عفواً فيروز… أيلولنا يختلف عن أيلولك

عفواً فيروز…

د. فيصل صادق توفيق

أيلولنا يختلف عن أيلولك، انت رأيت في أيلول غيمة حزينة، وورقةً صفراء، ونافذة يطل منها انتظار حبيب طال غيابه، رأيت فيه خريفا يمر على القلب قبل أن يمر على الأشجار، وشهرا تختلط فيه الذكرى بالحنين.
أما نحن، فأيلولنا كان شيئاً آخر.
كان جبلاً، وكان بندقية، وكان أماً تقف عند الباب، لا تعرف إن كان ابنها سيعود، وكان أباً يخفي قلقه كي لا يراه أطفاله، وكان طفلا يتعلم مبكرا أن بعض الآباء لا يغيبون لأنهم لا يريدون العودة، بل لأن هناك وطنا يناديهم. كان أيلولنا حبيبا غائبا أيضا، لكن الغائب لم يكن شخصا واحدا، كان وطناً يبحث عن مكانه في التاريخ. من هنا تبدأ الحكاية.
فثورة أيلول لم تكن مجرد مواجهة عسكرية يمكن اختصارها في تواريخ ومعارك وأسماء. بل كانت لحظة من اللحظات التي يتحول فيها الشعور بالظلم من إحساس فردي إلى وعي جماعي، ومن الصمت إلى فعل، ومن الخوف إلى محاولة استعادة زمام المصير.
ولهذا بقي أيلول، ليس لأن المعارك لا تنتهي، بل لأن الأسئلة التي ولدت منها لم تنتهِ.
ماذا يعني أن تكون لك أرض تشعر أنها تنتمي إليك؟
ماذا يعني أن تحافظ على هويتك حين تصبح الهوية نفسها موضع صراع؟ وماذا يفعل شعب حين يشعر أن مستقبله يرسم من دونه؟ تلك الأسئلة هي التي جعلت الجبل أكثر من جغرافيا. في الجبل، لم يكن البشمركة يقاتلون من أجل صخرة أو وادٍ أو حدود مرسومة على خريطة. انما كانوا يحملون تصورا عن الكرامة والوجود والحق في أن يكون للإنسان صوت في تقرير مستقبله. ولهذا فإن الحديث عن أيلول لا ينبغي أن يتحول إلى حكاية رومانسية عن الماضي فالتاريخ أكثر قسوة من ذلك، وأكثر قيمة. فأولئك الذين صعدوا إلى الجبل لم يكونوا شخصيات أسطورية بلا خوف بل كانوا بشراً يحبون، ويشتاقون، ويخافون على أهلهم، ويعرفون أن الطريق الذي اختاروه قد لا يعيدهم. وهنا تكمن عظمة التضحيات، ليست في أن أصحابها لم يعرفوا الخوف، بل في أنهم عرفوه ومضوا.
وفي كل مرة نتذكر فيها البشمركة، ينبغي أن نتذكر أيضا أولئك الذين بقوا في البيوت. فالأمهات اللواتي حملن الانتظار سنوات. والزوجات اللواتي عشن مع احتمال الفقد والآباء الذين لم يجدوا في أيديهم سوى الصبر. والأطفال الذين كبروا قبل أوانهم. كان أولئك أيضا جزءا من أيلول ولكن أيلول لا ينتمي إلى الماضي وحده. وهنا تبدأ مسؤوليتنا. فالجيل الذي حمل السلاح كان أمام سؤال: كيف نحمي وجودنا؟ أما نحن، فنواجه سؤالا آخر أكثر تعقيدا: كيف نبني وجودا يستحق أن نحميه؟ هذا هو الاختبار الحقيقي للذاكرة. فليس من الصعب أن نحتفل بثورة مضى عليها عقود، وليس صعبا أن نستعيد صور رجالها ونردد أسماء شهدائها ونرفع راياتها. الأصعب أن نسأل ماذا صنعنا بعد كل تلك التضحيات.
هل أصبح القانون أقوى؟
هل أصبحت مؤسساتنا أكثر رسوخا؟
هل أصبح الإنسان أكثر أمنا وكرامة؟
هل يستطيع الشاب أن يرى مستقبله هنا، في وطنه، دون أن يشعر أن عليه أن يغادر كي يجد فرصة للحياة؟
