أحمد عبد الباقي: سيرة اقتصادي عراقي في دروب الإدارة والمال

محمد علي محيي الدين

في سجلّ الشخصيات الاقتصادية العراقية التي ارتبط اسمها بمراحل التحول الإداري والمالي في الدولة، يبرز أحمد عبد الباقي بوصفه واحدًا من رجال الاقتصاد والإدارة الذين تدرجوا في مواقع المسؤولية منذ عهد مبكر، وأسهموا في بناء مؤسسات الدولة الحديثة وترسيخ أسسها المالية.
ولد أحمد عبد الباقي في بغداد عام 1917 في بيئة حضرية شهدت تحولات العراق من أواخر العهد العثماني إلى مرحلة الدولة الحديثة. تلقى تعليمه الأولي ثم التحق بدار المعلمين العالية، ومنها نال شهادة الليسانس عام 1942، ليبدأ مسارًا مهنيًا اتجه منذ بداياته نحو ميادين التعليم والإدارة والتفتيش التربوي، قبل أن يفرض عليه ميله إلى الشأن المالي والاقتصادي أن ينتقل تدريجيًا إلى مؤسسات الدولة ذات الطابع المالي.
ومع اتساع خبرته الإدارية، تقلّد مناصب مهمة في مفاصل وزارة المالية، فعيّن عام 1953 مديرًا للميزانية، وهو موقع شديد الحساسية يتصل بتوزيع الموارد العامة ورسم السياسات المالية للدولة. ثم انتقل إلى وزارة الإعمار مديرًا للحسابات عام 1956، حيث كان للإدارة المالية دور أساسي في مشاريع البنية التحتية التي كانت البلاد تشهدها في تلك المرحلة. وبعدها بثلاث سنوات، عام 1959، ارتقى إلى منصب وكيل وزارة المالية، وهو من المواقع العليا التي تعكس الثقة بخبرته وكفاءته في إدارة الشأن المالي العام.
وفي مسيرته المهنية، لم يقتصر حضوره على الجهاز التنفيذي، بل امتد إلى مؤسسات التخطيط والرقابة المالية، إذ شغل عضوية مجلس الخدمة عام 1964، كما تولى لاحقًا منصب نائب محافظ البنك المركزي العراقي، وهو موقع بالغ الأهمية في ضبط السياسة النقدية وحماية الاستقرار المالي للدولة.
وقد بلغ ذروة حضوره المهني حين شغل منصب محافظ البنك المركزي العراقي في فترتين مختلفتين؛ الأولى كانت قصيرة ومكثفة امتدت من 1 كانون الثاني 1963 إلى 18 كانون الثاني من العام نفسه، والثانية جاءت لاحقًا بين 27 كانون الأول 1975 و13 أيار 1976، وهي مرحلة اتسمت بتعقيدات اقتصادية داخلية وخارجية، ما جعل موقعه في إدارة السياسة النقدية بالغ الحساسية والدقة. وبين هاتين الفترتين، ظل قريبًا من دوائر القرار المالي، مساهمًا في إدارة الشأن النقدي من موقع الوكيل أو المستشار.
لم يكن أحمد عبد الباقي إداريًا فحسب، بل كان أيضًا باحثًا ومترجمًا أسهم في نقل عدد من المعارف الاقتصادية والفكرية إلى العربية، في وقت كانت فيه الحاجة ملحّة لتطوير الوعي الاقتصادي الحديث. ومن أبرز أعماله المترجمة كتابه عن وادي الرافدين مهد الحضارة الذي صدر عام 1948، إضافة إلى ترجمته لكتاب الثورة الكوبرنيكية أو النظام الفلكي الحديث لبرتراند رسل، والذي صدر في القاهرة عام 1948، وهو عمل يعكس انفتاحه على الفكر العلمي والفلسفي العالمي. كما ألّف كتابًا في ميزانية الدولة العراقية عام 1947، يُعد من المحاولات المبكرة لتأصيل الفهم العلمي للموازنة العامة في العراق. وله كذلك تحقيق علمي لكتاب الطف التدبير المنسوب إلى محمد بن عبد الله الخطيب الإسكافي، صدر في القاهرة عام 1964، إلى جانب مساهماته في إعداد كتب منهجية في التاريخ والجغرافية للمرحلة الثانوية، ما يدل على اتساع اهتمامه بين الاقتصاد والتربية والمعرفة العامة.
تميّزت شخصيته المهنية بالجمع بين الإدارة الدقيقة والرؤية الأكاديمية، وهو ما جعل اسمه حاضرًا في ذاكرة المؤسسات المالية العراقية بوصفه أحد الوجوه التي عملت في صمت نسبي، لكنها تركت أثرًا في بنية النظام المالي والإداري للدولة خلال منتصف القرن العشرين.
وعلى الصعيد الأسري، يُذكر أن له ابنة هي سناء أحمد عبد الباقي، عملت في القطاع المصرفي العراقي وتدرجت في وظائف متعددة، كان آخرها قبل تقاعدها منصب مديرة مكتب مجلس الإدارة في مصرف الرشيد خلال تسعينات القرن الماضي، وقد واصلت العائلة ارتباطها بالمسار الأكاديمي، إذ إن حفيدته الدكتورة رغد الأطرقجي تعمل أستاذة في كلية الزراعة بجامعة بغداد، ما يعكس استمرار حضور المعرفة في امتداد العائلة عبر الأجيال.
رحل أحمد عبد الباقي بعد مسيرة امتدت عبر عقود من العمل في الدولة، لكنه بقي من الأسماء التي ارتبطت بتاريخ الإدارة المالية العراقية، في مرحلة كانت فيها البلاد تبني مؤسساتها الاقتصادية وتؤسس لخبراتها الوطنية في مجالات النقد والميزانية والتخطيط المالي.

قد يعجبك ايضا