د. أيوب صابر گلالي
في ظل الحروب والنزاعات التي تعصف بمنطقة الشرق الأوسط، يشهد إقليم كوردستان لحظة تاريخية مهمة، حيث لم يعد بالإمكان اعتباره منطقة ضعيفة أو ساحة لتصفية الحسابات بين الأطراف المتنازعة. التطورات الجيوسياسية الجديدة تسمح له بأن يكون له تأثير إيجابي، بشرط أن يستغل موقعه الاستراتيجي ليصبح منتجًا للاستقرار بدلاً من استيراد التوترات الأمنية. يتطلب ذلك وضع رؤية استراتيجية جديدة تأخذ بعين الاعتبار مكانة الإقليم ضمن شبكة معقدة من التفاعلات الإقليمية والدولية، وإعادة تشكيل أدواته الدبلوماسية والاقتصادية والأمنية بناءً على مبدأ المصلحة المشتركة والحياد الإيجابي.
أولاً: أربيل وبغداد: الشراكة الفيدرالية كأساس للأمن الوطني.
لا يمكن لبغداد بناء دولة عراقية قوية ومستقرة دون وجود إقليم كوردستان مستقر وقوي يحافظ على حقوقه الدستورية والسياسية والاقتصادية، العلاقة بين أربيل وبغداد أصبحت ضرورة لمنع التدخلات الخارجية، فاستقرار الإقليم ليس أمرًا داخليا فقط، بل هو جزء أساسي من استقرار العراق وأمنه الوطني والإقليمي، لذا يجب إدارة العلاقة بين بغداد وأربيل على أساس الشراكة الفيدرالية وتكامل الأدوار بدلاً من الصراع على السلطات أو تقسيم النفونذ، كلما كانت العلاقة أكثر توازنًا ووضوحا، تقلصت الفرص لاستغلال القوى الخارجية للقرار العراقي، وهذا ما يؤكده الإقليم باستمرار، وفي مقدمتهم الرئيس مسعود بارزاني الذي يؤكد دائما أن العلاقة بين الإقليم والحكومة الاتحادية يجب أن تستند إلى الدستور والشراكة الحقيقية والاحترام المتبادل بعيدا عن التهميش أو فرض الإرادات .
الرؤية التي طرحها بارزاني تؤكد أن العراق بلد اتحادي، وأن نجاح التجربة يعتمد على بناء توازن مؤسساتي وسياسي يضمن حقوق جميع المكونات ويحافظ على وحدة الدولة وسيادتها، لذلك يجب ألا ينظرإلى اربيل كمنافس لبغداد ولا العكس، بل كلاهما يمثلان ركيزتين متكاملتين في بناء الدولة العراقية.
الشراكة الحقيقية بين بغداد وأربيل لا تعني غياب الاختلافات، فوجودها أمر طبيعي في دولة اتحادية، لكنها تعني وجود إرادة سياسية وآليات دستورية لإدارة هذه الاختلافات وتحويلها إلى فرص لتعزيز العلاقات. عندما تدار القضايا العالقة مثل الموازنة والنفط والغاز بالحواروالقانون، تتقلص مساحة التدخل الخارجي ويصبح القرارالعراقي أكثر استقلالية، لذا تحتاج العلاقة بين بغداد وأربيل اليوم إلى عقد سياسي واقتصادي وأمني طويل الأمد ضمن إطار دستوري يحدد بوضوح مسؤوليات وحقوق كل طرف ويحول دون حدوث أزمات جديدة.
كلما نجحت بغداد وأربيل في بناء هذه الشراكة، زادت قدرة العراق على حماية سيادته وزادت قدرة إقليم كوردستان على أداء دوره الوطني والإقليمي ، فاستقرار العراق هو ضمان لاستقرار الإقليم أيضًا.
ثانيًا: تقاطع المصالح الدولية والإقليمية: كيف يتعامل الإقليم مع القوى الكبرى؟
تحتاج الدبلوماسية الكوردستانية الحديثة إلى فهم عميق لمصالح القوى الكبرى والإقليمية المرتبطة بالمنطقة:
– الولايات المتحدة والغرب: التعاون مع واشنطن والدول الأوروبية يوفر دعمًا أمنيًا واستراتيجيًا مهمًا لكنه يحتاج لتعزيز المؤسسات الديمقراطية وحوكمة قطاع الطاقة.
– تركيا: تعتبر تركيا شريكاً تجارياً واقتصادياً مهماً لعمل جيد بين الجانبين.
– إيران: تلعب إيران دوراً مهماً بسبب التاريخ والجغرافيا، لذا يجب بناء علاقات قائمة على حسن الجوار.
– دول الخليج العربي: هناك فرص كبيرة لتعزيزالشراكات الاقتصادية والاستثمار خاصةً في مجالات البناء والزراعة والتكنولوجيا.
