كاوه عبان*
لم تكن ثورة أيلول المجيدة مجرد مواجهة عسكرية، بل كانت محطة تاريخية أعادت القضية الكوردية إلى صدارة المشهد السياسي العراقي ورسخت لدى أجيال متعاقبة معنى الدفاع عن الحقوق والكرامة والهوية.
بعد ثورة 14 تموز 1958، نشأ أمل لدى الشعب الكوردي بأن تبدأ مرحلة جديدة من الشراكة والاعتراف بالحقوق القومية ضمن عراق موحد كما عاد الزعيم مصطفى بارزاني الى العراق وأُجيز الحزب الديمقراطي الكوردستاني للعمل السياسي.
لكن الخلافات بين بغداد والقيادة الكوردية تصاعدت رغم محاولات الوصول إلى حل سياسي وفي 11 أيلول 1961 بدأت العمليات العسكرية والقصف ضد مناطق كوردستان فكان ذلك إيذاناً بانطلاق ثورة أيلول.
أعيد تنظيم صفوف البيشمركة وتحولت المقاومة تدريجياً إلى قوة منظمة قادرة على الصمود في مواجهة الجيش العراقي وفي الوقت نفسه لم تغب السياسة عن الثورة فقد كان شعارها الواضح:
«الديمقراطية للعراق، والحكم الذاتي لكوردستان.»
وهذا الشعار يكشف جوهر القضية آنذاك: لم تكن المطالبة بالحقوق الكوردية منفصلة عن مستقبل العراق بل كانت مرتبطة ببناء دولة تعترف بتعددها القومي والسياسي.
وبعد سنوات من الحرب والمفاوضات جاءت اتفاقية 11 آذار 1970 لتشكل أهم إنجاز سياسي لثورة أيلول إذ اعترفت الحكومة العراقية رسمياً بالحقوق القومية للكورد ووضعت أساساً للحكم الذاتي.
إلا أن الخلافات حول تنفيذ الاتفاقية وخاصة بشأن حدود منطقة الحكم الذاتي والمناطق المتنازع عليها وأدت إلى تجدد الحرب عام 1974 وانتهت المرحلة العسكرية للثورة بعد اتفاق الجزائر في 6 آذار 1975 وتوقف الدعم الإيراني للحركة الكوردية.
لكن نهاية الحرب لم تكن نهاية القضية. لقد تركت ثورة أيلول إرثاً يتجاوز المعارك إرثاً سياسياً ووطنياً وإنسانياً وأثبتت أن الحقوق التي لا تجد طريقها عبر الحوار قد تتحول إلى قضية أجيال.
واليوم، فإن أفضل وفاء لشهداء أيلول ليس إعادة إنتاج صراعات الماضي بل تحويل تضحياتهم إلى مستقبل يقوم على الحقوق، والديمقراطية، والعدالة، والسلام، والشراكة الحقيقية في العراق.
فالثورات تنتهي عسكرياً لكن القيم التي ولدت من أجلها تبقى حية في ذاكرة الشعوب.
ثورة أيلول ليست مجرد تاريخ نقرأه .. إنها ذاكرة نتعلم منها، ومسؤولية نحملها نحو المستقبل.
*سفير فوق العادة لمنظمة امسام الاممية