اختطاف فرمان سيفو وتسليحه ضد الكورد

د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية

من يكتب الحرب القادمة بحبر الموتى؟
ليست البراءة هي القضية هنا، ولا المطلوب أن يقف الكورد كلما خرج محرّض من ظلمة الأرشيف ليبرهنوا أنهم ليسوا قتلة، وليسوا طارئين، وليسوا لصوص أرض. فالشعوب لا تُستدعى إلى المحاكم الجماعية بشتيمة عابرة، ولا تُدان الأمم بمقطع مبتور، ولا تتحول مآسي التاريخ إلى صكوك اتهام وراثية يلوّح بها كل من أراد تصفية حساب سياسي مع الحاضر.
ما يجري اليوم تحت عنوان سيفو ليس بحثًا بريئًا عن الحقيقة، بل محاولة مكشوفة لاختطاف المذبحة من سياقها التاريخي، وتجريدها من معناها الإنساني، ثم إعادة تسليحها ضد الكورد. إنهم لا يستحضرون الضحايا لتكريمهم، بل ليستخرجوا من قبورهم سكينًا جديدة تُغرس في الذاكرة المشتركة بين الكورد والمسيحيين. ولا يبحثون عن العدالة، بل عن عدو جاهز. ولا يريدون فهم ما حدث سنة 1915، بل يريدون تحديد من ينبغي أن يُكره اليوم.

هذه ليست ذاكرة؛ إنها هندسة عداء.
فالذي يحصر فرمان سيفو، بكل اتساعه العثماني والإقليمي والسياسي، في قرية كوردية هنا واسم شيخ هناك، لا يكتب التاريخ، بل يزوّر بنيته. والذي يمحو دولة الاتحاد والترقي والتنظيم الخاص وأجهزة السلطنة والإدارات العسكرية من خلفية الجريمة، ثم يضع “الكورد” وحدهم في الواجهة، لا يبحث عن مرتكب؛ بل يصنع متهمًا بديلًا. وهذه هي الخدعة الأخطر: إخفاء الدولة التي صنعت آلة القتل، وتقديم شعب كامل بوصفه وريث الجريمة.
من الذي يحتاج إلى هذا التزوير اليوم؟ ومن الذي يستفيد من تحويل سيفو إلى سلاح ضد الكورد في هذه اللحظة بالذات؟ ولماذا تُستدعى أسماء زعماء عشائر وعائلات كوردية بعد أكثر من قرن، لا بوثائق ملكية ولا بمحاضر قضائية ولا بسجلات أرشيفية، بل بلغة تشهير وصراخ وشتيمة؟ ولماذا يظهر هذا الخطاب الآن، في زمن يحاول فيه أكثر من طرف نزع الشرعية عن الوجود الكوردي في غربي كوردستان، مرة باسم وحدة سوريا، ومرة باسم محاربة الانفصال، ومرة باسم العشيرة، ومرة باسم الدين، والآن باسم ذاكرة المسيحيين؟
ليست المصادفة بريئة إلى هذا الحد.
لقد جُرّبت ضد الكورد في غربي كوردستان كل الأسلحة: الإنكار القومي، الإحصاء الاستثنائي، الحزام العربي، التعريب، داعش، الفصائل التكفيرية، التحريض العشائري، وتخوين الحراك الكوردي. واليوم يُفتَح باب آخر أشد خبثًا: تحويل الذاكرة المسيحية إلى أداة لضرب الوجود الكوردي، وكأن المطلوب أن يُقال للكورد أخيرًا: لستم فقط انفصاليين، ولستم فقط مهاجرين، بل أنتم أيضًا ورثة جريمة تاريخية، وعليكم أن تدافعوا عن وجودكم قبل أن تطالبوا بحقوقكم.

