استراتيجية الحمار ووفاء الشحط.. محروقات سوريا ترفع شعار “عاشت البطانية”!

هورين حسن

الكوميديا الارتجالية الحكومية

يبدو أن القائمين على وزارة الطاقة في الحكومة السورية المؤقتة، قد سئموا من رتابة العمل الحكومي التقليدي، فقرروا تحويل مسيرتهم المهنية نحو “الكوميديا الارتجالية” وإبهار الجماهير بجرعة ترفيهية من العيار الثقيل، غرضها الضحك على الذقون واللعب على حبال الصبر المتآكل.

ففي حركة سينمائية تفتقر لأدنى درجات الإحساس، استيقظ السوريون ليجدوا أن الوزارة قد باغتتهم بنشرة أسعار محروقات جديدة، هي الثانية من نوعها خلال أيام معدودة، وكأن لسان حال المسؤولين يقول: “نخشى أن يصاب المواطن بمرض الاستقرار الاقتصادي، لذلك وجب كسر الروتين برفع المازوت 40% والبنزين 28%”. والمثير للسخرية والجنون معاً؛ هو مبرر الوزارة الحنون بأن هذا القرار يهدف حصراً لـ “تجنب عودة الطوابير”!

وبالفعل، نجحت العبقرية الاقتصادية الفذة في إبادة المشكلة من جذورها، فلن تكون هناك طوابير على محطات الوقود بعد اليوم، ببساطة لأنه لم يعد يتبقى مع أي مواطن ليرة سورية واحدة يتجه بها إلى المحطة أصلاً. لقد اختفت الطوابير لا لأن المواد توفرت، بل لأن الزبائن أُفلسوا وجُردوا من جيوبهم بنجاح ساحق؛ فهنيئاً للمحطات هدوء المقابر!

فلسفة البيروقراطية

أما المبررات الرسمية التي صيغت بها البيانات، فقد جاءت أشبه بملحمة درامية رخيصة عابرة للقارات والبحار والمحيطات، تهدف لاستغفال الشارع بشكل علني. إذ تبين فجأة أن المواطن السوري الكادح، الذي يقضي نصف يومه يلهث خلف رغيف خبز مغمس بالذل في أزقة المدن، بات مسؤولاً تضامنياً عن تمويل صيانة “عمرة مصفاة بانياس” الشاملة. ليس هذا فحسب، بل إن هذا الكائن المطالب بالصمود الجاف، عليه أن يتحمل التبعات الجيوسياسية لأزمة الملاحة الدولية في مضيق هرمز وباب المندب واضطرابات البحر الأحمر.

وبينما ينشغل جهابذة التخطيط وراء المكاتب الفاخرة بحساب تكلفة شحن طن المازوت المستورد الذي يقترب من 1400 دولار، سقط من حساباتهم العبقرية تماماً حساب تكلفة المواطن المحلي، الذي يُطالَب بالعيش براتب شهري مضحك لا يكفي لشراء عبوة زيت قلاية أو قطعتين من اللحم.

المعجزة الرياضية

وهنا نقف إجلالاً أمام المعجزة الرياضية السورية الأحدث، والتي يجب أن تُدرّس في كبرى جامعات الفشل الاقتصادي العالمي؛ كيف توازن بين راتب موظف حكومي فلكي يتراوح بين 1,2 إلى1,5 مليون ليرة سورية شهرياً، وبين أسعار وقود تحسب بالليرة الفلكية حيث قفز سعر لتر البنزين (أوكتان 95) لـ 195 ليرة سورية، والمازوت الذي وصل لـ 175 ليرة؟ وبفضل عملية “حذف الأصفار “الرسمية لعام 2026 تبين أن ال195ليرة المكتوبة بنعومة على الورق، ماهي إلا 19ألفاً و500ليرة فعلية تنهش الجيوب، بعملية حسابية بسيطة تتجاوز الفوارق الحسابية المعقدة والخدع البصرية للعملة، نكتشف أن الراتب الشهري بالكامل أصبح بالكاد يكفي لتعبئة خزان سيارة صغيرة لمرتين فقط في الشهر.

ليظل الموظف أمام خيارات استراتيجية أحلاها علقم، هل ينفق مئات الآلاف على كلفة السمع والطاعة لوسائل النقل العام المتهالكة من أجل الذهاب إلى وظيفته، أم يعتكف في منزله بقية الأيام؟

ما وراء الوظيفة والسيارة

لكن عبقرية وزارة الطاقة لم تكتفِ بضرب فئة الموظفين أو أصحاب السيارات المقرّبين من شاشات البورصة؛ بل امتدت يدها الحانية لتطال الأغلبية الساحقة من الشعب السوري؛ أولئك الذين لا يملكون سيارة يخشون نفاد بنزينها، ولا وظيفة حكومية ينتظرون زيادة أجورها الاسمية المليونية المضحكة.

