مرآة الوردي في مياه هرمز

نبيل عبد الأمير الربيعي

ما أشد حضور علي الوردي في عراق اليوم! كأن بعض أفكاره لم تُكتب عن مجتمع مضى، بل عن حاضر ما زال يصر على إعادة إنتاج تناقضاته بأشكال أكثر حدة.
تحدث الوردي طويلاً عن ازدواجية الشخصية العراقية، وعن الصراع بين ما نقوله وما نفعله، وبين الانتماء الذي نعلنه والولاء الذي نمارسه. ولعل أكثر صور هذه الازدواجية إيلاماً أن يتحول بعض العراقيين إلى مدافعين عن سياسات دولة أجنبية، حتى عندما تتقاطع تلك السياسات مع سيادة العراق ومصالحه الوطنية، ثم ينقلب الموقف نفسه لو صدر الفعل عن دولة لا تحظى بتأييدهم.
المسألة هنا ليست خلافاً سياسياً، ولا اختلافاً في قراءة الأحداث؛ فالاختلاف حق، بل هو ضرورة في المجتمع الحي. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول القناعة إلى تبعية، ويصبح الولاء السياسي للخارج أقوى من رابطة الانتماء إلى الوطن. عندها لا تعود السياسة موقفاً، بل تصبح امتحاناً للضمير الوطني.

ومن هنا تبدو مرآة الوردي أكثر قسوة: كيف نطالب بسيادة العراق، ثم نبحث عن الأعذار عندما تُمس هذه السيادة من الجهة التي نؤيدها؟
ولعل حادث استهداف ناقلة النفط العملاقة (نيو أندروس) يقدم مثالاً لا يحتمل كثيراً من التأويل. فالناقلة، بحسب المعطيات المعلنة، تعرضت فجر الأربعاء لضربة بطائرة مسيرة داخل المياه الإقليمية العراقية، وكانت تحمل قرابة مليوني برميل من زيت الوقود العراقي. اندلع الحريق، وتمكنت فرق الإنقاذ العراقية من السيطرة عليه، ولم تسجل إصابات بين أفراد الطاقم.
ولا تكمن خطورة الحادث في الأضرار المباشرة وحدها، بل في دلالته السيادية والاقتصادية والبيئية. فحين تُستهدف ناقلة تحمل منتجاً نفطياً عراقياً داخل المياه العراقية، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط: من أطلق المسيرة؟ بل أيضاً: من يملك الحق في تعريض أمن العراق البحري واقتصاده للخطر؟ ومن يحمي المياه الإقليمية العراقية؟
إن تكرار مثل هذه الحوادث ليس تفصيلاً عابراً. فالممرات البحرية لا تعمل بالنيات الحسنة، وإنما بالأمن والاستقرار والثقة. وكل تهديد متكرر يعني، بالضرورة، ارتفاعاً محتملاً في كلفة التأمين والنقل، وتزايداً في حذر الشركات والناقلات، وربما إحجام بعضها عن الاقتراب من مناطق ينظر إليها باعتبارها عالية المخاطر.
الموانئ الجنوبية هي شريان العراق الاقتصادي الأهم، وأي اضطراب طويل في حركة التصدير يمكن أن ينعكس على الإيرادات العامة، وعلى قدرة الدولة في تمويل خدماتها والتزاماتها. النفط ليس مجرد سلعة تمر في البحر؛ إنه، في اقتصاد ريعي كالعراقي، مورد تمس مخاطره حياة ملايين المواطنين.
أما الحديث عن تراجع حركة السفن في مضيق هرمز، فيضع المسألة ضمن إطار إقليمي أشد خطورة. فهرمز ليس ممراً بعيداً عن العراق؛ إنه أحد الشرايين التي تتصل بها حركة الطاقة العالمية، وأي اضطراب واسع فيه ستكون له ارتدادات تتجاوز حدود الدول المتشاطئة.
لكن المفارقة الأكثر إيلاماً ليست في البحر وحده، بل في الوعي الذي يراقب البحر. فإذا كان العراقي يرفض أن تُستباح سيادة بلاده من دولة أجنبية، فعليه أن يرفض الاستباحة أياً كان مصدرها. وإذا كان يعتبر استهداف المصالح العراقية جريمة عندما يأتي من خصم سياسي، فعليه أن يمتلك الشجاعة الأخلاقية نفسها عندما يأتي الفعل من جهة يناصرها أو يتعاطف معها.
الوطنية ليست أن تختار لنا الجهة التي نحبها الحق دائماً، الوطنية أن نقيس الجميع بميزان واحد. وهنا تحديداً يعود الوردي إلى المشهد، لا باعتباره مفكراً نضع اسمه في المناسبات الثقافية، بل باعتباره سؤالاً جارحاً في وجه سلوكنا السياسي: لماذا نستخدم مبدأً عندما يخدم موقفنا، ثم نتخلى عنه عندما يصطدم بولائنا؟
العراق لا يحتاج إلى مواطن يصفق له عندما يصيب، ويبرر له عندما يخطئ. العراق يحتاج إلى مواطن يستطيع أن يقول: هذا خطأ، ولو صدر من حليف، وهذا اعتداء، ولو ارتكبه من أتعاطف معه. تلك هي السيادة الحقيقية.
أما أن تصبح السيادة انتقائية، والاستقلال مشروطاً، والحق تابعاً لهوية الفاعل، فنحن لا نكون قد تجاوزنا ازدواجية الوردي، بل نكون قد نقلناها من صفحات الكتب إلى الموانئ والممرات البحرية، ومن مقاهي النقاش إلى أخطر الملفات التي تمس مستقبل الدولة. وفي النهاية، لا تسألوا فقط: من ضرب الناقلة؟ اسألوا أيضاً: ماذا بقي من حسنا الوطني إذا وجدنا أنفسنا نبحث عن تبرير للضربة قبل أن نبحث عن حماية العراق؟ فالعراق أولاً… ليس شعاراً يرفع حين يناسبنا، بل معيار نختبر به مواقفنا جميعاً.

قد يعجبك ايضا