شيركو حبيب
من بندقية أيلول إلى مؤسسات كوردستان… ماذا حققت الثورة؟من بندقية أيلول إلى مؤسسات كوردستان… ماذا حققت الثورة؟
ليست كل الثورات تُقاس بما يحدث في سنواتها الأولى، ولا بما تحققه في ساحات القتال وحدها. فبعض الثورات تنتهي بانتهاء الحرب، بينما تستمر أخرى في تشكيل الوعي السياسي والاجتماعي حتى بعد أن تضع السلاح جانبًا. وثورة أيلول واحدة من التجارب التي تجاوز أثرها حدود المواجهة العسكرية.
فحين انطلقت الثورة في 11 أيلول 1961 بقيادة الخالد ملا مصطفى بارزاني، لم يكن المشهد السياسي في العراق يسمح بسهولة بطرح القضية الكوردية باعتبارها قضية حقوق وشراكة. كانت العلاقة بين الدولة والشعب الكوردي محكومة بالتوتر، وكانت محاولات فرض الحل العسكري تتقدم على البحث عن تسوية سياسية عادلة، في ذلك السياق، جاءت أيلول لتحدث تحولًا في طبيعة القضية نفسها.
لم تعد المطالب الكوردية مجرد مطالب محلية يمكن تجاهلها أو احتواؤها بالقوة، بل أصبحت قضية سياسية فرضت حضورها في المشهد العراقي والإقليمي. وهذه كانت إحدى النتائج الكبرى للثورة: تحويل القضية الكوردية إلى عامل أساسي في المعادلة السياسية العراقية.
لكن قراءة أيلول من زاوية عسكرية فقط تقلل من أهميتها التاريخية.
فالبيشمركة الذين حملوا السلاح في الجبال لم يكونوا يقاتلون من أجل معركة عسكرية مجردة، بل من أجل مشروع سياسي يتعلق بمستقبل شعب وحقوقه وموقعه داخل العراق. ومن هنا بدأت إحدى أبرز سمات التجربة الكوردية: الثورة كانت تخوض حربًا، لكنها في الوقت نفسه كانت تحاول بناء مقومات الحياة السياسية والاجتماعية في المناطق التي كانت تحت سيطرتها.
وهنا يمكن فهم الانتقال التاريخي من البندقية إلى المؤسسة.
لم يحدث هذا الانتقال في يوم واحد، ولم يكن طريقه مستقيمًا. فقد مرّت الحركة الكوردية بمراحل من الاتفاقات والانقطاعات والحروب، وكان عام 1964 محطة مهمة في مسارها، ثم جاءت حرب 1974–1975 وما رافقها من ظروف قاسية، قبل أن تدخل القضية الكوردية مرحلة جديدة من الصراع السياسي والعسكري، لكن التجربة رغم كل تلك التحولات، راكمت خبرة سياسية وتنظيمية أصبحت أساسًا لمراحل لاحقة.
ومع انتفاضة 1991، بدأت صفحة جديدة. انتقلت الحركة الكوردية إلى مرحلة مختلفة، وأصبح بناء المؤسسات هدفًا مباشرًا. تأسست إدارة كوردستان، ثم تطورت مؤسساتها السياسية والتشريعية والتنفيذية، وأصبح البرلمان والحكومة جزءًا من الحياة العامة في الإقليم.
وبعد عام 2003، دخلت القضية الكوردية مرحلة دستورية جديدة، وكرّس دستور العراق لعام 2005 إقليم كوردستان إقليمًا اتحاديًا ضمن العراق.
وهنا تظهر قيمة أيلول في قراءة الحاضر.
فالمؤسسات التي نراها اليوم لم تولد من فراغ، والتجربة السياسية والإدارية لم تبدأ في عام 1991 أو 2003 بمعزل عن الخبرة التي راكمتها الحركة الكوردية طوال عقود. إنها سلسلة تاريخية متصلة، كانت أيلول إحدى أهم حلقاتها.
ومن الخطأ، في المقابل، أن ننسب كل ما تحقق إلى حدث واحد أو مرحلة واحدة. فالتاريخ أكثر تعقيدًا من ذلك. فالمنجز الكوردي هو نتيجة تراكم طويل شاركت فيه أجيال مختلفة: البيشمركة والمناضلون والسياسيون والمثقفون والقضاة والمعلمون والإعلاميون والموظفون، وكل من حافظ على استمرار المشروع في أصعب الظروف.
