تاريخ الفن في العهد الملكي العراقي: من تشكّل الذائقة الحديثة إلى تأسيس الهوية البصرية الوطنية

الدكتورة
نيبال عبد الكريم نعمان

يمثل العهد الملكي في العراق (1921–1958) مرحلة مفصلية في تاريخ الفن العراقي الحديث، لا لأن الفن بدأ فيها من فراغ، بل لأنها شهدت انتقال التعبير التشكيلي من فضاءات الحرفة والزخرفة والممارسة الفردية المحدودة إلى فضاء ثقافي أكثر تنظيماً واتصالاً بالمؤسسات التعليمية وبالمدينة الحديثة وبالتيارات الفنية العالمية. وفي هذه المرحلة أخذ الفنان العراقي يبحث عن لغة بصرية تستطيع أن تجمع بين ذاكرة وادي الرافدين، والموروث العربي والإسلامي، والمشهد الاجتماعي المحلي، وبين التقنيات والمناهج التي جاءت عبر الاحتكاك بأوروبا والمدارس الفنية الحديثة.
كان المجتمع العراقي في بدايات العهد الملكي يعيش تحولات واسعة في الإدارة والتعليم والعمران والصحافة والحياة الثقافية. وقد انعكست هذه التحولات على صورة الفنان وموقعه الاجتماعي. فبعد أن ارتبط جانب كبير من الإنتاج البصري بالحرف التقليدية والزخرفة والخط والتصوير الشعبي، بدأت اللوحة المسندية والنحت الأكاديمي والرسم المدرسي تكتسب حضوراً متزايداً. ولم يكن هذا التحول مجرد تقليد للغرب، بل كان جزءاً من سؤال أوسع: كيف يمكن للعراق الحديث أن يصنع صورته الثقافية من دون أن يقطع صلته بتاريخه العميق؟
أدت المدارس الحديثة دوراً مهماً في تنمية الاهتمام بالرسم، كما أسهم إرسال الطلبة والبعثات إلى الخارج في إدخال خبرات أكاديمية جديدة. وعندما عاد بعض الدارسين من المؤسسات الفنية الأوروبية، حملوا معهم تقنيات الرسم الزيتي، ودراسة التشريح والمنظور والكتلة والضوء، فضلاً عن معرفة أوسع بتاريخ الفن. ومن هنا أخذت الممارسة الفنية تتحول تدريجياً من الهواية إلى الاختصاص، ومن النشاط الفردي إلى مشروع ثقافي يسعى إلى تأسيس تقاليد فنية عراقية حديثة.
ومن أبرز ملامح هذه المرحلة ظهور جيل من الرواد الذين تركوا أثراً حاسماً في تشكيل الوعي التشكيلي. ارتبط اسم أكرم شكري بالتعليم الفني وبالبدايات الأكاديمية، في حين مثّل فائق حسن قوة أساسية في ترسيخ الرسم الحديث وتكوين أجيال من الفنانين. وقد عُرف فائق حسن باهتمامه بالمشهد العراقي والبيئة الريفية والخيول والحياة اليومية، فحوّل الموضوع المحلي إلى مادة تشكيلية تمتلك قيمة فنية تتجاوز التسجيل المباشر. أما جواد سليم فقد أصبح لاحقاً أحد أكثر الأسماء تأثيراً في صياغة العلاقة بين الحداثة والذاكرة الرافدينية، وهي العلاقة التي ستبلغ نضجاً كبيراً في أعماله وفي مشروعه الفكري والفني.
وشهدت بغداد تأسيس معهد الفنون الجميلة وتطور التعليم الفني المنظم، الأمر الذي منح الحركة الفنية قاعدة مؤسساتية. لم تعد المعرفة تنتقل فقط عبر الموهبة أو العلاقات الشخصية، بل أصبح هناك تعليم للرسم والنحت والمسرح والموسيقى ضمن بيئة ثقافية تتوسع تدريجياً. وكان للمؤسسة التعليمية أثر يتجاوز الدرس التقني؛ إذ صنعت فضاءً للقاء الفنانين وتبادل الأفكار ومناقشة معنى الفن ووظيفته في المجتمع.
