خرائط الغد تُكتب الآن قراءة في الشرق الأوسط حين تتحول الجغرافيا إلى سياسة، والسياسة إلى اختبارٍ لموازين القوة
الدكتورة / نادية الجدوع
خبير ستراتيجي
لم يعد الشرق الأوسط يعيش أزمةً عابرة يمكن احتواؤها ببيانٍ دبلوماسي أو هدنةٍ مؤقتة. نحن أمام لحظة تاريخية تتبدل فيها قواعد اللعبة، وتُعاد فيها صياغة معادلات النفوذ، وتتحرك فيها خرائط القوة أسرع من قدرة السياسة على تفسيرها.
ما يجري اليوم ليس مجرد سلسلة من الأحداث المتفرقة؛ فالمشهد الإقليمي يتداخل فيه الأمن بالطاقة، والجغرافيا بالاقتصاد، والممرات البحرية بالقرار السياسي، والسلاح بالدبلوماسية. ومع تجدد المواجهات الأمريكية–الإيرانية واتساع المخاطر حول مضيقي هرمز وباب المندب، أصبح أمن المنطقة مرتبطًا بصورة مباشرة بأمن الطاقة والتجارة العالمية.
إننا أمام شرق أوسط لا يشبه شرق الأمس؛ شرقٍ تتراجع فيه الحدود التقليدية للصراع، وتتقدم فيه ساحات النفوذ غير المباشر، وتصبح الموانئ والممرات وخطوط الطاقة والأجواء والمعلومات جزءًا من أدوات الصراع وإعادة التموضع.
ليست حربًا واحدة… بل منظومة صراع
الخطأ الأكبر في قراءة المشهد أن ننظر إلى كل أزمة باعتبارها ملفًا منفصلًا.
فما يحدث في الخليج لا ينفصل عن البحر الأحمر، وما يحدث في اليمن لا ينفصل عن أمن الطاقة، وما يجري في إيران ينعكس على العراق وسورية ولبنان، وما يحدث في الممرات البحرية يصل أثره إلى الأسواق والاقتصادات وقرارات الدول.
لقد دخلت المنطقة مرحلة يمكن تسميتها «تسييس الجغرافيا»؛ إذ لم تعد قيمة الدولة تُقاس بموقعها فقط، وإنما بقدرتها على حماية موقعها وتحويله إلى قوة سياسية واقتصادية، لا إلى نقطة استنزاف.
وهنا تحديدًا تظهر أهمية العراق.
العراق… بين أن يكون ساحةً وأن يصبح لاعبًا
العراق ليس دولة هامشية في هذه المعادلة، ولا مجرد جغرافيا تقع بين قوى متنافسة.
إنه دولة تقع في قلب شبكة إقليمية شديدة الحساسية: حدود متعددة، ثقل اقتصادي ونفطي، موقع استراتيجي، عمق عربي، جوار إيراني، وعلاقات دولية متشابكة.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث للعراق هو أن يُسمح بتحويل أرضه إلى مساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
وقد أكد الموقف الرسمي العراقي في الأسابيع الأخيرة أهمية حصر السلاح بيد الدولة، ومنع استخدام الأراضي العراقية منصةً للهجوم على الدول المجاورة أو جرّ العراق إلى صراعات لا تخدم مصالح شعبه، بالتوازي مع الدعوة إلى تنويع طرق تصدير النفط وتعزيز الإيرادات غير النفطية ومكافحة الهدر والتهريب والفساد.
وهذه ليست قضية أمنية فحسب.
إنها، في جوهرها، قضية سيادة.
فالدولة التي لا تملك قرار الحرب والسلم لا تستطيع أن تمتلك قرار الاقتصاد بصورة كاملة، والدولة التي تتعدد فيها مراكز القوة المسلحة تجد نفسها أمام سؤال صعب حول معنى السيادة وحدود القرار الوطني.
العراق أمام اختبار الدولة
العراق اليوم أمام فرصة تاريخية لاختبار قدرته على الانتقال من رد الفعل إلى صناعة الفعل.
فالمطلوب ليس فقط أن يقول العراق: لن نكون ساحة للصراع.
بل المطلوب أن يتحول هذا المبدأ إلى سياسة دولة واضحة:
لاستخدام الجغرافيا كأداة نفوذ، لا كمساحة اشتباك.
ولتحويل الطاقة إلى قوة تفاوض، لا إلى مصدر هشاشة.
ولتحويل الموقع الجغرافي إلى ممر اقتصادي، لا إلى خط تماس.
ولتحويل الدبلوماسية العراقية إلى جسر، لا إلى موقف انتظار.
وفي الوقت ذاته، فإن ملف حصر السلاح بيد الدولة، والموعد الذي حددته القوى السياسية العراقية لنهاية سبتمبر 2026 للتعامل مع السلاح خارج إطار الدولة، يضع البلاد أمام اختبار سياسي وأمني بالغ الحساسية.
منطق القوة يتغير
في الشرق الأوسط الجديد، لم تعد القوة تعني امتلاك أكبر ترسانة فقط.
القوة أصبحت مزيجًا من:
الاقتصاد، والطاقة، والموقع، والتكنولوجيا، والأمن السيبراني، والدبلوماسية، والممرات التجارية، والقدرة على إدارة الأزمات.
الدولة الذكية هي التي تعرف كيف تستخدم هذه الأوراق في وقت واحد.
