أيلول… ثورة لم تنتهِ بعد

ڕێبین ڕەحیم

في تاريخ الشعوب، هناك ثورات لم تكن مجرد محاولات لتغيير حكومة أو انتزاع منطقة من سلطة ما، بل كانت ثورات لإعادة صياغة علاقة الإنسان بتاريخه ومصيره. وثورة أيلول في التاريخ الحديث للشعب الكردي تنتمي إلى هذا النوع من الثورات؛ فهي لم تكن مجرد سلاح في يد البيشمركة، بل كانت فكرة نمت داخل المجتمع، وتحولت في نهاية المطاف إلى سياسة وإدارة وتربية ومؤسسات ووعي قومي.

كان هيغل، في رؤيته للتاريخ، لا ينظر إلى التاريخ بوصفه مساراً بلا غاية، بل باعتباره عملية متواصلة لاكتشاف الإنسان لذاته ولحريته. ومن هذا المنظور، لم تكن ثورة أيلول مجرد سلسلة من الحروب والمواجهات، وإنما كانت عملية تاريخية حاول خلالها مجتمع أن ينتقل من هامش التاريخ إلى صلبه، وأن يضع مطالبه السياسية والقومية في مركز المعادلة.

بعد انتهاء المرحلة التي كانت فيها الإمارات الكردية موجودة بأشكال مختلفة في مناطق كردستان، ولا سيما بعد سقوط جمهورية كردستان في مهاباد عام 1946، ورحيل الملا مصطفى بارزاني ورفاقه إلى الاتحاد السوفيتي، دخلت كردستان مرحلة تاريخية بالغة الصعوبة. فسقوط جمهورية كردستان لم يكن مجرد سقوط حكومة، بل كان بالنسبة إلى كثير من الكرد دليلاً على انهيار فرصة تاريخية قصيرة نشأت بفعل توازنات القوى الإقليمية والدولية.

لكن السقوط في التاريخ لا يعني دائماً النهاية؛ ففي بعض الأحيان يصبح السقوط التربة التي تنمو عليها فكرة جديدة.

وتؤكد حنّة أرندت، في قراءتها للثورات، أن القوة السياسية لا تنبع من السلاح وحده، بل تتولد من اجتماع البشر حول هدف مشترك. ومن هذا المنظور، فإن ما حدث بعد مهاباد، في المسافة الفاصلة بين الانكسار والأمل، كان مرحلة لتكوين قوة سياسية كردية جديدة.

بعد ثورة 14 تموز 1958 وسقوط النظام الملكي في العراق، نشأت معادلة جديدة. فقد طلب عبد الكريم قاسم رسمياً عودة بارزاني والذين كانوا معه إلى العراق. وبعد عودة بارزاني في أيلول 1958 وبدء الحوارات، نص الدستور العراقي المؤقت على اعتبار العرب والكرد شريكين في تكوين الأمة العراقية، ونشأت علاقة وثيقة نسبياً بين قاسم والحركة الكردية.

كانت عودة بارزاني إلى العراق بالنسبة إلى الكرد أكثر من مجرد عودة قائد ثوري؛ فقد كانت عودة لأمل ظل حياً في وجدان المجتمع بعد مهاباد. وفي تلك المرحلة، دعم بارزاني حكومة قاسم، لأن الأمل كان لا يزال قائماً في إمكانية معالجة القضية الكردية ضمن إطار دستوري وسياسي جديد. غير أن التاريخ كثيراً ما يكشف عن فجوة كبيرة بين وعود السلطة وممارساتها.

وفي السنوات اللاحقة، أخذت علاقة حكومة قاسم بالقيادة السياسية الكردية تتعقد بسرعة. فقد تراجعت الحكومة عن تنفيذ عدد من التعهدات والوعود التي قدمتها للكرد، وفي الوقت نفسه تصاعدت محاولات الضغط على الحركة الكردية، وتزايد الوجود العسكري في المناطق الكردية، الأمر الذي دفع العلاقات نحو المواجهة.

وبحسب المعطيات التاريخية، بدأت حكومة قاسم عام 1961 هجوماً عسكرياً واسعاً ضد الحركة السياسية الكردية، كما شهدت تلك المرحلة محاولات لتغيير التركيبة الديموغرافية في بعض المناطق الكردية، الأمر الذي أدى إلى توسيع نطاق الصراع.

ومن منظور ماكس فيبر، تستمر السلطة عندما تتمكن من إنتاج الشرعية لنفسها. وعندما تبتعد السلطة عن وعودها السياسية، ويحل العنف والضغط محل الحوار، فإن أساس شرعيتها يبدأ بالضعف. وهذا يمثل أحد المفاتيح التي يمكن من خلالها فهم طبيعة العلاقة التي نشأت بين حكومة قاسم والحركة الكردية.