هذه هي اللعبة، ويجب تعريتها من الجملة الأولى.
حين تُختطف المذبحة من سياقها
سيفو لم تكن خصومة محلية بين “الكورد والمسيحيين”، ولا نزاعًا عقاريًا بين قرية ورئيس عشيرة. كانت جزءًا من موجة عنف وإبادة واسعة ضربت المسيحيين في الإمبراطورية العثمانية، ضمن سياسات الدولة والاتحاد والترقي والتنظيمات العسكرية والإدارات المحلية، ثم أعقبتها حملات قمع وتهجير وتغيير ديمغرافي طالت الكورد أنفسهم.
لذلك فإن اختزال تلك المرحلة في حكايات متناثرة عن قرية هنا وزعيم كوردي هناك ليس بحثًا في التاريخ، بل اقتطاع متعمد للسياق. إنه قلب لبنية الجريمة: إبعاد الدولة والسياسة التي صنعت آلة القتل، وتحويل الشعوب التي استُخدمت وضُربت تباعًا إلى متهمين أبديين.
ولا يعني ذلك الهروب من الحقيقة أو تبرئة المجرمين. نعم، شارك أفراد ومجموعات كوردية، بعضها ضمن تشكيلات مرتبطة بالدولة العثمانية، في جرائم قتل ونهب وترحيل طالت المسيحيين والأرمن. هذه وقائع لا يجوز إنكارها ولا تبريرها. وفي المقابل، شاركت وحدات أرمنية مسلحة، قاتلت إلى جانب الجيش الروسي، في أعمال عنف وقتل وتهجير طالت الكورد الذين جرى التعامل معهم آنذاك تحت صفة “المسلمين”، مع أن المجال السكاني في كثير من تلك المناطق كان يقوم أساسًا على الكورد والمكونات المسيحية.
لكن مشاركة كورد في جرائم لا تجعل الجريمة جريمة “الشعب الكوردي”، كما أن مشاركة مجموعات أرمنية في جرائم طالت الكورد لا تجعل الشعب الأرمني أو المسيحيين مسؤولين عنها. كانت جماعات محلية تُستخدم في صراع إمبراطوريات تتقاتل فوق أرضها؛ مرة تتحول إلى أدوات، ومرة إلى ضحايا. والمفارقة أن من يعيد كتابة تلك المرحلة اليوم يمحو الإمبراطوريات من قفص الاتهام، ثم يورّث أحفاد ضحاياها الكراهية بدل الحقيقة.
الجريمة ليست قومية وراثية
الجريمة لها مرتكبون، والملكية لها وثائق، والمسؤولية لها أسماء وتواريخ. أما تحويل مشاركة فرد أو عشيرة أو مجموعة محلية إلى جريمة قومية وراثية يحملها شعب كامل، فهذه ليست كتابة تاريخ؛ إنها صناعة اتهام جماعي.
من يملك وثيقة ضد سليمان عباس، أو آل الشيخ إبراهيم حقي، أو آل عيس، أو أي زعيم عشيرة أو عائلة كوردية، فليضع الوثيقة على الطاولة. ليذكر الواقعة، والتاريخ، والشهود، والسند، وسجل الملكية، وتسلسل انتقال الأرض. عندها يصبح النقاش تاريخًا. أما رمي الأسماء في الفضاء العام، وتجميعها تحت تهمة قومية، ثم انتظار أن تتكفل الكراهية بالباقي، فهذه ليست شجاعة في مواجهة الماضي؛ إنها جبن سياسي يستخدم الموتى لضرب الأحياء.
أنا لا أدافع عن أي كان ارتكب جريمة لأنه كوردي أو مسيحي، ولا أقبل أن تُغطّى جريمة قتل أو نهب أو استيلاء على أرض براية قومية. لكنني أرفض بالقدر نفسه أن تُحوَّل جريمة إمبراطورية، شاركت فيها أجهزة دولة وقوى محلية متعددة، إلى صك اتهام ضد الشعب الكوردي كله.
العدالة لا تحتاج إلى إدانة شعب كي تنصف ضحية. والحقيقة لا تصبح أكثر قوة حين تتحول إلى كراهية.

