11 أيلول بين ثورة الكورد ومأساة أميركا… اختلاف الطريق والنتائج

شيركو حبيب

قد يجتمع حدثان في التاريخ نفسه، لكنهما لا يلتقيان بالضرورة في المعنى أو الهدف أو النتائج. وهذا ما ينطبق على يوم 11 أيلول، الذي يحمل في الذاكرة الكوردية دلالة انطلاق ثورة أيلول عام 1961، بينما يحمل في الذاكرة الأميركية والعالمية دلالة الهجمات الإرهابية التي وقعت في الولايات المتحدة عام 2001.
بين الحدثين أربعة عقود، وبينهما اختلاف كبير في الظروف والدوافع والوسائل. فثورة أيلول كانت حركة وطنية كوردية انطلقت دفاعاً عن الحقوق القومية والسياسية والديمقراطية، في مواجهة سياسة الإنكار والقمع، بينما كانت هجمات 11 أيلول الأميركية عملاً إرهابياً استهدف المدنيين وأدخل العالم في مرحلة جديدة من الخوف والحروب والتوترات الأمنية.
إن التشابه في التاريخ لا يعني التشابه في الرسالة. فالتاريخ لا يُقرأ بالأرقام وحدها، وإنما بما حملته الأحداث من أهداف وقيم وما تركته من نتائج في حياة الشعوب.
ثورة أيلول… قضية شعب لا يمكن إلغاؤها
في 11 أيلول 1961 دخلت الحركة التحررية الكوردية في العراق مرحلة جديدة، بقيادة البارزاني ملا مصطفى بارزاني الخالد. ولم تكن الثورة مجرد مواجهة عسكرية أو انتفاضة مؤقتة، بل كانت تعبيراً عن إرادة شعب يرفض أن يُعامل باعتباره مواطناً من الدرجة الثانية، ويطالب بحقه في الحرية والاعتراف والعيش بكرامة.
جاءت الثورة في ظل سياسات التهميش والقمع ومحاولات إلغاء الهوية القومية الكوردية. ولذلك ارتبطت مطالبها بالديمقراطية والشراكة والعدالة، وبحق الشعب الكوردي في إدارة شؤونه ضمن إطار حل سياسي عادل داخل العراق.
ورغم أن الجبال والجبهات كانت مسرحاً أساسياً للثورة، فإن أيلول لم تكن بندقية فقط. فقد رافق النضال العسكري عمل سياسي وإعلامي وتعليمي وقضائي واجتماعي، وظهرت محاولات لبناء مؤسسات تنظم حياة الناس وتمنح الثورة ملامح مشروع وطني متكامل.
وهنا تكمن أهمية ثورة أيلول: أنها لم تكن ثورة من أجل القتال، بل ثورة من أجل الحياة. كانت تحمل السلاح في مواجهة القمع، لكنها كانت تتطلع إلى يوم يصبح فيه السلاح خارج المشهد، وتحل مكانه المؤسسات والقانون والاعتراف بالحقوق.
11 أيلول الأميركي… جريمة ضد المدنيين
أما 11 أيلول 2001، فقد كان يوماً مأساوياً في تاريخ الولايات المتحدة والعالم. فقد تعرضت مدن أميركية لهجمات إرهابية استهدفت المدنيين والمنشآت الحيوية، وأدت إلى مقتل آلاف الأشخاص من جنسيات وديانات مختلفة.
لم تكن تلك الهجمات حركة تحرر وطنية، ولا مشروعاً سياسياً للدفاع عن حقوق شعب، بل كانت جريمة إرهابية قامت على استهداف الأبرياء ونشر الرعب والدمار. وقد تجاوزت آثارها حدود الولايات المتحدة، لتنعكس على الأمن الدولي والسياسة الخارجية والحريات العامة، وتكون مقدمة لحروب وتدخلات وصراعات امتدت آثارها إلى العراق وأفغانستان والشرق الأوسط كله.
ومن الضروري هنا التمييز بين نقد السياسات الأميركية وبين تبرير الإرهاب. فمن حق الشعوب والدول والقوى السياسية أن تعارض سياسات أي حكومة، لكن لا يمكن تحويل هذا الاعتراض إلى مبرر لاستهداف المدنيين. فالخلاف السياسي يُناقش بالوسائل السياسية، أما قتل الأبرياء فلا يصنع عدالة ولا يحقق حرية.
من قضية كوردية إلى حروب المنطقة
كان للحدثين تأثير مختلف في العراق والشرق الأوسط.
فثورة أيلول أعادت القضية الكوردية إلى قلب المعادلة السياسية العراقية، وأثبتت أن تجاهل حقوق الشعب الكوردي لا يؤدي إلى الاستقرار، بل يفتح الباب أمام صراع طويل. لقد جعلت الثورة الاعتراف بالحقوق القومية والديمقراطية جزءاً أساسياً من أي بحث جدي في مستقبل العراق.
أما هجمات 11 أيلول، فقد أدت إلى إعادة تشكيل السياسة الأميركية في المنطقة، ودفعت باتجاه ما سُمّي بالحرب على الإرهاب. وفي ظل هذه المرحلة شهد العراق لاحقاً تحولات كبرى، وصولاً إلى إسقاط النظام السابق عام 2003، وما أعقب ذلك من انهيار مؤسسات وصراعات طائفية وتدخلات إقليمية ودولية وصعود جماعات إرهابية.
