العدالة الدولية في زمن الحروب: القانون بين الضمير والمصلحة

الاستاذ الدكتور
فكري عزيز حمد السورجي

لم تكن العدالة الدولية في أي مرحلة من مراحل التاريخ فكرة قانونية مجردة، بل كانت دائماً سؤالاً أخلاقياً وسياسياً يختبر قدرة الإنسان على إخضاع القوة لمعيار يتجاوز إرادة المنتصر. وفي زمن الحروب يتضاعف ثقل هذا السؤال، لأن القانون يجد نفسه أمام أكثر لحظات السياسة قسوةً: لحظة تصبح فيها حياة البشر والأرض والسيادة والأمن أدوات في صراع المصالح. ومن هنا لا تكمن أزمة العدالة الدولية في غياب النصوص وحده، فالعالم المعاصر يمتلك منظومة واسعة من المواثيق والاتفاقيات والقواعد، وإنما في المسافة التي تفصل بين ما يقوله القانون وما تسمح به موازين القوة. وهذه المسافة هي المجال الذي يتصارع فيه الضمير مع المصلحة، والمبدأ مع الحساب السياسي، والإنسان بوصفه غايةً مع الدولة بوصفها صاحبة القوة.

نشأ القانون الدولي الحديث من إدراك متدرج بأن الحرب لا يمكن أن تبقى فعلاً بلا حدود. فالتجربة الإنسانية، ولا سيما بعد الحروب الكبرى، أظهرت أن انتصار دولة عسكرياً لا يمنحها حقاً مطلقاً في التعامل مع الإنسان أو الأرض أو الأسرى أو المدنيين. لذلك تطورت قواعد تحظر بعض وسائل القتال، وتحمي فئات لا تشارك في الأعمال العدائية، وتضع قيوداً على استخدام القوة، وتؤكد أن الضرورة العسكرية ليست رخصة مفتوحة لإلغاء الإنسانية. إن القيمة الفلسفية لهذا التطور تكمن في الانتقال من منطق «القادر يستطيع» إلى منطق «القادر مسؤول»، وهي نقلة حضارية تجعل القوة نفسها موضوعاً للقانون لا مصدراً وحيداً له.

غير أن الحرب تكشف هشاشة هذا الإنجاز. ففي زمن السلم يسهل على الدول أن تعلن احترامها للشرعية، أما عندما تتعارض القاعدة القانونية مع ما تراه مصلحة أمنية أو استراتيجية فإن الاختبار الحقيقي يبدأ. هنا يظهر التوتر بين مفهومين: مفهوم يرى القانون الدولي التزاماً يجب أن يقيد القرار السياسي، ومفهوم آخر يتعامل معه بوصفه أداة تُستدعى عندما تخدم المصلحة وتُفسَّر بمرونة عندما تعيقها. ومن هذا التوتر تنشأ أزمة الثقة؛ فالمجتمع الدولي لا يقيس عدالة النظام بكثرة نصوصه، بل بقدرته على تطبيق المبادئ نفسها على الحالات المتشابهة دون انتقائية.

إن حماية المدنيين تمثل القلب الأخلاقي للقانون الدولي الإنساني. فالمدني ليس طرفاً في معادلة النصر والهزيمة، ولا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة للضغط على الخصم. وعندما تُدمَّر الأحياء المدنية أو تتعطل المستشفيات أو يُحرم السكان من الضرورات الأساسية، لا يعود النقاش متعلقاً بالتكتيك العسكري وحده، بل ينتقل إلى سؤال أعمق: ما الحد الذي إذا تجاوزته الحرب فقدت أي ادعاء بالشرعية الأخلاقية؟ إن القانون يحاول رسم هذا الحد عبر مبادئ التمييز والتناسب والاحتياط، لكنه يحتاج دائماً إلى إرادة تحوّل تلك المبادئ من لغة قانونية إلى سلوك عملي.

وتزداد المعضلة تعقيداً لأن الحروب الحديثة لم تعد دائماً مواجهة واضحة بين جيشين نظاميين في ميدان منفصل عن السكان. المدن أصبحت ميادين قتال، والتكنولوجيا سمحت بتنفيذ عمليات عن بُعد، والفضاء السيبراني دخل دائرة النزاع، وتداخلت الجماعات المسلحة مع البنى الاجتماعية، وأصبحت المعلومة نفسها سلاحاً. ولذلك فإن العدالة الدولية مطالبة بالتطور من دون أن تفقد جوهرها. تغير أدوات الحرب لا ينبغي أن يعني سقوط القاعدة التي تحمي الإنسان، بل يفرض إعادة تفسيرها بما يحافظ على مقصدها الأساسي: تقليل المعاناة ومنع تحويل الضرورة إلى ذريعة.

