التحالف الإقليمي بتنسيق من الدول المركزية ذاتها (التي تشاطرت الرخاء والهلع المشترك من الوجود السياسي الکوردي)، وتحت رقابة ومصالح بريطانيا العامة في المنطقة. وكان المهندس الرئيسي لهذه الاتفاقية هو توفيق رشدي أاراس من الجانب التركي، والدوائر الدبلوماسية في طهران من الجانب الإيراني. ورغم أن النص العام للمعاهدة تحدث عن عدم الاعتداء، إلا أن المادة السابعة (إلى جانب البنود السرية المتحالفة فيها) منحت القوات العسكرية للدول الأعضاء حق اجتياز الحدود في حال حدوث أي حراك أو “جماعات مسلحة خارجة عن القانون” لملاحقتها والقضاء عليها؛ وهو ما استهدف بوضوح الحقوق الديمقراطية والسياسية للحركة الکورديّة.
وعلى الرغم من هذا العدوان الدبلوماسي، لم يقف الکورد مكتوفي الأيدي؛ إذ عبّر المثقفون، الشخصيات الوطنية، والقيادات الکورديّة في تلك الحقبة (عبر المذكرات والشكاوى الرسمية للقيادات وعصبة الأمم) عن سخطهم العارم حيال هذا التحالف العنصري، رغم أن أصواتهم أُهملت تماماً خضوعاً لمصالح النظام الدولي حينذاك.
إن أحد أكثر جوانب هذه المعاهدة حلكةً لم يكن مقتصراً على البعدين السياسي والعسكري، بل تمثل في الخراب الاجتماعي الذي خلّفته في صميم العائلات الکورديّة. فقد أدى تقطيع أوصال العلاقات العشائرية والثقافية وتشديد الرقابة الحدودية بموجب معاهدة سعد آباد إلى انقطاع أواصر القربى، والنسب، والتجارة بين القبائل الکورديّة على ضفتي الحدود (مثل القبائل في مناطق هورمان، وبشدير، ومريوان، وسردشت). وقد أسفر هذا الفصل القسري والحدود المصطنعة عن شرخ عميق نفسي واجتماعي، لا تزال آثاره باقية حتى اليوم في الفولكلور، والشعر، والأدب الکوردي لتكون شاهداً حياً على المأساة.
واذا ننظر بتمعن نجد انها تألفت معاهدة سعد آباد من 9 مواد منحت القوات المسلحة للدول الثلاث صلاحية عبور الحدود عند الضرورة، وهو ما أسفر عن تبادل بغداد وأنقرة وطهران للمعلومات الاستخبارية والعسكرية ضد الکورد.
تاريخياً، شكّلت هذه المعاهدة تمهيداً واضحاً للاتفاقيات اللاحقة، لا سيما اتفاقية الجزائر عام ۱۹۷٥ بين العراق وإيران. ففي الاتفاقيتين معاً، جرى التضحية بمصير الحركة الکورديّة لحساب المصالح الدولتية، وتوحيد الإرادة السياسية لجارين ضد الحقوق المشروعة لشعب كوردستان. وتكمن المفارقة الأساسية في كون سعد آباد تحالفاً متعدد الأطراف شاركت فيه تركيا وأفغانستان، بينما كانت اتفاقية الجزائر ثنائية الأطراف استهدفت بالدرجة الأولى وأد ثورة أيلول في كوردستان الجنوبية.
رغم أن معاهدة سعد آباد لعام ۱۹۳۷ قد استنفدت أثرها قانونياً تبعاً لظرف تاريخي خاص، إلا أن فلسفتها السياسية والأمنية تتكرر غالباً بأشكال جديدة. ففي الجيوبوليتيك الراهن للمنطقة، تُقرأ الضغوط والتنسيقات الأمنية القائمة بين دول الإقليم بشأن كيان إقليم كوردستان، ووضع قوات الحماية وقوات البيشمركة الرسمية في العراق، أو الوضع المناظر لقسد وپەکەکە في سوريا، من قِبل بعض الباحثين كامتداد للبنى الفكرية والسلوكية لـ”روح سعد آباد”؛ أي محاولة تقويض المكتسبات والوضع العسكري والسياسي الکوردي عبر الضغط الإقليمي المشترك.
من منظور الأعراف الدبلوماسية والقانون الدولي المعاصر، فإن الأثر العملي والقانوني لمعاهدة سعد آباد قد اندثر تماماً. فالتحولات الجذرية في الأنظمة السياسية لتلك الدول، وحل عصبة الأمم وتأسيس منظمة الأمم المتحدة والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان، وضعت أوزاراً نهائية لمثل تلك الاتفاقيات، ولم يعد هناك أي فراغ قانوني يتيح إحياء هذه المعاهدة العتيقة بصورة رسمية. بيد أن خطر النماذج الجديدة لمعاهدات مماثلة يلوح بين الحين والآخر في أفق لغة السياسة، بما يحمل من هواجس عقلية ومنطقية تخشى تجدد جبهات العداء ضد الکورد.
وفي الختام، تبقى معاهدة سعد آباد شاخصاً تاريخياً يدلل على أن حكام المنطقة طالما استعدّوا دوماً تغليباً لمصالحهم السياسية الضيقة وقمعاً لصوت الحرية لتحويل حدودهم إلى جسور لسحق الحقوق المشروعة للشعب الکوردي؛ إرثٌ وإن تقادم قانوناً، إلا أن تبعاته السياسية والأمنية والنفسية ما زالت تترى كدرس تاريخي عميق على خارطة الجغرافيا السياسية للمنطقة.
————————————————————————
المصادر:
أولاً: الكتب التاريخية والسياسية:
1. أحمد، د. محمد علي (2005). التاريخ السياسي للکورد وكوردستان (1920 – 1945). السليمانية: مطبعة سردم.
2. حسن، كمال محمد (2012). المعاهدات الإقليمية وتأثيرها على القضية الکورديّة. أربيل: مؤسسة سردم للطباعة والنشر.
3. Longrigg, Stephen Hemsley. (1953). Iraq, 1900 to 1950: A Political, Social, and Economic History. Oxford University Press.
ثانياً: الوثائق الدولية والقانونية:
4. League of Nations. (1937). Treaty of Non-Aggression (Saadabad Pact). Signed at Tehran, July 8, 1937. League of Nations Treaty Series, Vol. CLXXXIV.
5. مجلس الأمم المتحدة (1975). نص اتفاقية الجزائر والمذكرات الملحقة بها بين العراق وإيران. وثيقة رسمية.
ثالثاً: البحوث والمقالات العلمية:
6. البرزنجي، عمر (2018). “تأثير المعاهدات الإقليمية للقرن العشرين على جغرافية كوردستان السياسية”. مجلة جامعة السليمانية للعلوم الإنسانية، العدد (45)، ص ص 112-135.