في 11 أيلول 1961، اندلعت ثورة أيلول، وهي ثورة قادها الملا مصطفى بارزاني وشارك فيها قطاع واسع من المجتمع الكردستاني.

كانت تلك الثورة واحدة من أطول مراحل المقاومة الكردية في التاريخ الحديث. وتشير المصادر التاريخية إلى أن الثورة بدأت في مراحلها الأولى بعدد محدود من المقاتلين، لكنها مع مرور الوقت تحولت إلى حركة سياسية ـ اجتماعية واسعة.

وإذا اختُزلت الثورة في عدد البيشمركة والسلاح والذخيرة، فإن جزءاً كبيراً من حقيقتها سيضيع. فقد اكتسبت ثورة أيلول قوتها الحقيقية من قدرتها على بناء علاقة عميقة ومتينة مع المجتمع.

لم يكن المجتمع الكردي، وفق بنيته الاجتماعية في تلك المرحلة، يتكون من مقاتلين فقط؛ فقد ارتبط سكان القرى والمدن، والمعلمون والطلاب والمثقفون ورجال الدين والتجار والفلاحون ومختلف الطبقات والفئات الاجتماعية، كلٌّ بطريقته، بهذه العملية التاريخية. كما ارتبطت جماعات قومية ودينية مختلفة في بعض المناطق بالثورة بأشكال متفاوتة.

وهنا تكمن إحدى أهم الأفكار الفكرية في ثورة أيلول: فالثورة لا تصبح ظاهرة تاريخية حقيقية إلا عندما تتجاوز إطار القوة العسكرية وتتحول إلى جزء من وعي المجتمع.

البيشمركة لم تكن قوة مسلحة فقط… بل نواة سلطة جديدة

في تاريخ الثورات، هناك نقطة بالغة الأهمية، وهي كيفية انتقال الثورة من مرحلة الدفاع إلى مرحلة بناء المؤسسات.

فثورة أيلول لم تقاتل على الجبهة العسكرية فقط، بل عملت، في المناطق التي كانت تحت سيطرتها، وبأشكال مختلفة، على إيجاد أنماط من الإدارة، وتنظيم العلاقات الاجتماعية، والتعليم والحياة السياسية.

وتشير معطيات تلك المرحلة إلى أن أجهزة الإدارة استمرت في العمل في المناطق الخاضعة لسيطرة الثورة، وهو ما يرفع الثورة من مستوى الكفاح المسلح إلى مستوى تجربة في ممارسة السلطة وبناء المؤسسات والإدارة الذاتية.

ويرى أنطونيو غرامشي في فكره السياسي أن القوة السياسية لا تستمر بمجرد امتلاك القوة المادية، بل تحتاج أيضاً إلى قوة اجتماعية وشرعية فكرية. ومن هذا المنظور، لم تكن ثورة أيلول مجرد جبهة عسكرية، بل كانت محاولة لبناء نوع من الشرعية السياسية داخل المجتمع الكردستاني.

بعد ما يقارب تسع سنوات من الحرب والمقاومة والمواجهات، اتجهت الحكومة العراقية إلى الحوار مع القيادة الكردية، وفي نهاية المطاف وُقّع اتفاق 11 آذار 1970.

وكان هذا الاتفاق واحداً من أهم المحطات في التاريخ السياسي للكرد خلال القرن العشرين، لأنه مثّل اعترافاً رسمياً من الحكومة العراقية بجزء من الحقوق السياسية والقومية للكرد، كما طرح مشروع الحكم الذاتي لكردستان العراق ضمن إطار الدولة العراقية.

لكن من منظور علمي، لا ينبغي النظر إلى 11 آذار باعتباره نهاية الثورة، بل باعتباره نقطة أثبتت فيها المقاومة المسلحة قدرتها على تغيير علاقات القوة في المجال السياسي.

وفي الوقت نفسه، أظهر فشل تنفيذ الاتفاق أن توقيع الوثيقة السياسية وحده لا يكفي، بل يحتاج إلى شرعية ومؤسسات وثقة وإرادة حقيقية من الطرفين.

غير أن الحكومة العراقية، كما حدث في مراحل أخرى، تراجعت عن الاتفاق عندما شعرت بامتلاكها قدراً أكبر من القوة. وبعد نحو أربع سنوات من المفاوضات والخلافات، ولا سيما الخلافات حول حدود منطقة الحكم الذاتي، وبشكل خاص قضية كركوك والمناطق الأخرى، إلى جانب الخلاف السياسي وغياب الثقة، لم يُنفذ الاتفاق بصورة كاملة، وعادت العلاقات في آذار 1974 إلى مسار الحرب من جديد.