نحن نتحدث عن عمال المياومة، والباعة المتجولين، والشباب الذين يعيشون على هامش الاقتصاد الحُر، والذين يعتمد قوت يومهم على ما يجنونه من عرق جبينهم كل أربع وعشرين ساعة. لهؤلاء، رفع سعر المازوت بنسبة 40% ليس مجرد أرقام تُناقَش في الصالونات؛ بل هو “تسونامي غلاء” يرفع فوراً إيجار السرفيس الذي ينقلهم، ويضاعف كلفة تشغيل مولدات “الأمبيرات” التي تمنحهم بضع ساعات من الضوء، ويقذف بأسعار الخضار والخبز إلى مستويات خيالية.

بالنسبة للمواطن الذي لا يملك سوى قدميه للمشي، أصبح تأمين ثمن المواد الغذائية الأساسية بعد هذه النشرة ضرباً من المستحيل المعيشي المطبق.

لوجستيات العصور الوسطى

قفزت طموحات المواطن اللوجستية قفزة نوعية نحو الماضي السحيق، حيث ضجت الشوارع والمنصات بنكتة الموسم المفضلة للموظفين: “الحل الوحيد المتبقي للوصول إلى الدوام هو شراء حمار!”. ولم يعد هذا الطرح مجرد دعابة هزلية، بل تحول إلى خطة استراتيجية بديلة يناقشها الموظفون الكادحون بحسرة مضحكة وبغضب مكتوم؛ فالحمار—على عكس السرفيس أو السيارة—لا يعترف بقرارات وزارة الطاقة، ولا يتأثر بعَمرة مصفاة بانياس، ولا يحتاج لبنزين أوكتان 95، وكل ما يتطلبه الأمر هو قليل من الحشيش أو الفصّة الذي قد ينافس قريباً سعر لتر المازوت في السوق السوداء.
تخيلوا فقط مشهد مواقف الحافلات في الصباح وهي تتحول إلى “مربط للدواب”، حيث يتسابق الموظفون بالملابس الرسمية لربط وسائل نقلهم البدائية قبل الدخول لبصمة الدوام!

إنها العبقرية الرسمية التي استطاعت بقرار واحد إعادة البلاد إلى العصور الوسطى، محققةً حلم “النقل الأخضر الصديق للبيئة” الذي تعجز عنه الدول الأوروبية المتقدمة.

الوفاء الميكانيكي

ولم تتوقف سيناريوهات التندّر عند التلويح ببديل الحمار، بل امتدت لتصل إلى حدود الفانتازيا والهلوسة المعيشية؛ حيث تداول السوريون بحسرة ملسوعة حواراً درامياً يدور بين مواطن مكلوم وسيارتِه الرابضة أمام منزله كجثة هامدة.

يخاطب المواطن حديد حافلتِه بنبرة اعتذار باطلة ومليئة بالدموع: “لقد كنتُ وفياً معكِ طوال سنوات، ولم أبخل عليكِ بقطعة غيار أو غسيل، ولكني اليوم—أمام عتبة الـ 195 ليرة للتر—أعلن عجزي التام وعزلتي عن هواكِ!”. لتأتيه الصدمة الكبرى بالرد الساخر والمقيت من السيارة نفسها التي تنطق بلسان الحال قائلة: “لا تقلق يا صاحبي.. سأظل وفيةً معك حتى النهاية، وسأذهب معك إلى كل مكان.. ولكن شحطاً على الأكتاف أو وراء رافعة الحجز!”.

إنها قمة الوفاء الميكانيكي الذي فرضته عبقرية وزارة الطاقة؛ حيث تحولت السيارات من وسائل نقل مريحة إلى قطع معدنية ثقيلة ومجرد عبء جسدي ونفسي يتطلب دفعه شحطاً لقطع المسافات.

ندم برميل المازوت

وتكتمل فصول المأساة الكوميدية في المنطقة الشرقية بشكل أشد لسعاً؛ فبينما كان الأهالي بالأمس القريب يتذمرون من غلاء مادة المحروقات في ظل قرارات الإدارة الذاتية. والبعض ندم ودفع ثروات لشراء برميل المازوت تحسباً للأسوأ، جاءت تسعيرة الطاقة الجديدة اليوم لتعصف بالمنطقة بعد رفع الدعم.