– روسيا والصين: توفر الاستثمارات الصينية والروسية فرصة لتنويع شبكة حلفاء الإقليم الاقتصادية دون التأثير السلبي على التوازنات الجيوسياسية مع واشنطن.
ثالثا: الدبلوماسية الاقتصادية: تحويل تكلفة الحرب إلى فوائد السلام.
الأمن والاقتصاد وجهان لعملة واحدة، لذا يتطلب استقرارإقليم كوردستان التحول من اقتصاد يعتمد على النزاع إلى اقتصاد يقوم على الروابط والمصالح المشتركة، وتعزيز خطوط التجارة والطاقة والنقل بين تركيا والعراق ودول الخليج يعزز دورالإقليم كممر مهم للتجارة الدولية.
تعزيز الاستثمار الأجنبي عبر توفير بيئة قانونية آمنة يجعل تكلفة أي عدوان مرتفعة جدا بالنسبة للأطراف التي تهدد الاستقرار، التحدي الأكبر لإقليم كوردستان هو حماية نفسه من آثارالأزمات المحيطة به وتقديم نموذج فعال لحل النزاعات وبناء الروابط، إذا استطاعت أربيل تحقيق توازن في علاقاتها مع بغداد وغيرها من مراكز القرار وتجاوزالانقسامات الحزبية نحو رؤية موحدة، ستصبح قادرة على تقديم حلول رائدة لتحقيق الاستقرار بالعراق وبقية منطقة الشرق الأوسط.
رابعًا: الأمن الإقليمي والدبلوماسية الوقائية: الانتقال من حماية الإقليم إلى صناعة الاستقرار .
إن تحول دور إقليم كوردستان لا يقتصر فقط على الجوانب الاقتصادية أو السياسية بل يشمل إعادة تعريف مفهوم الأمن أيضًا، فالإقليم يقع في منطقة تتداخل فيها مصالح عدة دول وتوجد فيها ملفات أمنية معقدة مثل مكافحة الإرهاب وأمن الحدود والطاقة والمياه والهجرة والتجارة، لذا فإن المصلحة الاستراتيجية للإقليم تتطلب الانتقال من مفهوم الأمن الدفاعي إلى مفهوم الأمن الوقائي، أي العمل على معالجة مصادر التوتر قبل أن تتحول لأزمات تهدد المنطقة بأكملها.
بهذه الطريقة يمكن لإقليم كوردستان، بفضل موقعه الجغرافي وعلاقاته المتعددة، أن يلعب دورا في بناء قنوات للحوار والتواصل بين الأطراف المختلفة وأن يتحول إلى مساحة للحوار السياسي والاقتصادي بدلاً من ساحة للمواجهة.
إن الدبلوماسية الوقائية لا تعني اتخاذ موقف ضد الصراعات الإقليمية وإنما تعني إنشاء شبكة واسعة من العلاقات تجعل الحفاظ على استقرار الإقليم مصلحة مشتركة لجميع الأطراف.
خامسًا: الطاقة والممرات الاقتصادية: الموقع الجغرافي كأداة قوة.
يمتلك إقليم كوردستان مقومات مهمة تؤهله ليكون جزءاً من منظومة إقليمية أكبر للطاقة والتجارة والنقل، لكن تحويل هذه الإمكانات لقوة استراتيجية يحتاج للانتقال من إدارة الموارد بطريقة قصيرة الأمد إلى إدارتها برؤية اقتصادية طويلة الأجل.
يمكن أن تكون الطاقة سبب نزاع إذا غابت التفاهمات السياسية والقانونية ولكن يمكن أن تصبح عامل سلام عندما ترتبط بمصالح مشتركة بين بغداد وأربيل والدول المجاورة والمستثمرين الدوليين.
لذا فإن تطوير قطاع الطاقة يجب أن يقترن ببناء بنى تحتية للنقل والطرق والمواصلات والمناطق الصناعية والمنافذ التجارية بحيث يصبح الإقليم جزءاً من شبكة اقتصادية إدارية مترابطة.
كلما زادت المصالح الاقتصادية المشتركة المرتبطة باستقرارالإقليم أصبح الحفاظ عليه أمراً مشتركاً لكل الأطراف المعنية وهنا تتحول الجغرافيا من عبء أمني إلى أصل استراتيجي.
سادسًا: الوحدة الداخلية شرط أساسي للدور الإقليمي.
لكن جميع هذه الرؤى ستظل محدودة التأثيرإن لم ينجح الإقليم في تعزيزوحدته الداخلية، القوة الخارجية لأي كيان سياسي تبدأ بالتلاحم الداخلي وكلما زادت الانقسامات السياسية والمؤسساتيه زادت قدرة القوى الخارجية على التأثير فيه واستغلال تلك الانقسامات لصالحها.