الدين ليس سند ملكية للأرض.
هنا يجب طرح السؤال الذي يهرب منه أصحاب هذه الحملات: هل يتحدثون عن حقوق قومية أم حقوق دينية؟
فإذا كانت المطالبة قومية، فعليهم أولًا إثبات الهوية القومية التاريخية لسكان كل قرية وكل عائلة، لا افتراض أن المسيحي، بمجرد كونه مسيحيًا، ينتمي إلى قومية واحدة محددة. المسيحية دين وليست شهادة قومية، كما أن الإسلام ليس قومية. وهذه المنطقة عرفت شعوبًا وأديانًا ومذاهب متداخلة، وانتقل أفراد وجماعات بينها عبر القرون، ولم تكن الهوية الدينية يومًا خريطة عقارية ثابتة للأرض.
أما إذا كان الادعاء دينيًا، فليكن أصحابه مستعدين لفتح الخريطة كلها، لا قرى الكورد وحدها. عندها ستصبح المسألة بلا نهاية: أين تقف حدود الملكية المسيحية السابقة؟ ماذا عن المدن والكنائس والأوقاف والأراضي التي تغيرت هويتها الدينية مع تغير الدول والإمبراطوريات، الرومانية والبيزنطية والساسانية والعرب المسلمون والصليبيون والعثمانيون والصفويون إلى الأنظمة العربية والإسلامية الحالية؟ آيا صوفيا بُنيت كنيسة بيزنطية، ثم تحولت إلى مسجد، ثم إلى متحف، ثم عادت مسجدًا في عام 2020 م. والجامع الأموي في دمشق أقيم في موقع كان يضم كنيسة يوحنا المعمدان فوق طبقات دينية وحضارية أقدم.
فإذا كان تعاقب الأديان والسلطات يمنح حقًا قوميًّا أبديًا في الأرض، فعلينا أن نعيد فتح ملكية دمشق والقسطنطينية ومدن المشرق كلها منذ آلاف السنين. عندها لن نكون أمام تاريخ، بل أمام تفجير الشرق الأوسط كله بآلة زمن.
الغريب أن هذه الحماسة لاستعادة “الملكية التاريخية” تصاب بالعمى عندما تصل إلى المدن الكبرى، ثم تستعيد بصرها فجأة عندما تدخل قرية كوردية صغيرة. هنا يصبح الانتقاء نفسه دليلًا على الغاية.

الوثيقة لا تُستبدل بالصراخ.
أتعامل بحذر شديد مع إعادة تدوير مقاطع من كتب صدرت في مراحل سياسية حساسة، ومنها كتاب صدر عام 1987 في ظل حكم البعث. تاريخ صدور أي كتاب لا يبطل محتواه تلقائيًا، لكنه لا يمنحه قداسة أيضًا ولا يحوله إلى وثيقة اتهام نهائية.
والنص المتداول حول قرية حلوة يعترف بنفسه بعدم وجود دليل يربط الشيخ إبراهيم حقي بمجازر 1915، ويقر بأن انتقال ملكية الأراضي لا يمكن إثباته من الروايات الشفوية أو من مجرد وجود عشيرة في القرية، بل يحتاج إلى سجلات الطابو والملكية. ومع ذلك ينتقل في نهايته من «روايات تحتاج إلى التوثيق» و«احتمالات لا يمكن إثباتها» إلى لغة إدانة قطعية. وهنا تكمن اللعبة: يبدأ النص بـ«توجد رواية»، ويمر بـ«من المحتمل»، ثم ينتهي وكأن محكمة التاريخ أصدرت حكمها النهائي. هذه ليست منهجية بحث؛ إنها عملية تحويل الاحتمال إلى اتهام، والرواية إلى وثيقة، والشك إلى إدانة.
والأشد دلالة أن النص نفسه يرفض اختزال أحداث حلوة، المفبركة أصلا، في عبارة «الكورد قتلوا المسيحيين»، ويقر بمشاركة القوات العثمانية إلى جانب قوى قبلية ومحلية كوردية. فلماذا تختفي الدولة العثمانية من المشهد عندما يصل الخطاب إلى الجمهور، ويبقى «الكوردي» وحده في قفص الاتهام؟ بل إن الاستناد إلى شهادة المطران يشوع صموئيل، المولود في حلوة سنة 1907، يفرض العودة إلى نص شهادته الأصلية وتاريخ تدوينها ومصدرها، لا الاكتفاء بإعادة صياغتها في منشور معاصر؛ فهناك فارق هائل بين شهادة شاهد، وبين ما ينقله شخص بعد أكثر من قرن عن شهادة ذلك الشاهد. وهنا يصبح السؤال مشروعًا: هل يجري البحث عن حقيقة ما حدث، أم البحث في التاريخ عما يمكن اقتطاعه لإنتاج خصومة جديدة؟
من يريد استخدام نص لإدانة أشخاص أو عائلات أو شعب، فعليه أن يكشف مصادره: من أين جاءت الرواية؟ من كان شاهدًا؟ متى دُوّنت الشهادة؟ ما المسافة الزمنية بين الواقعة والرواية؟ ما الذي يفصل الوثيقة عن الذاكرة الشفوية والتأويل السياسي؟
فالتاريخ لا يُدان لأنه طُبع في زمن الاستبداد، لكنه لا يصبح حقيقة لأنه طُبع بين غلافين، تحت تأثير إملاءات قوى متربصة بالشعب الكوردي.
والأكثر إثارة للريبة أن هذه النصوص ومقاطع الفيديو التي تُقدَّم اليوم بوصفها أدلة، تأتي محمولة بلغة بذيئة، وانفعال منفلت، واتهامات جارحة بحق شخصيات وعائلات وعشائر كوردية. حين يُقدَّم الادعاء التاريخي بالصراخ والشتيمة والتعميم، لا يعود السؤال: ماذا تقول الوثيقة؟ بل: لماذا يحتاج صاحبها إلى هذا القدر من الضجيج؟
الباحث يعرض وثيقته ويتركها تتكلم. أما المحرّض فيرفع صوته لأن الوثيقة وحدها لا تكفيه.
كثير من هذه النصوص يبدأ بعبارة “توجد رواية”، ثم ينتقل إلى “من المحتمل”، وينتهي كأن محكمة التاريخ أصدرت حكمها النهائي. هذه ليست منهجية بحث؛ إنها عملية تحويل الاحتمال إلى اتهام، والرواية إلى وثيقة، والشك إلى إدانة.

