الباحث الحقوقي ره نج باراوی
رئیس معهد الاصلاح الجنائي كوردستان-العراق
لا تقتصر طبيعة السجن وعمقه على قضاء فترة عقوبة فحسب، بل هو مختبر اجتماعي تُختبر فيه الإنسانية بين الإصلاح والعزل. وحين يُطرح موضوع العفو العام، تتحول الرأي العام والمحافل الأكاديمية إلى ساحة لنقاش عسير حول التوازن بين العدالة والأمن. فالعفو ليس مجرد قرار إداري صادر لتقليص الاكتظاظ في مراكز الإصلاح، بل هو تحول جوهري في فلسفة الدولة لإعادة إدماج البشر في فضاء الحياة، شريطة أن يُنظم المسار بآليات دقيقة ومراقبة مستمرة تتطابق مع المعايير الدولية.
إن تغيير نظرة المجتمع تجاه المفرج عنهم يستدعي خطاباً واعيًا وتعزيزاً للثقة، لأن المجتمع بطبيعته يبدي ممانعة في المراحل الأولى. وعلى الصعيد الدولي، تُعد مراعاة قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء (قواعد نيلسون مانديلا)٫ أساساً عالمياً لصون الكرامة البشرية. أما دستورياً وقانونياً، فتستند عملية العفو العام في العراق إلى المادة (٧٣/ثالثاً) من الدستور. وفي الوقت ذاته، توضح قوانين العفو العام (رقم ٢٧ لسنة ٢٠١٦ وتعديلاتها الحديثة، بما فيها القانون المُقر في كانون الثاني/يناير ٢٠٢٥) تلك الأسس، في حين تضع التعليمات الجديدة لوزارة العدل ومجلس القضاء الأعلى شروطاً دقيقة، منها تقديم دعاوى مدنية لتسوية الحق الخاص والمشاركة في الدورات المهنية داخل المراكز قبيل الإفراج.
ومن منظور اقتصادي، فإن إعالة وتوفير الغذاء والرعاية الصحية لعشرات الآلاف من النزلاء يلقي عبئاً مالياً ضخماً على كاهل الخزينة العامة، مما يجعل العفو العلمي خياراً اقتصادياً ضرورياً. واستناداً إلى الإحصاءات الرسمية لوزارة العدل العراقية ومجلس القضاء الأعلى لملفات عام ٢٠٢٥، بلغ إجمالي القضايا التي خضعت للتدقيق في عموم مراكز الإصلاح الاتحادية أكثر من (٤٢) ألف حالة، أُفرج من بينها مباشرة عن أكثر من (١٣ ألفاً و١٠٣) أشخاص عقب إتمام الإجراءات القانونية، وحتى تاريخه تشير السجلات الرسمية إلى عدم تسجيل أي حالة عودة للجريمة ضمن هذه الشريحة المفرج عنها اتحادياً.
ومن منظور قانوني واجتماعي، تبرز التساؤلات الفلسفية: هل العقوبة للقصاص أم للإصلاح؟ ويجيب النظام المعاصر بأن العقوبة ينبغي أن تحمل بُعداً إنسانيّاً وإصلاحيّاً. وكما يقرر الفقيه( تشيزاري بيكاريا): «إن غاية العقوبة ليست الانتقام الوحشي، بل هي منع الجاني من إلحاق الضرر مجدداً». فضلاً عن ذلك، يؤكد ميشيل فوكو على أن تحول النظام القضائي من العقوبات البدنية إلى مراكز الإصلاح يمثل أعظم خطوة تخطوها الدولة لأنسنة الفرد. ولتعزيز هذه المنظومة، فإن تأسيس وحدة بحوث علم الإجرام واستخدام تقارير الباحثين النفسيين تشكل معياراً رسمياً أمام المحاكم.