هل استطعنا أن نحول التضحيات إلى تعليم وتنمية واقتصاد وثقافة ومؤسسات؟ هذه الأسئلة ليست خروجا على روح أيلول؛ إنها جوهر الوفاء له. فالثورات لا تكتمل بانتهاء المعارك وقد تنتهي المعركة في الجبل، لكن معركة بناء الدولة والمجتمع لا تنتهي. والبندقية تستطيع أن تحمي أرضا في لحظة، لكنها لا تستطيع وحدها أن تبني مستقبلا. فالمستقبل يحتاج إلى مدرسة جيدة، وقانون عادل، ومؤسسة محترمة، واقتصاد منتج، وإدارة كفوءة، وثقافة تحترم الإنسان، ووعي يعرف أن قوة الوطن لا تقاس فقط بقدرته على الدفاع عن نفسه، بل بقدرته على منح أبنائه سبباً للبقاء فيه.
لهذا، فإن الوفاء لأيلول لا يعني أن نعيش في أيلول. بل يعني أن نأخذ منه ما يصلح للمستقبل، ونترك للماضي ما ينتمي إلى الماضي فنحن لا نستطيع أن نعيد الجبال إلى زمنها الأول، ولا أن نعيد الذين رحلوا، ولا أن نغير ما حدث لكننا نستطيع أن نمنح كل ذلك معنى جديدا وأن نجعل تضحياتهم حافزا لبناء وطن أكثر استقرارا.
أن نجعل الذاكرة جسرا لا سجنا وأن ننتقل من سؤال: من ضحى؟ إلى سؤال أكثر مسؤولية: ماذا بنينا؟ ربما هنا تحديدا يختلف أيلولنا عن أيلول فيروز، فأيلول فيروز كان قصيدةً عن الحنين. أما أيلولنا فكان فصلا من تاريخ شعبـا، أيلولها كان غيمة تبحث عن نافذة. أما أيلولنا فكان جبالا تبحث عن مستقبل. أيلولها كان حبيبا غائبا. أما أيلولنا فكان وطنا غائبا عن حلم أبنائه. لكن ثمة شيء واحد يجمع الأيلولين: الانتظار.
هي انتظرت حبيباً، ونحن انتظرنا وطناً. غير أن الفرق بين الانتظارين أن حبيباً قد يعود ذات مساء، أما الوطن فلا يعود إلينا من تلقاء نفسه؛ نحن الذين نصنعه كل يوم. وهنا تنتهي رومانسية أيلول وتبدأ مسؤوليته. فالوطن ليس ذكرى نعود إليها، بل عمل ننجزه. والحرية ليست إرثا نستهلكه، بل مسؤولية نحافظ عليها والتضحيات ليست رصيداً أخلاقياً نستخدمه إلى الأبد، بل أمانة تسألنا الأجيال القادمة عما فعلناه بها. ولهذا، حين يأتي أيلول كل عام، ربما لا ينبغي أن نسأل فقط أين أصبح الذين رحلوا. ينبغي أن نسأل أين أصبحنا نحن.
ماذا فعلنا بالأرض التي أحبوا؟ ماذا فعلنا بالأجيال التي حلموا من أجلها؟ وماذا سنترك لمن سيأتي بعدنا؟ فالتاريخ لا يحاسب الأموات وحدهم. أحياناً يحاسب الأحياء أكثر.
عفواً فيروز… ربما كان أيلولك موعدا للحزن، أما أيلولنا فكان موعدا مع التاريخ. غيمتك كانت تحمل قصة حبيب، أما غيمتنا فكانت تحمل قصة شعب.
لكننا اليوم لا نريد أن نبقى أسرى حزن أيلول، ولا أن نحوله إلى طقس يتكرر كل عام ثم ينتهي بل نريد أيلولا آخر؛ أيلولا يليق بمن رحلوا، لا لأنه يعيدهم، فهذا مستحيل، بل لأنه يجعل المستقبل الذي حلموا به أكثر قربا. فإذا كان أولئك قد تركوا لنا جبالا تشهد على شجاعتهم، فعلينا أن نترك لأبنائنا مؤسسات تشهد على مسؤوليتنا. وإذا كانوا قد دافعوا عن حق الأجيال القادمة في أن يكون لها مستقبل، فعلينا أن نصنع ذلك المستقبل. وعندها فقط، حين تسقط أول ورقة صفراء من شجرة أيلول، لن تكون مجرد علامة على خريف جديد. ستكون تذكيراً بأن الشعوب لا تُخلّد تضحياتها بكثرة الحديث عنها، وإنما بما تفعله بعدها.
عفواً فيروز… أيلولنا يختلف عن أيلولك.
لكن ربما كان علينا، بعد كل هذه السنوات، أن نكتب له أغنية جديدة: ليست عن الغياب… بل عن ما ينبغي أن نصنعه كي لا يذهب كل ذلك الغياب سدى.

قد يعجبك ايضا