من نزع الجنسية إلى نزع الذاكرة.
ما يجعل هذه الموجة أخطر أنها تأتي فوق أرضية سياسية أُعدت منذ عقود لنزع الصفة الأصلية عن الكورد في سوريا. فالدولة السورية نفسها بنت خطاب “المتسللين” حول الكورد، وجاء إحصاء 1962 الاستثنائي ليجرد عشرات الآلاف من الكورد من الجنسية، ثم تبعته سياسات الحزام العربي والاستيلاء على أراضٍ كوردية وإقامة قرى نموذجية لإسكان عائلات عربية فيها.
الخطاب القديم كان يقول للكورد: أنتم مهاجرون. والخطاب الجديد يمكن أن يقول لهم: حتى الأرض التي تعيشون عليها ليست لكم.
والسؤال الذي يجب أن يُطرح على أصحاب هذه الحملات: لماذا لا يفتحون ملف الهجرة الجماعية للمسيحيين من سوريا الحديثة؟ من هجّرهم من مدنهم وقراهم؟ من حوّل وجودهم، الذي كان وازنًا ومؤثرًا في زمن الانتداب الفرنسي بحسب روايات وإحصاءات تلك المرحلة، إلى حضور خائف ومتناقص وشبه مطارد في كثير من المناطق؟ لماذا لا يبحثون في سياسات الاستبداد، والتطييف، والفقر، والحروب، وصعود التنظيمات التكفيرية، التي دفعت عشرات الآلاف من المسيحيين إلى مغادرة أرضهم، بدل أن يفتشوا في قرى كوردية صغيرة عن عدو تاريخي بديل؟
من يريد إنصاف المسيحيين حقًا، فليبحث عمّن اقتلعهم في القرن الحادي والعشرين، لا أن يحوّل مأساتهم في القرن العشرين إلى سلاح ضد الكورد.
الأول حاول نزع الجنسية، والثاني يحاول نزع الذاكرة والجغرافيا. وبين الاثنين تتكرر الوظيفة نفسها: تحويل الشعب الكوردي من صاحب قضية وأرض إلى ضيف مطالب دائمًا بإثبات أنه لم يصل البارحة.
منذ أن خرج الكورد في غربي كوردستان من الهامش السوري، وأصبحوا فاعلًا عسكريًا وسياسيًا حاضرًا في المعادلات الدولية، لم تتوقف محاولات ضربهم من أكثر من اتجاه. مرة تُستخدم داعش والتنظيمات التكفيرية، ومرة تُستنهض حساسيات عشائرية عربية، ومرة تُفتح الحرب داخل الحراك الكوردي نفسه، ومرة تُشيطن قوة كوردية وتُخوّن أخرى. واليوم يظهر باب أشد خبثًا: نقل الصراع إلى الذاكرة المشتركة بين الكورد والمسيحيين.
هذا الباب خطير لأنه يضرب منطقة ظلت، رغم كل ما مر بها، قادرة على إنتاج علاقات اجتماعية تتجاوز الانقسام الديني. فإذا استطاع المحرّض أن يقنع المسيحي بأن الكوردي هو مغتصب أرضه التاريخي، وأن يقنع الكوردي بأن المسيحي مشروع انتزاع جديد لجغرافيته، فقد صنع عداوة لا تحتاج إلى دبابة كي تنفجر. يكفيها كتاب مبتور، وفيديو مشحون، ومنبر ديني أو سياسي يكرر الأكاذيب حتى تتحول في أذهان الناس إلى “ذاكرة”.

