ترامب ليس ماركوس أوريليوس تأملات في تآكل الإمبراطوريات

د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية

حاربت الإمبراطورية الرومانية القبائل الجرمانية عقودًا طويلة، وأنفقت في مواجهتها الكثير من الجنود والأموال، من غير أن تتمكن من إنهاء الخطر الذي مثّلته على حدودها. وفي قلب تلك المواجهات كتب الإمبراطور الفيلسوف ماركوس أوريليوس (121–180م) جانبًا مهمًا من كتابه الشهير التأملات، أو بالمعنى الأقرب لعنوانه اليوناني: إلى نفسه. وقد دوّن أجزاء منه خلال الحروب الماركومانية على جبهة الدانوب، في أراضي الكوادي ومعسكر Carnuntum، في حدود سنوات 171–175م.
لم تكن تلك الحروب سبب سقوط روما، لكنها كانت من الإنذارات المبكرة بأن التفوق العسكري لا يمنح الإمبراطورية قدرة مطلقة على إخضاع أطرافها أو إنهاء مصادر التهديد. وبعد قرون، كانت قوى جرمانية خرجت من المجال الحدودي الذي استنزف روما طويلًا من بين القوى التي اخترقت عالمها وأسهمت في سقوط إمبراطوريتها الغربية.
وقد تبدو المواجهة الجارية اليوم بين الولايات المتحدة وإيران بعيدة عن تلك المرحلة؛ فلا القبائل الجرمانية تشبه نظام ولاية الفقيه، ولا الولايات المتحدة هي روما القديمة، ولا شعوب إيران كتلة واحدة. لكن المقارنة لا تقوم على تشابه الأطراف، بل على جدلية القوة وحدودها. فالدولة الكبرى قد تمتلك تفوقًا عسكريًا واقتصاديًا هائلًا من دون أن تستطيع تحويله دائمًا إلى حسم سياسي يوازي حجم قوتها، كما أن تعرض الطرف الأضعف لخسائر واسعة لا يجعل بقاءه انتصارًا.
فما تخسره إيران لا يعني تلقائيًا أن الولايات المتحدة حققت غاياتها، مثلما أن عدم تمكن واشنطن من فرض ما تريده لا يحوّل الدمار الإيراني إلى نصر. فالانتصار في صراعات كهذه لا يقاس بعدد الصواريخ والمنشآت المدمرة، بل بما يستطيع كل طرف فرضه في النهاية على ميزان الإرادات والنظام السياسي الذي يلي الحرب.
ومن زاوية أخرى، تكشف الحرب الروسية على أوكرانيا المفارقة ذاتها. فروسيا، بما تمتلكه من قوة عسكرية وموارد وسلاح نووي، تواجه دولة كانت جزءًا من فضائها الإمبراطوري السابق، ومع ذلك أثبتت الحرب أن الفارق الكبير في القوة لا يضمن سرعة الحسم، ولا يمنع الطرف الأقوى من دفع أثمان تتجاوز ساحات القتال. فالتاريخ لا يعيد نفسه بصوره، لكنه يعيد بعض مفارقات القوة: قد تربح الإمبراطورية الأرض، لكنها تخسر شيئًا من قدرتها على إقناع الآخرين بأنها قادرة على فرض إرادتها متى شاءت.
وهنا تكمن مفارقة مرحلة ترامب. فرغم استناده إلى مؤسسات القوة التقليدية في الدولة الأمريكية، وإلى مراكز القوة العصرية الصاعدة في التكنولوجيا والمال والإعلام والمنصات، فإنه أسهم في الوقت نفسه في تعميق ظاهرة قد تكون من علامات التآكل الإمبراطوري: أن تتحول القوة من مصدر لهيبة مستقرة إلى أداة تحتاج في كل أزمة إلى استعراض نفسها لإثبات حضورها. فالإمبراطوريات لا تبدأ بالضعف حين تفقد السلاح فقط، بل حين تتسع المسافة بين حجم القوة التي تملكها وحجم النتائج التي تستطيع فرضها بها.
