من أيلول إلى كولان.. شهادة مناضل عاش التاريخ من خنادق البيشمركة

علاء الدين الداوودي لـ«التآخي»: ذاكرة مقاتل عاصر البارزاني الخالد ورافق مسيرة البيشمركة من أيلول إلى خاكورك وكولان

علاء الدين الداوودي… مقاتل ظل في الظل وتحدث لأول مرة عن خنادق البيشمركة

إعداد: الصحفي والمحامي عرفان الداوودي

هناك رجال كتبوا التاريخ بأقلامهم، وهناك رجال كتبوه بالدم والبارود، ثم عادوا إلى حياتهم بعيداً عن الأضواء، وكأنهم لم يفعلوا شيئاً. لكن التاريخ لا ينسى رجاله. وفي الذكرى الخامسة والستين لثورة أيلول الكبرى، تبرز شهادة أحد أولئك الرجال الذين عاشوا مرحلة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ النضال الكوردي، وحملوا السلاح في الجبال، وعرفوا ساحات القتال، وعاشوا بالقرب من قيادات الحركة الكوردستانية. إنه المناضل علاء الدين الداوودي. اسم يعرفه عدد كبير من بيشمركة الجيل القديم، كما يعرفه المقربون من عائلة البارزاني، لكنه لم يكن طوال العقود الماضية من الباحثين عن المنابر أو الشهرة.

لم يقدّم نفسه بطلاً. لم يكتب سيرته. ولم يسعَ إلى تقديم شهادته أمام وسائل الإعلام. وربما لهذا السبب تحديداً تكتسب شهادته اليوم أهمية استثنائية. رجل لم يبحث عن الأضواء في زمن أصبحت فيه الصور والذكريات مادة يومية على وسائل التواصل الاجتماعي، اختار علاء الدين الداوودي طريقاً مختلفاً. ظل بعيداً عن الاستعراض، محتفظاً بذاكرته وصوره وذكرياته عن الجبهات والرفاق والقيادات التي عاصرها. ولهذا يمكن النظر إلى حديثه اليوم باعتباره فتحاً لصفحة شخصية من التاريخ لم تكن حاضرة إعلامياً بالشكل الكافي.

فالرجل لا يتحدث عن أحداث قرأ عنها في الكتب، وإنما عن مرحلة عاشها من داخل الخندق، وعن معارك شارك فيها، وعن رجال عرفهم عن قرب، وعن سنوات كان فيها الجبل مدرسة للمقاتل، وميداناً للسياسة، ومكاناً للتضحية. وهنا تكمن أهمية شهادته. فالتاريخ لا يُكتب بالوثائق الرسمية وحدها، وإنما تحفظه أيضاً ذاكرة الذين كانوا في الميدان.

من أيلول بدأت الحكاية

لم تكن ثورة أيلول مجرد مواجهة عسكرية عابرة، وإنما محطة مفصلية في تاريخ القضية الكوردية. وفي تلك السنوات، وجد آلاف الرجال والنساء أنفسهم أمام خيار صعب: البقاء تحت ضغط الظروف السياسية والأمنية، أم الصعود إلى الجبال والانضمام إلى حركة مسلحة تطالب بحقوق الشعب الكوردي. وكان الزعيم الخالد ملا مصطفى البارزاني في قلب تلك المرحلة، قائداً لحركة أصبحت جزءاً أساسياً من الذاكرة السياسية والعسكرية لكوردستان. ومن بين الرجال الذين عاشوا تلك المرحلة علاء الدين الداوودي، الذي لم يكتفِ بالمشاركة في الأحداث، وإنما انتقل، وفق شهادته، إلى مواقع متقدمة في العمل الميداني والعسكري.

قوة ضاربة تحت قيادة إدريس البارزاني واحدة من أهم المحطات التي تضيف بعداً خاصاً إلى سيرة الداوودي أنه كان، بحسب روايته، قائداً لقوة ضاربة ضمن قوات البيشمركة تحت قيادة الراحل إدريس البارزاني. وهذه المعلومة تجعل شهادته مختلفة عن شهادة المقاتل العادي. فالقائد الميداني لا يتذكر فقط لحظة إطلاق النار أو التحرك في الجبل، وإنما يتذكر أيضاً طبيعة المهمات، وتحركات المقاتلين، والظروف الصعبة، والقرارات التي كانت تتخذ في لحظات لا تحتمل الخطأ. كان الجبل آنذاك مساحة للقتال والحياة في آن واحد. المقاتل يحمل سلاحه، ويبحث عن مكان آمن للنوم، ويتعامل مع الطبيعة القاسية، ويعيش مع رفاقه في ظروف لا تشبه حياة المدن. وكانت القوة والقدرة على التحمل والانضباط عوامل أساسية للبقاء.