المفارقة المبكية، تقود المواطن للمقارنة السريالية والحسرة؛ حيث قفز كلفة تعبئة البرميل الواحد (200) لتر رسمياً إلى ما يعادل 3ملايين و500 ألف ليرة قديمة، في حين أن تجار الأزمات وسماسرة الاحتكار كانوا قد نهبوا مدخرات وشقى عمر الأهالي بالأمس القريب بأسعار فلكية موازية مستغلين خوفهم من انقطاع المادة.

يقف المواطن اليوم مصفّر الجيوب أمام البرميل الجديد، يضرب كفاً بكف ويتساءل بمرارة وتهكم: “بربك، من ماذا كانت تشتكي البطانية في الشتاء؟!”.
وبالفعل، تبين أن دفء البطانية المجاني والصمود تحت الأغطية، هما الخيار الأكثر أماناً من مغبة الوقوع في فخاخ بورصة الطاقة الوطنية وجشع سماسرتها، ليتحول الشتاء من موسم تدفئة بالوقود إلى شتاء تأمل وتلحّف أبدي بأقمشة الصوف ريثما تفرج الإمدادات.

الغاز المنزلي كقطع أثرية

أما أسطوانة الغاز المنزلي التي بلغت 1600 ليرة والغاز الصناعي الذي قفز إلى 2560 ليرة، فستتحول قريباً إلى قطع ديكور أثرية تُورث للأجيال القادمة كرمز لزمن الرفاهية البائد، عندما كان السوريون يطبخون طعامهم بالحرارة بدلاً من الطاقة الروحية وتأمل الصور.

وبالطبع، قوبلت هذه الكوميديا البيروقراطية بألعاب نارية من نوع آخر في الشارع؛ حيث عبّر الأهالي في الحسكة، وريف الرقة، ودير الزور عن بهجتهم بالقرارات الجديدة على طريقتهم الميدانية الغاضبة، عبر إشعال الإطارات، وقطع الطرق الدولية الحيوية كالطريق الخرافي، ومنع صهاريج النفط الخام من العبور.

ببساطة، الشارع لم يستوعب بعد النظرية العميقة لـ “تأثير كرة الثلج”، ولم يفهم كيف أن رفع سعر المازوت سيجعل سعر ربطة البقدونس وحبات البطاطا تنافس أسعار المجوهرات في أسواق الصاغة نتيجة قفزة تكاليف الشحن والري وفلسفة النقل الحارق.

الفكر الاقتصادي السادي

إن محاولة إقناع السوريين بأن تصفير الطوابير يمر حتماً عبر تصفير جيوبهم، هي قمة الاستخفاف والوقاحة السياسية. فالمنظومة الحالية، تعتقد أن الأسواق يمكن أن تنتعش إذا تم تجويع المستهلكين، وأن المصانع ستدور إذا حُرمت من الوقود، وأن المزارع سيزرع أرضه بالنيّات الطيبة بدلاً من المازوت.

إنه فكر اقتصادي سادي يعتمد على تحويل الشعب إلى حقل تجارب لخطط التقشف اللامتناهية، حيث يطالَب الجميع بالصبر والصمود. بينما يرى المسؤول أن الحل الأسهل دائماً هو مد يده إلى الجيب الخاوي للمواطن لتغطية العجز البنيوي للمؤسسات المتهالكة.

خاتمة التبريكات والتحذير الأخير!

ختاماً، نتوجه بأسمى آيات التهكم والتبريك لأصحاب العقول الفذة والخطط الإستراتيجية الذين يديرون هذه المنظومة الاقتصادية السريالية من خلف ستائرهم الدافئة. لقد أثبتم للعالم أجمع، وبالمعطيات القاطعة، أن الإنسان السوري كائن خارق للطبيعة وقوانين الفيزياء؛ يستطيع التنقل من ريف دمشق إلى مدينتها بدون وقود، ويمكنه التدفئة في الشتاء القارس عبر قراءة بيانات الوزارة الصادرة بالخط العريض، ويملك قدرة بيولوجية على العيش براتب شهري يقل عن ثمن وجبة شاورما عائلية.

لكن الحذر كل الحذر، فبينما تحاولون موازنة ميزانياتكم الورقية عبر إفلاس الجيوب الحقيقية، تذكروا أن المواطن الذي لم يعد يملك ما يخسره، قد يقرر فجأة التوقف عن تمثيل دور الضحية الصامتة المتفهمة في مسرحيتكم الهزلية المقيتة، وحينها لن تجدوا صهريجاً واحداً يمر، ولا طابوراً واحداً يلتزم بالنظام، بل ستجدون شللاً تاماً يدفع بالجميع نحو المجهول والانفجار الحتمي.

قد يعجبك ايضا