وتحمل هذه المرحلة درساً سياسياً وعلمياً مهماً: فالاتفاق في السياسة ليس هدفاً بحد ذاته، وإنما هو بداية لمرحلة جديدة من علاقات القوة.

وفي عام 1975، ارتبط مصير الثورة الكردية بصورة مباشرة بمعادلة القوة بين العراق وإيران. ففي 6 آذار 1975، وُقّعت اتفاقية الجزائر بين محمد رضا شاه، وسدام حسين الذي كان آنذاك نائباً لرئيس الجمهورية العراقية. وبموجبها أوقفت إيران جميع أشكال دعمها للحركة الكردية، وطالبت بخروجها من أراضيها، كما بدأت بإعادة أعداد من عائلات البيشمركة بالقوة إلى داخل العراق، حيث أصبحوا تحت سلطة النظام.

وأدت هذه الإجراءات تدريجياً إلى إضعاف قدرة الثورة. وفي ظل المعادلة الجديدة، وبين الاستمرار في حرب غير متكافئة والحفاظ على جوهر القضية الكردية، اتخذ بارزاني قرار إيقاف الثورة مؤقتاً.

إذا قُرئت ثورة أيلول باعتبارها مجرد ذكرى للحرب والبيشمركة والشهداء، فإننا سنرى جزءاً صغيراً فقط من حقيقتها. تكمن أهمية أيلول في أنها أثبتت أن مجتمعاً بلا دولة يستطيع، في مواجهة الهجمات والضغوط، أن يحافظ على وعيه السياسي، وأن يبني المؤسسات، ويكوّن قيادة سياسية، ويدافع عن نفسه، وفي نهاية المطاف يجبر حكومة مركزية على الاعتراف بجزء من حقوقه.

ومن هذا المنظور، أقامت ثورة أيلول علاقة عميقة بين الوعي القومي والتنظيم السياسي والدفاع العسكري.

ويؤكد ويل ديورانت، في قراءته للتاريخ، أن التاريخ ليس مجرد مجموعة من الأحداث، بل هو تجربة إنسانية ينبغي استخلاص الدروس منها. وإذا طبقنا هذا المبدأ على ثورة أيلول، فإن السؤال الأساسي ليس: كم عدد المعارك التي خيضت في أيلول؟ بل إن السؤال الأكبر هو: كيف أسهمت أيلول في تحويل المجتمع الكردي من مجتمع مقاوم إلى مجتمع يمتلك وعياً سياسياً وتنظيماً وقدرة على الفعل؟

لم تكن أيلول مجرد ثورة عسكرية، بل كانت مرحلة كبرى في تكوين فكرة مفادها أن الكرد يستطيعون أن يعرفوا أنفسهم بوصفهم مجتمعاً سياسياً، وأن يناضلوا من أجل حقوقهم عبر السياسة والدبلوماسية وبناء المؤسسات والدفاع عن النفس.

ولهذا يمكن اعتبار ثورة أيلول واحدة من أكبر الاختبارات التاريخية التي مر بها الشعب الكردي؛ اختباراً لم يُكتب فقط بالحرب والدم، بل كُتب أيضاً بالأمل القومي والوعي السياسي والتنظيم والثقة والنضال والقدرة على تحويل الانكسار إلى تجربة.

إن ما تركته أيلول ليس مجرد تاريخ للماضي، بل سؤالاً للحاضر أيضاً: هل يستطيع شعب تمكن من إبقاء أمله حياً في ظلام ما بعد مهاباد، وتمكن عام 1970 من إجبار حكومة مركزية على الاعتراف بجزء من حقوقه، ألا يستفيد من تجربته التاريخية في بناء مستقبل أكبر وأكثر إشراقاً؟

إن أيلول ليست مجرد حدث تاريخي انتهى عام 1975، لأن تلك الثورة كانت تحمل هدفاً كبيراً ومشروعاً، وما زال ذلك الهدف، بمعناه التاريخي والسياسي، غير مكتمل. إنه هدف يرتبط بالحقوق والحرية والوعي القومي وقدرة شعب على كتابة مصيره بيده.

لم تبقَ أيلول في صفحات التاريخ وحدها، بل استمرت في وعي الشعب، لأن النضال من أجل حقوق الشعوب وحريتها لا ينتهي بمجرد إيقاف السلاح. وعلى العكس، فإن أيلول لا تكتمل ما دامت أهدافها الكبرى لم تبلغ غاياتها.

ولهذا تظل أيلول حاضرة؛ لا بوصفها مجرد ذكرى من الماضي، بل بوصفها مسؤولية تجاه الحاضر، وأملاً بالمستقبل. ولعل أبرز دليل على استمرار حضور هذه الفكرة كان استفتاء أيلول 2017.

قد يعجبك ايضا