في الأربعينيات والخمسينيات ظهرت الجماعات الفنية بوصفها علامة على نضج الوسط التشكيلي. أسهمت جماعة الرواد، المرتبطة بفائق حسن، في دفع الفنانين نحو الطبيعة والحياة العراقية وإقامة المعارض والنشاط الجماعي. ثم جاءت جماعة بغداد للفن الحديث، التي ارتبطت على نحو خاص بجواد سليم وشاكر حسن آل سعيد وآخرين، لتطرح سؤالاً أكثر عمقاً عن الهوية: كيف يكون العمل حديثاً وعراقياً في الوقت نفسه؟ ومن هذا السؤال نشأ اتجاه يبحث في الرموز الرافدينية والإسلامية والشعبية لا بوصفها زخارف جاهزة، بل بوصفها عناصر قابلة لإعادة التكوين داخل رؤية معاصرة.
كان النحت ميداناً بالغ الأهمية في هذه النهضة. فالعراق الذي يحمل إرثاً نحتياً يمتد إلى سومر وأكد وآشور وجد في النحت الحديث وسيلة لاستعادة العلاقة بين الإنسان والمكان والذاكرة. ومع جواد سليم ومحمد غني حكمت وغيرهما من الفنانين الذين تبلورت تجاربهم في تلك البيئة، أصبح استدعاء التراث عملية إبداعية لا أثرية؛ فالغاية لم تكن نسخ التمثال القديم، بل اكتشاف الطاقة الرمزية الكامنة في الأشكال التاريخية وإعادة منحها حياة جديدة.
ولم تنفصل الفنون في العهد الملكي عن بغداد نفسها. كانت المدينة تتغير عمرانياً واجتماعياً، وتتشكل فيها طبقة متعلمة وصحافة ومقاهٍ ومنتديات ومعارض ومدارس ومؤسسات ثقافية. وأصبحت الشوارع والأسواق والأزياء والبيوت القديمة ودجلة والريف والبدو والخيول والعمال والنساء موضوعات تدخل اللوحة. وهكذا تحول الواقع العراقي إلى مختبر بصري، وأصبح الفنان شاهداً على المجتمع ومشاركاً في إعادة تخيله.
ومن الناحية الفكرية، يمكن القول إن الفن العراقي في العهد الملكي تحرك بين ثلاثة أقطاب: الأكاديمية الأوروبية، والواقع المحلي، والذاكرة التاريخية. وكان التحدي الحقيقي هو منع أحد هذه الأقطاب من إلغاء الآخر. فالتقنية الغربية منحت الفنان أدوات جديدة، لكن الموضوع العراقي أعطى العمل خصوصيته، بينما وفر التراث الحضاري عمقاً رمزياً وتاريخياً. ومن التفاعل بين هذه المستويات ظهرت ملامح الشخصية الفنية العراقية الحديثة.
كما كان للمعارض والاحتكاك الثقافي دور في تحويل الفن إلى شأن عام. فالعرض أمام الجمهور يعني أن اللوحة لم تعد ملكاً للفنان وحده، بل أصبحت جزءاً من الحوار الثقافي للمجتمع. ومع اتساع النشاط الصحفي والنقدي بدأ الحديث عن المدارس والأساليب والتجارب، وعن مسؤولية الفنان وموقعه من التراث والحداثة. وهكذا تشكل بالتدريج جمهور للفن، حتى وإن ظل محدوداً قياساً بالآداب والشعر والسياسة.