لكن أيلول كانت نقطة تحول أساسية، لأنها نقلت القضية من مرحلة الدفاع عن الوجود والحقوق إلى مرحلة فرض حضورها السياسي.
والمنجز لا يقتصر على المؤسسات.
فالتجربة الكوردستانية أنتجت أيضًا وعيًا سياسيًا جديدًا لدى المجتمع. أصبح مفهوم الانتخابات والبرلمان والحكومة والقانون والإدارة والتعددية السياسية والتعايش بين المكونات جزءًا من الحياة العامة والنقاش السياسي، وهذا في حد ذاته تحول كبير.
فالثورات الحقيقية لا تترك وراءها فقط ذكريات وشعارات، وإنما تترك إنسانًا أكثر وعيًا بقضيته، ومجتمعًا أكثر قدرة على تنظيم نفسه، ومؤسسات قادرة على ترجمة المطالب إلى واقع سياسي.
ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى ثورة أيلول باعتبارها إحدى المراحل الأساسية في الانتقال من فكرة الحقوق إلى فكرة المؤسسات.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: ماذا حققت أيلول؟بل: ماذا نفعل نحن بما حققته؟
فالمنجز التاريخي لا يصبح مضمونًا إلى الأبد. المؤسسات تحتاج إلى حماية وتطوير، والديمقراطية تحتاج إلى ممارسة، والوحدة الداخلية تحتاج إلى مسؤولية، والتعايش يحتاج إلى احترام حقيقي، والشراكة داخل العراق تحتاج إلى الالتزام بالدستور.
إن الحفاظ على منجزات الماضي قد يكون أصعب أحيانًا من تحقيقها، لأن مرحلة الثورة تفرض وضوحًا في الهدف، بينما تفرض مرحلة المؤسسات مسؤولية الإدارة والبناء والإصلاح، وهنا تقع مسؤولية الجيل الحالي.
إذا كانت أيلول قد حملت البندقية دفاعًا عن الحقوق، فإن واجب اليوم هو حماية تلك الحقوق بالقانون والمؤسسات والديمقراطية. وإذا كان جيل الثورة قد واجه الدولة بالسلاح عندما أُغلقت أمامه أبواب الحل السياسي، فإن جيل المؤسسات مطالب باستخدام السياسة والقانون والدستور للدفاع عن المكتسبات ومعالجة الخلافات.
تلك ليست قطيعة مع أيلول، بل امتداد طبيعي لرسالتها.
لقد تغير الزمن، وتغيرت الأدوات، لكن جوهر القضية بقي حاضرًا: أن يعيش الإنسان الكوردي بكرامة، وأن تكون كوردستان قادرة على إدارة شؤونها ضمن إطار دستوري وقانوني، وأن يكون العراق دولة لجميع مكوناته، لا دولة يغلب فيها طرف على آخر.
ومن هنا فإن أعظم ما يمكن استخلاصه من تاريخ أيلول هو أن الثورة لا تنجح فقط عندما تنتصر في المعركة، وإنما عندما تتحول أفكارها إلى مؤسسات، وتضحياتها إلى حقوق، ودماء شهدائها إلى مستقبل أفضل للأجيال القادمة.
من بندقية أيلول بدأت مرحلة من النضال، ومن مؤسسات كوردستان اكتملت بعض فصول ذلك النضال.
لكن التاريخ لم ينتهِ بعد، فالمؤسسات التي بُنيت تحتاج إلى تطوير، والمنجزات التي تحققت تحتاج إلى حماية، والتجربة الديمقراطية تحتاج إلى ترسيخ، والحقوق تحتاج إلى ممارسة ومسؤولية.
وهكذا، فإن المسافة بين بندقية أيلول ومؤسسات كوردستان ليست مجرد مسافة زمنية بين عام 1961 واليوم، بل هي مسيرة طويلة انتقلت فيها القضية الكوردية من ساحات القتال إلى ساحات السياسة، ومن الدفاع عن الوجود إلى بناء المؤسسات، ومن المطالبة بالحقوق إلى تثبيت جانب مهم منها في الدستور.
ولهذا فإن أيلول ليست ذكرى من الماضي فحسب.
إنها بداية مسار، ومنجزات اليوم إحدى الشهادات على أن ذلك المسار لم يكن بلا ثمن، وأن تضحيات الأمس صنعت مسؤولية اليوم.