قريب من ملا مصطفى البارزاني لكن أهمية شهادة علاء الدين الداوودي لا تتوقف عند الجانب العسكري. فبحسب ما يرويه، كانت له صلة وثيقة بالزعيم الخالد ملا مصطفى البارزاني، الذي كان يمثل بالنسبة إلى جيل كامل من المناضلين المرجعية القيادية والروحية والسياسية للحركة الكوردية. وهنا تتحول شهادة الداوودي من مجرد ذكريات مقاتل إلى ذاكرة رجل اقترب من مرحلة صناعة القرار الكوردستاني. فهو يتحدث عن زمن كانت فيه المسافة بين القيادة والمقاتل قصيرة جداً؛ القيادة موجودة في الجبل، والمقاتلون يعيشون الظروف نفسها، ويتقاسمون مخاطرها. ولهذا فإن استعادة شهادة رجل عاش تلك المرحلة بالقرب من قياداتها يمكن أن تساعد الأجيال الجديدة على فهم التاريخ من زاوية مختلفة.

من ملا مصطفى إلى مسعود ونيجيرفان تستمر خصوصية تجربة الداوودي في علاقته بجيل آخر من عائلة البارزاني. فهو يتحدث عن قربه من الرئيس مسعود البارزاني، كما يحتفظ بصور ووثائق فوتوغرافية يقول إنها توثق وجوده مع الرئيس نيجيرفان البارزاني في مرحلة مبكرة من النضال. والأهم في هذه الشهادة أن نيجيرفان البارزاني، بحسب رواية الداوودي، كان في سنوات شبابه قريباً من جبهات القتال وشارك في ظروف النضال التي عاشها مقاتلو البيشمركة. وهذه الجزئية تحديداً تمنح الصور القديمة قيمة تاريخية كبيرة، لأنها تضع أمام القارئ مشهداً من مرحلة كان فيها الجبل يجمع بين المقاتلين والقيادات في ظروف واحدة.

الصور… عندما تصبح الذاكرة وثيقة الصورة الأولى التي يحتفظ بها الداوودي تظهره على صهوة فرسه، حاملاً سلاحه، وسط طبيعة جبلية قاسية. قد تبدو الصورة للوهلة الأولى مجرد صورة قديمة لمقاتل. لكن عند وضعها في سياق حياة الرجل، تتحول إلى وثيقة بصرية تختصر جانباً من حياة البيشمركة: الجبل، السلاح، الخيل، الرفاق، والحركة المستمرة بين المواقع.

أما الصورة الثانية، فهي تجمع الداوودي مع مجموعة من البيشمركة، ويظهر إلى جانبه، بحسب توثيق صاحب الصورة، الرئيس نيجيرفان البارزاني في مرحلة شبابه. والصورة الثالثة تجمع مجموعة من البيشمركة، ويتوسطهم الداوودي، بحسب وصف صاحب الصورة. هذه الصور لا تعوض الوثائق الرسمية، لكنها تكملها. فالوثيقة المكتوبة تحفظ الحدث، بينما تحفظ الصورة وجوه الذين عاشوا الحدث. ولهذا فإن أرشيف علاء الدين الداوودي يستحق، من الناحية الصحفية والتاريخية، أن يُجمع ويُحفظ ويدرس، ولا سيما أن كثيراً من شهود تلك المرحلة رحلوا، فيما بقيت ذاكرتهم مهددة بالنسيان.

خاكورك… جبهة أخرى وذاكرة أخرى لم تتوقف تجربة الداوودي عند ثورة أيلول. فهو يتحدث أيضاً عن مشاركته في معارك خاكورك، وهي مرحلة أخرى من مراحل النضال المسلح التي تركت أثراً عميقاً في ذاكرة البيشمركة. وفي خاكورك، كما في أيلول، كانت الجغرافيا جزءاً من المعركة. الجبال والوديان والطرق الوعرة لم تكن مجرد خلفية للقتال، بل كانت عنصراً أساسياً في حياة المقاتلين. ومن هنا تأتي أهمية شهادة رجل عاش تلك الظروف من الداخل؛ فهو لا يستعيد أسماء المعارك فقط، وإنما يستعيد تفاصيل الإنسان الذي كان خلف السلاح.

ومن أيلول إلى كولان ثم تأتي كولان بوصفها محطة أخرى في مسيرة الداوودي.
ثلاث محطات مختلفة في الزمن والظروف، لكنها تلتقي في ذاكرة رجل واحد:
أيلول… خاكورك… كولان. ثلاثة عناوين تختصر عقوداً من النضال والتضحيات. واللافت أن الداوودي لم يقدم نفسه طوال هذه السنوات باعتباره صاحب إنجازات، ولم يجعل من ماضيه العسكري وسيلة للحصول على موقع أو شهرة. بل بقيت التجربة في ذاكرته، إلى أن قرر أن يتحدث عنها. وهنا تكمن قيمة هذا التحقيق.

