الدولة أولاً…شعار يطرحه من لا يشعر بالخطر..

انس الشيخ مظهر

تخيّل أن أحدهم يطلب منك التوقيع على عقد عمل من دون أن يُطلعك على بنوده، ويكتفي بان يقول لك “ثق بي، سأعاملك بإنصاف”. هذا تحديداً ما يُطلب من الأقليات القومية في الشرق الأوسط منذ عقود، حين يُقال لها “ضعي الدولة فوق هويتك، وتنازلي عن أدوات حماية نفسك، وثقي بأن الأغلبية ستنصفك لاحقاً”.

يُختزل النقاش الإعلامي عادة في معادلة “الدولة ام القومية”، وهي معادلة مضلِّلة من الأساس. فلا أحد يرفض الدولة بحد ذاتها، ولا أحد يطالب بالانعزال عنها. المشكلة الحقيقية تتعلق بطبيعة الدولة التي يُطلب منح الولاء غير المشروط لها.

فالمواطنة ليست شعاراً يُعلن مرة واحدة ثم يُطبَّق تلقائياً، بل هندسة سياسية دقيقة تحتاج إلى بناء مستمر. فحين تقول الدولة “الجميع متساوون”، يبدو الأمر مقنعاً على الورق، لكن على أرض الواقع لا تتحقق هذه المساواة بمجرد النطق بها, قمكون الاغلبية الذي تُكتب لغته على العملة واللافتات الرسمية، وتُدرَّس ثقافته في المناهج المدرسية، وتُرفع رموزه على الأعلام والنشيد الوطني، يملك امتيازاً لا يملكه المكونات الاخرى، حتى لو نص الدستور على مساواتهما الكاملة. ومن هنا يظهر الفارق الجوهري بين دولة تكتفي بإعلان المساواة، ودولة تضع أدوات عملية تجعل هذه المساواة قابلة للتطبيق فعلياً , عبر مؤسسات مستقلة لا يتحكم بها مكون الاغلبية، وحصص عادلة في السلطة والثروة، وضمانات دستورية محصّنة لا يمكن للأغلبية البرلمانية إلغاؤها بجرة قلم.

ومن هذا المنطلق، لا يُفهم تمسك المكونات بهويتها على أنه عناد، بل هو أقرب إلى فعل تأميني. فحين تفشل الدولة في حماية مواطنيها، تتحول الهوية القومية أو الدينية وحتى المذهبية إلى ما يشبه “صندوق التأمين الاحتياطي” , لا أحد يفتحه في الأوقات الطبيعية، لكن الجميع يريد أن يظل موجوداً تحسباً لظروف سيئة. ومطالبة الدولة بالتخلي عن هذا “التأمين” من دون أن تقدّم هي بديلاً موثوقاً عنه ليست دعوة للاندماج، بل دعوة للمخاطرة بلا مقابل.

وتزداد هذه المخاطرة كل مرة تُخلف فيها الدولة وعدها، والفكرة هنا بسيطة يمكن مقارنتها مجددا بالمفهوم الاقتصادي , فأي جهة تريد اقتراض المال، إذا كان سجلّها في السداد سيئاً، تلجأ البنوك الى فرض فائدة أعلى عليها في المرة القادمة بسبب تراجع الثقة . الأمر نفسه يحدث بين الدولة وأقلياتها في الشرق الأوسط، وهو نمط متكرر لا يخص مكون بعينه. فحين تتنكر دولة لدستور وعدت به، أو تُهمّش مكوناً بعدما طلبت منه أن يثق بها – كما حدث مع الكورد في أكثر من بلد، ومع الأمازيغ في شمال أفريقيا، ومع الدروز في أكثر من محطة سياسية، ومع غيرهم من مكونات المنطقة العرقية والدينية – فإنها لا تخسر ثقة تلك اللحظة فقط، بل ترفع من دون أن تقصد “سعر الفائدة السياسي” الذي ستطلبه منها الجماعة في المرة القادمة:

ضمانات أكثر.

ولا مركزية أوسع.

وحذر أشد تجاه أي وعد جديد.

وكل مرة يتكرر فيها هذا السيناريو في أي بلد من بلدان المنطقة، تصبح الثقة أصعب استرجاعاً، تماماً كشركة يصعب عليها استعادة تصنيفها الائتماني بعد إفلاس سابق , وحين تبدو بعض الأقليات اليوم أكثر تشدداً في مطالبها “سواء في العراق أو سوريا أو لبنان أو تركيا أو المغرب أو الجزائر أو غيرها من دول المنطقة” فالسبب غالباً ليس تطرفاً متصاعداً، بل تراكم “ديون ثقة” لم تسددها الدول المعنية على مدى عقود طويلة، وهي مشكلة مشتركة تعيشها كل هذه المكونات وإن اختلفت تفاصيل كل حالة.

وفي موازاة ذلك، طرأ تحوّل جوهري لم يلتفت إليه الخطاب التقليدي حول هذه القضية. ففي الماضي، كان بقاء الهوية القومية مرهوناً غالباً بالتمسك بجغرافيا معينة أو نظام حكم ذاتي محلي، أما اليوم فالإعلام الرقمي والتواصل عبر الحدود يمنحان المكونات وسيلة لحماية لغتها وثقافتها وروايتها التاريخية حتى في ظل دولة مركزية معادية، من خلال منصات تعليمية وأرشيفات رقمية وشبكات شتات متصلة لحظياً. وهذا يغيّر المعادلة بشكل خفي لكنه عميق , فلم تعد الدولة المركزية تملك القدرة نفسها التي كانت تملكها قبل عقدين على إذابة هوية جماعة عبر التعليم الموحّد والإعلام الرسمي وحده. وبالتالي فإن إصرار بعض الدول على مركزية صارمة بحجة الحفاظ على الوحدة قد يكون معركة خاسرة سلفاً من الناحية العملية، حتى لو نجحت سياسياً في المدى القصير، لأن أدوات الحفاظ على الهوية انتقلت جزئياً من يد الدولة إلى يد الأفراد أنفسهم.

وعليه، فإن الحل ليس عاطفياً بل تعاقدياً. فالأوطان لا تُبنى على الشعارات، بل على عقود واضحة، والدولة التي تريد فعلاً إقناع مكوناتها بوضعها أولاً عليها أن تفعل ما يفعله أي طرف يريد كسب ثقة شريك متردد , في أن تقدّم ضمانات قابلة للتنفيذ لا وعوداً قابلة للتفسير. فالوحدة الحقيقية لا تُقاس بعدد من يرفعون العلم نفسه، بل بعدد من يشعرون أن هذا العلم يحميهم فعلاً حين تشتد الأزمات. وفي نهاية المطاف، لا تتحمل الأقليات وحدها مسؤولية بناء الثقة بالدولة، بل الدولة نفسها هي من عليها أن تثبت أنها تستحق هذه الثقة أصلاً.

قد يعجبك ايضا