ويحتل مجلس الأمن موقعاً مركزياً في هذه الإشكالية. فقد صُمم نظام الأمن الجماعي على أساس أن حفظ السلم يحتاج إلى مؤسسة قادرة على اتخاذ قرارات ملزمة، لكن تركيبة المجلس وامتيازات القوى الكبرى جعلت العلاقة بين القانون والسياسة وثيقة إلى حد يصعب فصلهما. فحق النقض يعكس حقيقة تاريخية وسياسية مفادها أن النظام الدولي بُني على تسوية بين مبدأ المساواة القانونية للدول وواقع تفاوت القوة بينها. ومن هنا تظهر المفارقة: المؤسسة التي يفترض أن تحمي السلم قد تجد قدرتها على الفعل مقيدة عندما تتعارض الأزمة مع المصالح الأساسية لإحدى القوى صاحبة النفوذ.

لكن نقد مجلس الأمن لا يعني أن البديل هو غياب المؤسسات. فالعالم بلا إطار جماعي سيكون أكثر خضوعاً لمنطق القوة المباشرة. المطلوب هو فهم أن الشرعية المؤسسية تحتاج إلى إصلاح مستمر، وأن الثقة لا تُبنى فقط بصحة الإجراءات بل أيضاً بإحساس الشعوب بأن المعايير لا تتبدل بتبدل هوية الأطراف. فالعدالة التي تبدو انتقائية تفقد جزءاً من قوتها المعنوية حتى عندما تستند إلى نص صحيح، لأن القانون الدولي يعيش بقدر كبير على قبول الدول والمجتمعات بشرعيته.

ومن أهم التحولات التي عرفها الفكر القانوني الدولي الانتقال من المسؤولية الحصرية للدولة إلى مساءلة الأفراد عن أخطر الجرائم. ففكرة المسؤولية الجنائية الدولية تقرر أن المنصب الرسمي أو الانتماء إلى جهاز الدولة لا ينبغي أن يتحولا إلى حصانة أخلاقية مطلقة. لقد مثّل هذا المبدأ تحولاً في تصور السيادة؛ إذ لم تعد السيادة تعني أن كل ما يحدث داخل المجال السياسي للدولة شأن مغلق أمام المجتمع الدولي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بجرائم تمس الإنسانية على نطاق خطير.

ومع ذلك، فإن العدالة الجنائية الدولية تواجه بدورها سؤال الانتقائية. فالمحاكم تحتاج إلى اختصاص وأدلة وتعاون دولي وقدرة على الوصول إلى المتهمين. وفي عالم تتفاوت فيه قدرات الدول ونفوذها، قد تكون الملاحقة ممكنة في حالة وصعبة أو مستحيلة في حالة أخرى. وهنا يجب التمييز بين قصور المؤسسة وبين سقوط الفكرة. عدم القدرة على تحقيق العدالة بصورة كاملة لا يجعل العدالة غير ضرورية؛ بل يكشف الحاجة إلى تعزيز استقلالها ووسائلها وضمان عدم تحويلها إلى امتداد للصراع السياسي.

وتبرز أيضاً قضية العقوبات الدولية بوصفها منطقة رمادية بين الحرب والسلام. فالعقوبات قد تُستخدم للضغط على دولة أو سلطة من دون اللجوء إلى القوة المسلحة، وقد تُقدَّم باعتبارها وسيلة أقل عنفاً لحماية السلم أو فرض احترام الالتزامات. لكن أثرها على السكان يثير إشكالات أخلاقية وقانونية عندما تمتد نتائجها إلى الغذاء أو الدواء أو فرص الحياة الطبيعية. لذلك فإن العدالة لا تقاس بهدف العقوبة وحده، بل كذلك بتصميمها ودرجة استهدافها وقدرتها على تجنب تحميل المجتمع ثمن قرارات لم يتخذها.

إن اللاجئ والنازح يمثلان الوجه الإنساني الأكثر وضوحاً لفشل النظام الدولي في منع الحروب. فخلف الأرقام توجد حياة اقتُلعت من المكان، وأسرة فقدت بيتها، وطفل أصبح مستقبله رهين الحدود والسياسات. القانون يمنح الحماية إطاراً، لكنه لا يستطيع وحده إزالة الخوف أو إعادة الوطن. وهنا تتجلى ضرورة الجمع بين المسؤولية القانونية والتضامن الدولي؛ لأن توزيع أعباء النزوح على عدد محدود من الدول يحول الأزمة الإنسانية إلى أزمة سياسية جديدة، وقد يدفع المجتمعات إلى الانغلاق بدلاً من المشاركة في الحل.

