عرفان الداوودي
لم يكن مجلس الفاتحة على روح المغفور له عبدالواحد إبراهيم عبدالسلام البارزاني، الذي أقيم يوماً واحداً في مسقط رأسه منطقة بارزان ويومين في قضاء بيرمام، مجرد مجلس لتقديم واجب العزاء، بل كان مشهداً عراقياً وكوردستانياً واسعاً، اجتمعت فيه السياسة والعشيرة والمجتمع والثقافة، وكان الجانب الأمني فيه رسالة لا تقل أهمية عن الجانب الاجتماعي.
كنتُ قد ترأست وفداً من قبيلة الداوودية لتقديم واجب العزاء إلى الرئيس مسعود بارزاني، وخلال وجودنا في مجلس الفاتحة التقيت بالرئيس مسعود بارزاني، والرئيس نيجيرفان بارزاني رئيس إقليم كوردستان، والسيد مسرور بارزاني رئيس حكومة الإقليم، والأستاذ فاضل ميراني مسؤول المكتب السياسي، والحاج محمود عضو المكتب السياسي، والأستاذ هوشيار زيباري عضو المكتب السياسي، والأستاذ سداد البارزاني عضو المكتب السياسي، فضلاً عن الشيخ إبراهيم عبدالواحد عبدالسلام البارزاني، النجل الأكبر للمرحوم عبدالواحد.
وعلى هامش مجلس العزاء، كان هناك حضور عربي وكوردي ومسيحي لافت، والتقيت الشيخ خميس الخنجر، والدكتور صالح المطلك، والأستاذ مثال الآلوسي، والأخ الدكتور غالب كمر معاون رئيس أركان الجيش، إلى جانب عدد من رؤساء العشائر العربية والشخصيات السياسية والاجتماعية والثقافية.
وكان بين الحاضرين أيضاً أبناء المكوّن المسيحي، إلى جانب مختلف المكونات العراقية، في صورة عكست حقيقة المجتمع العراقي بتنوعه القومي والديني والاجتماعي.
لماذا كان الأمن في مجلس الفاتحة مختلفاً؟
في المجالس والمناسبات الكبيرة، عادةً ما تكون الإجراءات الأمنية مشددة، وقد يخضع الداخلون إلى عمليات تفتيش دقيقة وإجراءات طويلة، خصوصاً عندما تكون المناسبة مرتبطة بشخصية سياسية بحجم الرئيس مسعود بارزاني، ويحضرها هذا العدد الكبير من المسؤولين والشخصيات.
لكن ما لفت الانتباه خلال مجلس الفاتحة هو أن التعامل مع الحاضرين لم يكن قائماً على منطق الشك والريبة، وإنما على الثقة بالمواطن العراقي الأصيل.
ومن خلال ما شاهدته أثناء حضوري، لم يكن هناك تفتيش مهين أو تعامل مع الضيوف باعتبارهم مصادر خطر، بل كان هناك تنظيم أمني يحافظ على أمن المناسبة مع احترام كرامة القادمين لتقديم واجب العزاء.
وهذه نقطة تستحق أن تُقرأ سياسياً وأمنياً.
فالأمن الحقيقي ليس دائماً في كثرة الحواجز والتفتيش، وإنما في قدرة المؤسسة الأمنية على حماية المكان والناس، وفي الوقت نفسه الحفاظ على كرامة المواطن.
مسعود بارزاني.. الثقة بالمواطن قبل الحاجز الأمني
إن وجود هذا العدد الكبير من العراقيين، عرباً وكورداً ومسيحيين، في مجلس الفاتحة يعكس، قبل كل شيء، حجم الثقة المتبادلة بين الرئيس مسعود بارزاني وشريحة واسعة من أبناء الشعب العراقي.
فلو كانت العلاقة قائمة على الشك والخوف، لما أمكن أن يتحول مجلس عزاء إلى هذا المشهد الواسع الذي يجمع شخصيات سياسية وعشائرية ومجتمعية من مختلف المناطق والانتماءات.