لماذا يتحدث الآن؟ السؤال الصحفي الأهم ليس فقط: ماذا فعل علاء الدين الداوودي؟ بل: لماذا بقي صامتاً كل هذه السنوات؟ ولماذا يتحدث الآن؟ ربما لأن جيل البيشمركة القدامى بدأ يغيب، ولأن الكثير من التفاصيل التي عاشوها لم تسجل بالصورة الكافية. وربما لأن التاريخ الذي لم يكتبه أصحابه في وقتهم، قد يكتبه الآخرون لاحقاً بصورة ناقصة أو مختلفة. ومن هنا تصبح شهادته مسؤولية تاريخية قبل أن تكون حديثاً عن الماضي. إنها شهادة رجل يقول للأجيال الجديدة: كنت هناك. رأيت. شاركت. قاتلت. وعشت تلك الأيام.

القضية قبل الشهرة ما يلفت في سيرة الداوودي، بحسب شهادته، أنه لم يتعامل مع النضال باعتباره طريقاً إلى الشهرة أو المناصب. فالأجيال الأولى من البيشمركة حملت السلاح في ظروف قاسية، وكانت القضية بالنسبة إليهم أكبر من الأشخاص. كان الهدف، في رؤيتهم، هو الدفاع عن حقوق الشعب الكوردي، وعن حريته وكرامته وحقه في تقرير مصيره. وهذا ما يجعل تكريم هؤلاء الرجال اليوم واجباً أخلاقياً وتاريخياً. فليس من الإنصاف أن نتذكر بعض الأسماء فقط، وننسى رجالاً عاشوا في الصفوف الأمامية، ثم عادوا إلى حياتهم بعيداً عن الأضواء.

التحقيق لا يمجد شخصاً… بل يوثق جيلاً ولعل أهم ما يمكن أن يقدمه هذا التحقيق ليس صناعة بطولة شخصية لعلاء الدين الداوودي، وإنما إنقاذ جزء من ذاكرة جيل كامل. فالداوودي هنا شاهد على جيل من البيشمركة. جيل عاش الجبل. جيل عرف الخوف والجوع والبرد والنزوح. جيل فقد رفاقاً وأصدقاء. جيل كان يؤمن بأن القضية تستحق التضحية. ومن خلاله يمكن فتح الباب أمام شهادات أخرى لبيشمركة ما زالوا على قيد الحياة، قبل أن تضيع التفاصيل التي لا توجد في الكتب ولا في الأرشيف الرسمي.

الذكرى الخامسة والستون… والذاكرة التي يجب ألا تموت في الذكرى الخامسة والستين لثورة أيلول الكبرى، لا ينبغي أن تكون المناسبة مجرد احتفال وبيانات وخطب. الذكرى الحقيقية تبدأ عندما نبحث عن الذين صنعوا تلك المرحلة. عن المقاتل الذي لم يطلب شيئاً. عن المرأة التي تحملت غياب زوجها أو ابنها. عن العائلة التي نزحت من قريتها. عن الشهيد الذي لم يبقَ منه سوى صورة. وعن المناضل الذي بقي صامتاً عقوداً، ثم قرر أن يتحدث. ولهذا فإن شهادته لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها ذكريات شخصية فحسب، وإنما باعتبارها شهادة حية من داخل تاريخ البيشمركة.

الخاتمة

قد يختلف الناس في قراءة الأحداث السياسية، وقد تختلف الروايات حول بعض التفاصيل، لكن هناك حقيقة لا يمكن تجاهلها: التاريخ تصنعه أيضاً تضحيات الرجال الذين يقفون في الصفوف الأولى ثم يختفون من المشهد. وعلاء الدين الداوودي واحد من أولئك الرجال الذين لم يطلبوا أن ترفع لهم الرايات، ولم يسعوا إلى الظهور، ولم يجعلوا من تاريخهم سلعة إعلامية. لكن بعد عقود من الصمت، جاءت شهادته لتفتح نافذة على مرحلة عاشها بنفسه. من أيلول إلى خاكورك، ومن خاكورك إلى كولان، ومن ملا مصطفى البارزاني إلى جيل إدريس البارزاني، ثم إلى مسعود ونيجيرفان البارزانيين، تمتد ذاكرة رجل عاش مراحل مختلفة من النضال الكوردستاني.

واليوم، وبعد أن أصبح كثير من رفاقه في ذمة التاريخ، فإن الحديث عن علاء الدين الداوودي ليس مجرد حديث عن مقاتل قديم. إنه حديث عن جيل حمل السلاح دفاعاً عن قضية آمن بها، ودفع من عمره وراحته وأمنه ثمناً لها. ومن حق هذا الجيل علينا أن نسمع شهادته، وأن نوثق صوره، وأن نحفظ أسماء رجاله، وأن ننقل قصصهم إلى الأبناء والأحفاد. فالأمم التي تحفظ ذاكرة من ضحوا من أجلها، تحفظ جزءاً من مستقبلها أيضاً

قد يعجبك ايضا