لذلك تتطلب المرحلة المقبلة تطوير رؤية مشتركة لكوردستان تجاه القضايا الاستراتيجية الكبرى حتى لا تتحول الملفات المتعلقة ببغداد أو الدول المجاورة أو القوى الدولية لنقاط خلاف داخلية.
ولا يعني ذلك القضاء على التنوع السياسي أو الاختلاف في الآراء بل يعني وجود حد أدنى من الاتفاق حول المصالح العليا للإقليم خصوصا فيما يتعلق بالأمن والعلاقات الخارجية والاقتصاد والعلاقة مع بغداد.
سابعًا: إقليم كوردستان جسر بين العراق والمنطقة.
يمكن لإقليم كوردستان القيام بدور يتجاوز حدوده الجغرافية ليس عن طريق المنافسة مع الدولة العراقية ولكن بتعزيز مكانة العراق نفسه داخل محيطه الاقليمي.
يمتاز العراق بموقع جغرافي فريد بين الخليج وتركيا وإيران وبلاد الشام وإلى جانب ذلك يشكل إلاقليم جزءاً هاما لهذه المعادلة الجغرافية ، نجاح كل من بغداد وأربيل في إقامة شراكة مستقرة قد يحول العراق لدولة تستطيع إدارة توازناتها الاقليمية بصورة أكثر استقلالاً بدل كونها ساحة لتداخل المصالح الخارجية .
يمكن للإقليم عندئذ أن يكون جسرا اقتصاديا وسياسيا يربط العراق بالدول المجاورة مثل تركيا وأوروبا ودول الخليج ويساعد في فتح مسارات جديدة للتجارة والاستثمار والطاقة والنقل وهذا الدور يعزز سيادة العراق حين يتم وفق إطار دستوري ومؤسسات اتحادية .
ثامنًا : الانتقال الى حياد إيجابي .
الظروف الحالية تتطلب تطوير مفهوم العلاقات الخارجية للإقليم، فالحياد لا يعني الانعزال ، كما ان اقامة العلاقات مع جهة معينة لا ينبغي ان يؤدي الى مواجهة جهة أخرى .
المطلوب هو حياد إيجابي وواقعي يقوم على الانفتاح وعدم جعل الاقليم جزء من صراعات المحاور بينما يحافظ بنفس الوقت على مصالحه وعلاقاته الاستراتيجية ، وهذا يتطلب دبلوماسية متعددة الاتجاهات تشمل علاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة واوروبا وشراكات اقتصادية قوية مع تركيا ودول الخليج وعلاقات جيدة مع إيران وتعاون اقتصادي مثمر مع الصين وروسيا ، وشراكة دستورية ثابتة مع بغداد ، الهدف ليس موازنة قوة دولة ضد أخرى وإنما موازنة المصالح لضمان عدم تكوين الاقليم رهينة لأي محور اقليمي او دولي .
تاسعا: الانتقال من جغرافيا الأزمات لجغرافيا المصالح.
يقف اقليم كوردستان أمام فرصة تاريخية لاعادة تعريف موقعه بالشرق الأوسط، المنطقة تتغير وموازين القوى تتبدل والصراعات القديمة تختلط بتحولات اقتصادية وسياسية جديدة، وفي هذا السياق لا تستطيع الكيانات السياسية الصغيرة أو المتوسطة حماية مصالحها بالقوة وحدها ، ولكن عبر إنشاء شبكة واسعة للمصالح والعلاقات والشراكات.
لذا، مستقبل اقليم كوردستان ينبغي ان يبنى على فكرة تحويل موقعه الجغرافي لقيمة استراتيجية وعلاقاته الدولية لقوة سياسية وموارده الاقتصادية لأدوات تنموية واستقراره الداخلي لمصدر تأثير اقليمي ، الشراكات الاستراتيجية بين اربيل وبغداد والانفتاح المتوازن على القوى الاقليمية والدوليه وتعزيز الاقتصاد والاستثمار والطاقة وتطوير الدبلوماسيات الوقائية وتوحيد الرؤية الداخلية كلها عناصر قد تنقل الاقليم لمرحلة جديدة، وفي النهاية ، قوة اقليم كوردستان لن تقاس فقط بقدرته علی حماية نفسه ولكن ايضا بقدرته علی منع الأزمات وصنع المصالح المشتركة وبناء جسور الحوار وإنتاج الاستقرار ، وهنا تكمن المعادلة الجديدة الا وهي : أن لأن اقليم كوردستان ينبغي أن لا يكون مجرد مكان وسط أزمات الشرق الاوسط بل منصة تربط مصالح وتتحدث بصوت قوي معا وقوة فعالة تصنع امن واستقرار المنطقة بشكل عام .