سيفو ليست سكينًا ضد الكورد.
من يزعم الدفاع عن ضحايا سيفو بهذه الطريقة يعيد استخدام إحدى أقذر أدوات السلطات التي صنعت المآسي: تحويل الناس إلى طوائف متقابلة بدل مساءلة الدولة والسياسة التي استخدمتهم. سياسات الاتحاد والترقي كانت سياسات دولة وإبادة وهندسة سكان، حتى حين استعانت بقوات مساعدة وعناصر محلية. أما اليوم، فيحاول بعضهم تصغير الإمبراطورية كلها إلى خصومة بين قروي مسيحي وزعيم كوردي.
هذا ليس إنصافًا للضحايا. إنه إهانة لحجم مأساتهم أيضًا.
الدفاع الحقيقي عن سيفو لا يكون باختراع “عدو كوردي” جديد، بل بكشف المسؤوليات كما كانت: دولة، سياسات، أجهزة، قادة، منفذون محليون، وضحايا من شعوب وطوائف متعددة. والعدالة الحقيقية لا تحتاج إلى تزوير تاريخ شعب آخر لكي تنتصر لتاريخ الضحية.
من حق المسيحي أن يطالب بذاكرته كاملة. ومن حق الآشوري والسرياني والأرمني أن يبحث عن قراه وضحاياه وأملاكه. كما أن من حق الكوردي أن يفتح ملفات تقسيم كوردستان، والإحصاء الاستثنائي، والحزام العربي، والاستيلاء على أرضه، وتعريب جغرافيته.
الحقوق لا تتعارض إلا عندما يحولها السياسيون إلى أسلحة.
لذلك فإن ما يجب مواجهته اليوم ليس المسيحي، ولا الكنيسة، ولا رجل الدين بوصفه رجل دين؛ بل سمسار الفتنة أينما كان: الكاتب الذي يبتر الوثيقة، والسياسي الذي يحتاج إلى عدو جديد، والمنبر الذي يحوّل الذاكرة إلى ثأر، وكل جهة تتوهم أن تفكيك المجتمع الكوردي وتمزيق علاقته بجيرانه أسهل من مواجهته كقضية سياسية ذات حقوق قومية وجغرافية.
لقد جُرّب التحريض العربي–الكوردي، وجُرّبت داعش، وجُرّبت الفصائل، وجُرّب الاقتتال الكوردي الداخلي، وجُرّبت تهمة الانفصال والمهاجرين والدخلاء. وإذا كان الدور الآن قد وصل إلى الذاكرة المسيحية، فيجب أن يكون الرد أوضح من أن يُترك للمشاحنات:
لن نقبل أن تتحول سيفو إلى سكين ثانية، تُغرس هذه المرة بين الكورد والمسيحيين بعد أكثر من قرن على المذبحة الأولى.

من يكتب الحرب القادمة بحبر الموتى؟
من أراد الحقيقة فليفتح الأرشيف كله، لا الصفحة التي تخدمه. ومن أراد الملكية فليقدم وثيقتها، لا عقيدة صاحبها. ومن أراد محاسبة مجرم فليسمّه، لا أن يدين شعبًا. ومن أراد إنصاف المسيحيين فليحترم مأساتهم بدل تحويلها إلى وقود لمشروع سياسي جديد.
أما الذين يحفرون اليوم في المقابر لا ليعرفوا من قُتل، بل ليقرروا من يجب أن نكره، فهم لا يعيدون كتابة التاريخ؛ إنهم يحاولون كتابة الحرب القادمة بحبر الموتى.
وهنا يجب أن يكون الرد الكوردي واضحًا وقاطعًا: لن نهرب من تاريخنا، ولن نبرئ مجرمًا لأنه كوردي، لكننا أيضًا لن نسمح لتجار الذاكرة بأن يحولوا جريمة إمبراطورية إلى صك اتهام ضد شعب كامل، ولا أن يستخدموا دم المسيحيين لمحو الكورد من أرضهم.
الحقيقة لا تحتاج إلى اقتلاع شعب كي تنصف شعبًا آخر. والعدالة التي تبدأ بتزوير هوية الأرض ليست عدالة؛ إنها عملية استيلاء جديدة، هذه المرة على التاريخ نفسه.

قد يعجبك ايضا