لقد كان الحاضرون، في جوهر الأمر، يقولون إن المواطنة العراقية أكبر من الخلافات السياسية، وإن السلام والتآخي يمكن أن يجمعا العراقيين في أصعب الظروف وأشدها حساسية.
الحضور العربي والكوردي والمسيحي.. العراق كما يجب أن يكون
كان حضور العرب والكورد والمسيحيين، إلى جانب مختلف المكونات والشخصيات العراقية، رسالة بحد ذاته.
فالعراق ليس لوناً واحداً، ولا قومية واحدة، ولا ديناً واحداً.
العراقيون يستطيعون أن يختلفوا في السياسة، لكنهم يستطيعون أيضاً أن يجتمعوا في العزاء، والفرح، والمواقف الوطنية والإنسانية.
وهذا الحضور المتنوع في مجلس الفاتحة في بيرمام يؤكد أن العلاقة بين مكونات العراق لا ينبغي أن تكون محكومة بخطابات التشنج والانقسام، وإنما يمكن أن تقوم على الاحترام والتآخي والتواصل.
لقد رأينا في هذا المجلس شخصيات من اتجاهات وقوميات وأديان مختلفة تجلس وتتحدث وتقدم واجب العزاء بعيداً عن لغة التخندق.
وهذه هي صورة العراق التي نريدها: عرباً وكورداً ومسيحيين وسائر مكونات الشعب العراقي، يجمعهم الاحترام والمحبة والسلام.
الأمن ليس إهانة المواطن
لقد عانى العراق طويلاً من ثقافة الحواجز والتفتيش والشك الأمني، حتى أصبح المواطن في بعض المناسبات يشعر وكأنه متهم حتى تثبت براءته.
لكن الأمن المحترف شيء آخر.
الأمن المحترف يحمي الشخصيات والمواطنين، ويمنع الخطر، ويؤمّن المناسبة، لكنه في الوقت ذاته يعرف أن المواطن ليس عدواً، وأن الشيخ والعشائري والأكاديمي والصحفي والمثقف والسياسي ورجل الدين الذي يأتي لتقديم واجب العزاء يجب أن يُعامل باحترام.
ومن هنا فإن مشهد مجلس الفاتحة يقدم نموذجاً يستحق النقاش:
هل يمكن أن يكون الأمن قائماً على الثقة، لا على الخوف؟
والجواب نعم، عندما تكون هناك دولة ومؤسسات أمنية تعرف واجبها، وعندما تكون هناك قيادة تمتلك الثقة بالمجتمع.
الخلاصة
من بارزان، مسقط رأس الراحل عبدالواحد إبراهيم عبدالسلام البارزاني، إلى بيرمام حيث أقيم مجلس الفاتحة، لم يكن المشهد مجرد عزاء.
كان مشهداً عراقياً واسعاً اجتمع فيه العربي والكوردي والمسيحي، والسياسي والعشائري، والعسكري والمثقف، والوجهاء والأكاديميون.
وكان الجانب الأمني في المشهد يحمل رسالة مهمة:
الثقة بالمواطن لا تعني إهمال الأمن، والأمن لا يعني إهانة المواطن.
إن حماية المناسبات واجب، ولكن احترام الإنسان واجب أيضاً.
ولعل ما شاهدناه في مجلس الفاتحة يثبت أن أقوى الحواجز الأمنية أحياناً ليست الحواجز الحديدية، وإنما الثقة المتبادلة بين القيادة والشعب.
ولهذا فإن الرئيس مسعود بارزاني، بما يمثله من حضور سياسي وتاريخي، استطاع أن يجمع حوله في مجلس الفاتحة عراقيين من مناطق وانتماءات وقوميات وأديان متعددة، في صورة تؤكد أن السلام والتآخي والثقة يمكن أن تكون أقوى من الخوف والحواجز.
إنها رسالة أمنية وسياسية وإنسانية في آن واحد: عندما يثق القائد بشعبه، ويثق الشعب بقيادته، يصبح الأمن شراكةً بين الجميع، لا جداراً يفصل المواطن عن المسؤول.