فالرهبة ليست هي الهيبة. الرهبة يمكن إنتاجها بالصواريخ والقاذفات والعقوبات، أما الهيبة فهي أن يحسب الآخرون حساب القوة قبل أن تتحرك. وحين تضطر الإمبراطورية إلى إثبات قوتها في كل مرة، فقد يكون ذلك دليلًا على أن جزءًا من الردع الذي كان يعمل قبل إطلاق النار أخذ يتآكل.
روما لم تسقط بعد ماركوس أوريليوس، لكنها دخلت بعده مراحل متزايدة من الصراع والاضطراب، وكشفت أزمة القرن الثالث أن الخطر لا يأتي دائمًا من وراء الحدود، بل قد يبدأ في الداخل بينما تبدو الإمبراطورية من الخارج شديدة القوة. ومن هنا يطرح عصر ترامب سؤالًا لا يستطيع حاضرنا حسمه: هل نحن أمام اضطراب عابر في النظام الأمريكي، أم أمام إحدى العلامات المبكرة لتحول أعمق في طبيعة القوة الأمريكية؟ فالإمبراطوريات نادرًا ما تدرك لحظة بدء تآكلها؛ يكتشف المؤرخون ذلك لاحقًا حين يجمعون أحداثًا بدت لمعاصريها منفصلة.
وربما تنتهي إيران بصورتها السياسية الحالية، أو تتغير بنيتها وتتبدل معها خريطة الشرق الأوسط السياسية وربما الجغرافية، وقد تنتهي حرب أوكرانيا بخسارتها جزءًا كبيرًا من أراضيها. لكن حتى لو حدث ذلك، فقد تكون الإمبراطوريتان الأمريكية والروسية قد خسرتا شيئًا من ذاتهما الإمبراطورية، وفي مقدمته الهيبة. وقد تستمران في إرعاب العالم والتأثير في قيادته، لكن الرهبة التي تحتاج إلى إثبات نفسها بالقوة ليست هي الهيبة التي تجعل الآخرين يحسبون حسابها قبل أن تتحرك.
وهنا تعود المفارقة إلى ماركوس أوريليوس. ففي خضم حروب روما، وعلى حدود إمبراطوريته، لم يكتب الإمبراطور كتابًا عن كيفية سحق خصومه، بل كتب إلى نفسه. سأل عن الموت والسلطة والغضب والفضيلة وحدود الإرادة، وكأن الرجل الذي حكم عالمًا واسعًا أدرك أن القوة تحتاج هي الأخرى إلى من يسائلها.
أما اليوم، فالسؤال ربما لم يعد: أين ماركوس أوريليوس الأمريكي؟ بل هل ما زال عصرنا يسمح أصلًا بظهور إمبراطور فيلسوف يكتب إلى نفسه؟ فالسلطة لم تعد مجتمعة في رجل واحد، بل موزعة بين الرئاسة والمؤسسات العسكرية والأمنية والأسواق والشركات والمنصات والخوارزميات ومراكز صناعة القرار والرأي.
ولذلك تبقى الجدلية مفتوحة: هل تجاوزت البشرية الحاجة إلى كتاب يشبه تأملات ماركوس أوريليوس، أم أنها أصبحت أحوج إليه من أي وقت مضى؟ لقد تضخمت قدرة الإمبراطوريات المعاصرة على معرفة العالم ومراقبته وضربه والسيطرة على مساراته، بينما تقلصت، أو ربما لم تتطور بالمقدار نفسه، قدرتها على التأمل في ذاتها ومعرفة حدود قوتها.
ترامب ليس ماركوس أوريليوس؛ والمشكلة ليست في اختلاف الرجلين وحدهما، بل في أن إمبراطور روما وجد، وسط الحرب، لحظة يسأل فيها نفسه عن حدود القوة، بينما لا نعرف بعد أن كانت إمبراطوريات عصرنا قادرة على طرح السؤال نفسه قبل أن يكتبه المؤرخون عنها بعد فوات الأوان.

قد يعجبك ايضا