ولم تكن آثار تلك التحولات محدودة بالعراق، بل امتدت إلى سوريا واليمن وليبيا ولبنان ومناطق أخرى، وأسهمت في تعقيد المشهد الإقليمي وإضعاف الدولة الوطنية وتوسيع نفوذ الجماعات المسلحة.
ومن المفارقات أن حدثاً إرهابياً وقع في الولايات المتحدة أصبح أحد العوامل التي أثرت بصورة عميقة في مستقبل شعوب الشرق الأوسط، بينما كانت ثورة أيلول، التي انطلقت في العراق دفاعاً عن حقوق شعب، جزءاً من تاريخ طويل يسعى إلى بناء دولة أكثر عدلاً وشراكة.
الفرق بين الثورة والإرهاب
الفرق بين ثورة أيلول وهجمات 11 أيلول لا يكمن في اختلاف الظروف فقط، بل في طبيعة المشروع نفسه.
ثورة أيلول كانت مرتبطة بقضية شعب وحقوقه ووجوده وهويته، وكانت لها مطالب سياسية يمكن مناقشتها والوصول إلى حلول بشأنها. أما الإرهاب، فهو يقوم على استهداف الإنسان بسبب هويته أو انتمائه أو وجوده في مكان معين، ويجعل من الخوف والقتل وسيلة لتحقيق أهدافه.
الثورة الوطنية تسعى، في جوهرها، إلى تحرير الإنسان وبناء مستقبل أفضل له. أما الإرهاب فيحوّل الإنسان إلى هدف، ويستخدم الموت لإنتاج مزيد من الموت.
وقد شهدت ثورة أيلول قتالاً وتضحيات كبيرة، لكنها لم تفقد ارتباطها بمطلب السلام والحل السياسي. فالسلام بالنسبة إلى الحركة الكوردية لم يكن استسلاماً، بل كان سلاماً قائماً على الاعتراف بالحقوق والعدالة والشراكة.
أما الإرهاب، فلا يملك مشروعاً حقيقياً للسلام، لأنه لا يستطيع بناء الثقة أو المؤسسات أو التعايش. إنه يترك وراءه جراحاً عميقة، ويمنح القوى المتطرفة مبررات جديدة لمواصلة العنف.
الدرس العراقي والكوردي
إن مقارنة الحدثين تمنحنا درساً مهماً للعراق والمنطقة. فالقضايا السياسية التي تُترك دون حلول عادلة لا تختفي، والحقوق التي تُنكر لا تموت، لكنها قد تتحول إلى أزمات متراكمة تهدد استقرار الدولة.
لقد أثبتت ثورة أيلول أن القضية الكوردية ليست قضية أمنية يمكن حسمها بالقوة، بل قضية سياسية تحتاج إلى الحوار والاعتراف والشراكة الدستورية. كما أثبتت التجارب التي أعقبت هجمات 11 أيلول أن مكافحة الإرهاب لا يمكن أن تكون ناجحة إذا رافقها تدمير الدول أو إضعاف المجتمعات أو تجاهل حقوق الشعوب.
فالأمن الحقيقي لا يتحقق بالقوة وحدها، بل بالعدالة والمواطنة وسيادة القانون. والاستقرار لا يُفرض بالقمع، بل يُبنى من خلال الثقة والمشاركة واحترام التنوع.
وبالنسبة إلى العراق، فإن ضمان حقوق الكورد والعرب والتركمان والمسيحيين والإيزيديين وسائر مكونات المجتمع ليس امتيازاً لفئة، بل أساس لبناء دولة مستقرة. وكلما ابتعدت الدولة عن الدستور والشراكة، ازدادت فرص التوتر والصراع والتدخل الخارجي.
ذاكرة مختلفة في يوم واحد
سيبقى 11 أيلول في الذاكرة الكوردية رمزاً للثورة والكرامة والإصرار على الحقوق، بينما سيبقى في الذاكرة الأميركية والعالمية رمزاً للمأساة والخسارة وخطر الإرهاب، وبين الحدثين، تتأكد حقيقة أساسية: ليس كل من يحمل السلاح ثائراً، وليس كل مواجهة عنفاً بلا قضية. فالمعيار هو الهدف والوسيلة والموقف من الإنسان وحقوقه.
ثورة أيلول كانت نضالاً من أجل الحرية والديمقراطية والاعتراف، بينما كانت هجمات 11 أيلول جريمة استهدفت الحياة الإنسانية. الأولى خرجت من قضية شعب يريد أن يعيش بكرامة، والثانية قامت على نشر الرعب وإلغاء الآخر، ولهذا، فإن الوفاء لثورة أيلول لا يكون بتمجيد الحرب، بل بالتمسك بمبادئها السياسية والإنسانية: الحرية، والعدالة، والديمقراطية، والسلام، وحق الشعوب في تقرير مستقبلها ضمن حلول عادلة تحمي الجميع.
إن التاريخ قد يجمع بين حدثين في يوم واحد، لكنه لا يساوي بينهما. فثورة أيلول كانت صوت شعب يطالب بحقوقه، أما 11 أيلول الأميركي فكان صرخة ألم تركها الإرهاب في ذاكرة العالم.

قد يعجبك ايضا