ولا ينبغي قراءة فن العهد الملكي بوصفه فناً منعزلاً عن الظروف السياسية والاجتماعية. فقد عاش العراق قضايا الاستقلال وبناء الدولة والتفاوت الاجتماعي والتحولات الحضرية وصعود الأفكار القومية واليسارية والليبرالية. وقد دخلت هذه الأجواء إلى حساسية الفنان، أحياناً في الموضوع المباشر وأحياناً في طريقة تمثيل الإنسان العراقي. لذلك فإن تاريخ الفن في تلك المرحلة هو أيضاً تاريخ لنظرة المجتمع إلى ذاته، ولرغبة المثقف في تعريف معنى العراق الحديث.
وتبرز أهمية الخمسينيات بصورة خاصة لأنها شهدت تسارعاً في التجريب. لم يعد السؤال مقتصراً على إتقان الرسم الأكاديمي، بل أصبح متعلقاً ببناء الأسلوب. بدأ الفنانون يختصرون الأشكال ويعيدون تركيبها ويستثمرون الخط والرمز والإيقاع، وظهرت محاولات لقراءة الفن الإسلامي والآثار العراقية والفنون الشعبية بعيون حديثة. وفي هذا المناخ نمت بذور تيارات ستصبح بعد عام 1958 أكثر وضوحاً، لكن أصولها الفكرية والجمالية تعود إلى سنوات العهد الملكي.
ومن أكثر الجوانب دلالة أن الفنان العراقي لم يتعامل مع الماضي باعتباره زمناً منتهياً. كان حضور سومر وبابل وآشور، إلى جانب الخط العربي والزخرفة والبيئة الشعبية، نوعاً من الحوار مع التاريخ. وهذا الحوار هو الذي منح التجربة العراقية تميزها؛ فالحداثة لم تُفهم دائماً باعتبارها قطيعة، وإنما باعتبارها قدرة على إعادة قراءة الموروث وإدخاله في حاضر متغير. ومن هنا أصبحت الهوية الفنية عملية بناء مستمر، لا قالباً ثابتاً.
وإذا أردنا تقييم تجربة الفن في العهد الملكي، فإن أهم منجزاتها لا يقتصر على عدد اللوحات أو المعارض أو الفنانين، بل يتمثل في تأسيس البنية التي جعلت الفن الحديث ممكناً: التعليم، والجماعات الفنية، والمعارض، والاحتكاك الخارجي، والنقاش النقدي، والبحث عن هوية. لقد انتقل الفنان من هامش المشهد الثقافي إلى موقع فاعل فيه، وأصبح العمل الفني وثيقة حسية وفكرية تسجل تحولات المجتمع من زاوية لا تستطيع الوثيقة السياسية وحدها أن تقدمها.
إن تاريخ الفن العراقي في العهد الملكي هو، في جوهره، تاريخ ولادة سؤال جمالي ووطني في آن واحد. لقد حاول الفنانون أن يرسموا العراق كما يرونه، ثم تجاوزوا ذلك إلى محاولة رسم العراق كما يتخيلونه ويريدونه: بلداً حديثاً من دون فقدان ذاكرته، ومنفتحاً على العالم من دون ذوبان شخصيته. ولهذا بقيت تجربة الرواد والجماعات الفنية والمؤسسات التي نشأت في تلك المرحلة أساساً لا يمكن فهم مسار الفن العراقي اللاحق من دونه.
وخلاصة القول، إن العهد الملكي لم يكن مجرد إطار زمني سبق التحولات الجمهورية، بل كان مختبراً تأسيسياً للفن العراقي الحديث. ففيه التقت الأكاديمية بالموهبة، والمدينة بالريف، والرافديني بالإسلامي، والمحلي بالعالمي. ومن هذه اللقاءات والتوترات تشكلت لغة بصرية عراقية حملت آثار الماضي وأسئلة الحاضر وتطلعات المستقبل. لذلك فإن دراسة الفن في تلك الحقبة تكشف جانباً عميقاً من تاريخ العراق الثقافي: جانباً يروي كيف حاول المجتمع أن يصنع لنفسه صورة، وكيف أصبح الفن إحدى وسائل بناء الذاكرة والهوية معاً.

قد يعجبك ايضا