إبراهيم عبد الله محيي مهندس المستنصرية

محمد علي محيي الدين

ليست كل الشخصيات التي صنعت المؤسسات الكبرى حظيت بالمكانة التي تستحقها في الذاكرة الوطنية؛ فثمة رجال بذلوا أعمارهم في البناء، ثم غابت أسماؤهم مع مرور الزمن، حتى كأن الإنجاز قد نشأ من تلقاء نفسه. ومن هؤلاء الدكتور إبراهيم عبد الله محيي، أحد أبرز التربويين العراقيين، والرجل الذي ارتبط اسمه بولادة الجامعة المستنصرية الحديثة، غير أن سيرته، كما يشير الباحثون، تعرضت للإهمال، فضاعت صورته من أرشيف الجامعة، وتراجع حضوره في أدلتها ومتاحفها، حتى أصبح كثير من طلبتها لا يعرفون من كان وراء هذا الصرح العلمي.

Screenshot

وقد دفع هذا الغياب أحد الباحثين، الذي عمل سنوات طويلة في الجامعة المستنصرية وشغل فيها مواقع أكاديمية وإدارية متعددة قبل أن يتولى رئاسة جامعة كربلاء عام 2002، إلى إعادة تقصي سيرة الدكتور إبراهيم عبد الله محيي، بعدما فوجئ بأن طالب ماجستير يعد رسالة عن تاريخ الجامعة لم يتمكن حتى من العثور على صورة له. ويروي الباحث أنه كان يشاهد الدكتور محيي خلال زياراته المتكررة إلى كلية الآداب، ولا سيما أثناء لقائه بعميدها الأستاذ حميد مخلف الهيتي، كما يتذكر تكريمه في اليوبيل الفضي للجامعة سنة 1993، وهو ما منحه دافعًا لتوثيق سيرة رجل رأى أن التاريخ لم ينصفه.
ولد إبراهيم عبد الله محيي المؤذني الهيتي في مدينة هيت سنة 1916، وتخرج في معهد المعلمين، ثم عمل معلمًا في البصرة والناصرية، قبل أن يواصل دراسته في دار المعلمين العالية، التي نال منها شهادة البكالوريوس سنة 1941. وبعد سنوات من العمل مدرسًا ومفتشًا تربويًا في عدد من المدن العراقية، أوفد إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث حصل عام 1952 على شهادة الدكتوراه في العلوم التربوية، فعاد إلى العراق مزودًا بخبرة علمية حديثة، ليعمل أستاذًا في دار المعلمين العالية، ثم في كلية التربية، ويتولى بعد ذلك عددًا من المسؤوليات الأكاديمية والإدارية.
وجاءت اللحظة المفصلية في حياته مع بدايات التعليم الجامعي الأهلي في العراق. ففي عام 1963 تأسست الجامعة المستنصرية بوصفها جامعة أهلية أنشأتها نقابة المعلمين لتوفير الدراسة المسائية للمعلمين، كما تأسست جامعة الشعب برعاية جمعية نشر العلوم والثقافة لخدمة موظفي الدولة. وبعد عام واحد قررت الدولة دمج الجامعتين في مؤسسة واحدة حملت اسم الكلية الجامعة وربطتها بجامعة بغداد، وأسندت عمادتها إلى الدكتور إبراهيم عبد الله محيي، ليبدأ مشروعه الأكبر.
لم تكن المؤسسة الجديدة تمتلك حرمًا جامعيًا مستقلًا، بل كانت تشغل مباني تابعة لجامعة بغداد، وتضم أكثر من ستة آلاف طالب. لكن الدكتور محيي أدرك أن الجامعة لا تُبنى بالمحاضرات وحدها، وإنما تحتاج إلى هوية معمارية تعكس رسالتها العلمية. ومن هنا بدأ العمل على توفير الأرض المناسبة، والإشراف على إعداد المخططات والتصاميم، ومتابعة مراحل التنفيذ، حتى وضع رئيس الجمهورية الفريق عبد الرحمن محمد عارف حجر الأساس للمدينة الجامعية سنة 1966.
ولم تتوقف جهوده عند حدود التخطيط، بل نجح في استقطاب دعم مؤسسة كولبنكيان، التي أسهمت في تشييد القاعة الكبرى للجامعة، والتي كانت آنذاك من أكبر القاعات الجامعية وأكثرها تميزًا في بغداد، فضلاً عن إنشاء مبنى مكتبة الجامعة، ليضع بذلك اللبنات الأساسية لصرح أكاديمي أصبح لاحقًا واحدًا من أبرز معالم التعليم العالي في العراق.
واستمر الدكتور إبراهيم عبد الله محيي في قيادة المشروع حتى أواخر عام 1968، حين تولى الدكتور مسارع حسن الراوي رئاسة الجامعة، بعد أن كان الجزء الأكبر من رؤيته قد بدأ يتحول إلى واقع ملموس. ولم يكن ما أنجزه مجرد أبنية إسمنتية، بل كان مشروعًا متكاملًا لبناء مؤسسة جامعية حديثة تستوعب التوسع الكبير في التعليم العالي، وتمنح بغداد معلمًا علميًا وثقافيًا ظل شاهدًا على أجيال متعاقبة من الطلبة والأساتذة.
أُحيل الدكتور محيي إلى التقاعد سنة 1972، لكنه واصل عطاءه العلمي من خلال عمله خبيرًا في منظمة اليونسكو، متنقلًا بين عدد من الدول، ومساهمًا في تطوير مشروعات تربوية وتعليمية خارج العراق، قبل أن تستقر به الإقامة في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث كان ابنه الوحيد يعمل أستاذًا جامعيًا. وهناك رحل عن الدنيا في السابع من آذار سنة 2001، ودُفن بعيدًا عن الوطن الذي أفنى سنوات عمره في خدمة مؤسساته التعليمية.
إن سيرة إبراهيم عبد الله محيي تثير سؤالًا مؤلمًا عن مصير كثير من بناة العراق الذين صنعت جهودهم مؤسسات ما تزال قائمة، بينما تراجعت أسماؤهم في الذاكرة العامة. فالجامعة المستنصرية، بما تمثله اليوم من مكانة علمية، ليست مجرد مبانٍ شامخة، بل هي ثمرة رؤية تربوية قادها رجال آمنوا بأن بناء الإنسان يبدأ ببناء الجامعة. ومن الإنصاف أن يُستعاد اسم الدكتور إبراهيم عبد الله محيي إلى مكانه الطبيعي في تاريخ التعليم العالي العراقي، وأن يُحفظ إرثه بوصفه أحد أبرز المهندسين الحقيقيين لهذا الصرح الأكاديمي، وهي حقيقة تؤكدها الوثائق التاريخية وشهادة الباحث الذي أعاد إحياء سيرته بعد سنوات من النسيان.

قد يعجبك ايضا