هذا القانون الصادر في أوائل عام ٢٠٢٥ يخص الدولة العراقية ومراكزها الاتحادية، غير أنه لا يشمل محافظات إقليم كوردستان. ويعود استثناء الإقليم إلى أسباب دستورية وإدارية، منها استقلال السلطتين القضائية والإدارية وفق المادة (١٢١) من الدستور العراقي، وسيادة التشريع لبرلمان كوردستان، والتباطؤ الزمني وتعطل البرلمان في إقرار مشروع قانون العفو للإقليم المُعد منذ عام ٢٠٢٣، مما خلق فراغاً قانونياً جسيماً.
تتطلب عملية الإفراج تشكيل لجان مشتركة وضمان الحق الخاص للضحية عبر براءة ذمة مالية، وفي حال عجز المحكوم عن السداد بسبب الفقر، ينبغي على الحكومة تأسيس صندوق لتعويض الضحايا. وفي المجتمع الشرقي، تواجه النزيلات المفرج عنهن وصمة مزدوجة، مما يستوجب أن تضمن استراتيجية الرعاية اللاحقة (Aftercare) داڵدەدات آمنة وفرص عمل مستقلة لهن.
لا ينفك نجاح أي استراتيجية إصلاحية عن حاضنة فكرية تنهض بها المراكز المستقلة لنشر الوعي بالفرق بين «عقوبة الانتقام» و«الإصلاح الإنساني». وفي هذا السياق، يتوجب على برلمان كوردستان إقرار قانون العفو العام سريعاً، واعتماد نظام إلكتروني مركزي (E-Governance) لتصنيف الملفات، وإطلاق برنامج وطني للرعاية اللاحقة بالتنسيق مع القطاع الخاص، لإحداث التوازن المنضبط بين سيادة القانون، حقوق الضحايا، وإتاحة الفرصة الثانية للمحكومين.
المراجع والمصادر (References):
التشريعات والدساتير الرسمية
١. دستور جمهورية العراق الاتحادية لسنة ٢٠٠٥.
٢. قانون العفو العام العراقي (رقم ٢٧ لسنة ٢٠١٦) وتعديلاته الرسمية.
المصادر الرسمية والإحصائية:
٣. وزارة العدل العراقية، الإحصاءات والبيانات الخاصة بمراكز الإصلاح الاتحادية وعمليات التدقيق، بغداد، ٢٠٢٥.
٤. مجلس القضاء الأعلى العراقي، التوجيهات الإدارية والقضائية بشأن المصافي القضائية والحق الخاص، ٢٠٢٥.
الدراسات والإصدارات الميدانية:
٥. معهد كوردستان للإصلاح الجنائي، الدراسات والفحوصات المقارنة للنظام العقابي في العراق وإقليم كوردستان، سلسلة إصدارات عام ٢٠٢١.
٦ د. عمار الشمري، فلسفة العقاب وأثر مراكز الإصلاح بين العزل وأنسنة البشر، مجلة الدراسات القانونية، العدد (١٢)، بغداد، ٢٠٢٤، ص ٤٥-٦٢.
٧. فريق باحثي الحقل النفسي والاجتماعي، أثر البرامج المهنية والتربوية لمراكز الإصلاح في الحد من العود الجنائي، التقرير العلمي المشترك، مركز البحوث الأكاديمية، أربيل، ٢٠٢٥، ص ١١٢-١٣٠.
المصادر الفلسفية والقانونية العالمية:
8. Cesare Beccaria, On Crimes and Punishments, translated by David Paolucci, Prentice Hall, 1986.
9. Michel Foucault, Discipline and Punish: The Birth of the Prison, Vintage Books, 1995.
10. Rudolf von Jhering, Law as a Means to an End (Der Zweck im Recht), Boston College Law School, 1913.
العهود والتعليمات الدولية:
١١. الأمم المتحدة، قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا المحدثة لمعاملة السجناء (قواعد نيلسون مانديلا)، نيويورك، ٢٠١٥.