ولهذا فإن العراق، بما يمتلكه من موارد بشرية وطبيعية وموقع استثنائي، يستطيع أن ينتقل من مفهوم «الدولة المتأثرة بالأحداث» إلى مفهوم «الدولة المؤثرة في مسار الأحداث».
وهذا الانتقال يحتاج إلى عقل استراتيجي يتجاوز الحسابات اليومية، وإلى رؤية وطنية لا تختصر العراق في صراع المحاور.
النفط وحده لم يعد كافيًا
في زمن اضطراب الممرات البحرية، تصبح الطاقة أكثر من مورد اقتصادي؛ تصبح ورقة جيوسياسية.
وقد أظهرت التطورات الأخيرة حول مضيق هرمز وباب المندب مدى حساسية حركة النفط والتجارة لأي اضطراب أمني في المنطقة، فيما واجهت طرق التصدير والشحن مخاطر متزايدة.
ولهذا يجب أن تكون للعراق رؤية أوسع من النفط:
موانئ، سكك، طرق تجارية، مناطق حرة، صناعة، زراعة، تكنولوجيا، اقتصاد رقمي، أمن غذائي، وأمن طاقة.
فالعراق الذي يبني اقتصاده على أكثر من مورد، ويملك أكثر من طريق للتجارة والطاقة، يصبح أقل تعرضًا للابتزاز وأكثر قدرة على المناورة.
الدبلوماسية العراقية… فرصة صناعة التوازن
في لحظات الصراع الكبرى، لا تحتاج الدول دائمًا إلى اختيار معسكر؛ أحيانًا تكون قوتها الحقيقية في امتلاك القدرة على التواصل مع الجميع دون التفريط بالسيادة.
وهنا يمكن لبغداد أن تستعيد دورًا تاريخيًا:
عاصمة للحوار، لا عاصمة للمواجهة.
جسرًا بين المتخاصمين، لا ساحةً لصدامهم.
وصاحبة قرار، لا تابعًا لقرار الآخرين.
فالعراق يستطيع أن يكون جزءًا من الحل إذا امتلك إرادة سياسية متماسكة، وسياسة خارجية قائمة على المصالح الوطنية، وعلاقات متوازنة مع محيطه العربي والإقليمي والدولي.
السؤال الحقيقي ليس: ماذا سيحدث؟
السؤال الاستراتيجي الأهم هو:
من سيكتب شكل المنطقة بعد انتهاء العاصفة؟
فالحروب لا تنتهي عندما تتوقف الصواريخ فقط؛ بل تبدأ بعدها مرحلة أكثر خطورة: مرحلة إعادة توزيع النفوذ، وإعادة بناء التحالفات، وإعادة رسم المصالح.
وهنا تحديدًا تُكتب خرائط الغد.
قد لا تكون الخرائط الجديدة مرسومة بالحبر على الورق.
قد تُرسم عبر الاقتصاد، والطاقة، والتحالفات، والتكنولوجيا، والموانئ، والممرات التجارية، والأمن، والمعلومات.
ولهذا فإن الدولة التي لا تشارك في صناعة الخريطة الجديدة قد تجد نفسها مضطرة إلى العيش داخل خريطة صنعها الآخرون.
العراق لا يحتاج إلى خريطة جديدة… بل إلى رؤية جديدة
العراق يمتلك الجغرافيا.
ويمتلك التاريخ.
ويمتلك الثروات.
ويمتلك الإنسان.
لكن امتلاك عناصر القوة لا يعني امتلاك القوة ذاتها.
القوة تبدأ عندما تتحول الإمكانات إلى قرار، والموقع إلى نفوذ، والثروة إلى تنمية، والسيادة إلى ممارسة، والدبلوماسية إلى تأثير.
وهنا تقع مسؤولية النخب السياسية والفكرية والاقتصادية والإعلامية: أن تتوقف عن قراءة العراق من خلال أزمات اليوم فقط، وأن تبدأ في التفكير في عراق العقد القادم.
عراقٌ لا ينتظر ما تفعله القوى الكبرى ليحدد موقفه.
بل يقرأ مصالحه أولًا، ويحدد موقعه، ثم يتعامل مع الآخرين من موقع الدولة.
خرائط الغد تُكتب الآن
إن الشرق الأوسط يقف أمام مرحلة لن تكون عادية.
مرحلة ستعيد تعريف النفوذ، ومفهوم الأمن، وموازين القوة، وموقع الدول في النظام الإقليمي.
وفي هذه اللحظة، لا يكفي أن نراقب الخرائط وهي تتغير.
علينا أن نكون جزءًا من كتابتها.
والعراق تحديدًا أمام خيار تاريخي:
إما أن يبقى متلقيًا لارتدادات الصراعات من حوله،
وإما أن يعيد بناء موقعه بوصفه دولةً صاحبة قرار، وجسرًا إقليميًا، وقوةً اقتصادية، وثقلًا دبلوماسيًا، ومركزًا لصناعة التوازن.
فالمرحلة المقبلة لن تكافئ الأكثر صراخًا، بل الأكثر وعيًا.
ولن تمنح المستقبل لمن ينتظر، بل لمن يخطط.
ولن تحمي الدولة التي تملك الجغرافيا فقط، بل الدولة التي تعرف كيف تحوّل جغرافيتها إلى استراتيجية.
خرائط الغد تُكتب الآن… والسؤال الذي سيبقى أمام العراق ليس أين يقع على الخريطة، بل: أين يريد أن يكون عندما تُطوى خريطة الأمس؟