كما أن العدالة الدولية لا تكتمل بمجرد توقف إطلاق النار. فالسلام الذي يكتفي بإسكات السلاح من دون معالجة آثار الجريمة والتهجير والدمار قد يكون هدنة طويلة أكثر منه سلاماً مستقراً. العدالة الانتقالية، وجبر الضرر، وكشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين، وإعادة بناء المؤسسات، كلها عناصر تساعد المجتمعات على الانتقال من ذاكرة الحرب إلى إمكانية العيش المشترك. غير أن التوازن بين السلام والمحاسبة يظل من أصعب الأسئلة؛ إذ قد يرى بعض المفاوضين أن التسوية تحتاج إلى تنازلات، بينما يرى الضحايا أن السلام الذي يطلب منهم نسيان حقوقهم يعيد إنتاج الظلم.

وهنا يظهر مفهوم المصالحة بمعناه الصحيح. المصالحة ليست محواً للذاكرة، وليست مطالبة الضحية بأن تتخلى عن الحقيقة، بل هي بناء سياسي وأخلاقي يمنع الماضي من أن يتحول إلى برنامج دائم للانتقام. ولذلك تحتاج المصالحة إلى اعتراف ومسؤولية وضمانات لعدم التكرار. وكلما كانت العدالة أكثر قدرة على كشف الحقيقة بطريقة مؤسسية، قلت احتمالات أن تحتكر الجماعات المتصارعة رواية الماضي وتستخدمها لإدامة النزاع.

أما مبدأ الدفاع الشرعي عن النفس فيكشف بوضوح دقة العلاقة بين الحق والقوة. فالقانون الدولي لا يطلب من الدولة أن تقف بلا حماية أمام اعتداء مسلح، لكنه في الوقت نفسه لا يجعل الدفاع باباً بلا نهاية. الضرورة والتناسب والارتباط بالخطر ليست تفاصيل تقنية، بل ضمانات لمنع تحول الاستثناء إلى قاعدة. فإذا أصبح كل تهديد محتمل مبرراً لحرب مفتوحة، فإن الحظر القانوني لاستخدام القوة يفقد معناه، ويعود العالم تدريجياً إلى منطق الوقاية بالقوة قبل أن تتضح الوقائع.

وتطرح التكنولوجيا العسكرية الحديثة أسئلة لم تكن الأجيال السابقة تتصورها. فالأسلحة ذات الدقة العالية قد تقلل بعض المخاطر، لكنها لا تلغي مسؤولية من يختار الهدف ويقدّر الضرر المتوقع. والأنظمة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي تفتح نقاشاً أعمق حول معنى القرار البشري في استخدام القوة. هل يجوز أن تبتعد المسؤولية عن الإنسان كلما اقتربت الآلة من اتخاذ القرار؟ إن جوهر القانون يقتضي العكس: كلما ازدادت قدرة التكنولوجيا، ازدادت الحاجة إلى تحديد المسؤولية البشرية بوضوح، لأن الآلة لا تحمل ضميراً ولا تتحمل ذنباً ولا تقف أمام قاضٍ.

والحرب السيبرانية تضيف مستوى آخر من التعقيد. هجوم رقمي قد يعطل شبكة كهرباء أو مؤسسة صحية أو نظاماً مالياً من دون أن تعبر دبابة الحدود. وهنا يصبح تعريف الهجوم والضرر والسيادة أكثر صعوبة. لكن الصعوبة التقنية لا ينبغي أن تتحول إلى فراغ قانوني. فإذا كان أثر الفعل الرقمي قادراً على إحداث معاناة حقيقية، فإن التفكير القانوني مطالب بالنظر إلى النتائج والوظائف، لا إلى الشكل المادي للسلاح وحده.

ومن المسائل التي تهدد صدقية العدالة الدولية ازدواجية الخطاب. فحين تستخدم دولة لغة حقوق الإنسان ضد خصمها ثم تتجاهل المبادئ ذاتها عندما تتعلق بحليف، فإن الضرر لا يقع على سمعتها فقط، بل على عالمية القاعدة القانونية نفسها. فالقانون الدولي لا يستطيع أن يؤدي دوره الحضاري إذا تحوّل في الوعي العام إلى مفردات تستخدمها القوى في معارك الشرعية. لذلك فإن الاتساق ليس قيمة أخلاقية إضافية، بل شرط عملي لبقاء القانون مصدراً للثقة.

ومع ذلك، ينبغي الحذر من الوقوع في النقيض؛ أي الاعتقاد بأن وجود ازدواجية في التطبيق يجعل كل قانون مجرد قناع للمصلحة. هذا الاستنتاج يهدم الإنجازات التي تحققت فعلاً في حماية الأسرى والمدنيين، وتنظيم العلاقات الدبلوماسية، وتسوية النزاعات، ومحاكمة بعض مرتكبي الجرائم، وتثبيت حقوق إنسانية تجاوزت الحدود. إن القانون الدولي ليس مثالياً، لكنه ليس وهماً أيضاً. إنه ساحة صراع مستمر بين من يريد توسيع سلطة القاعدة ومن يريد الاحتفاظ بأكبر مساحة ممكنة للمصلحة.

في هذا السياق يمكن فهم دور الرأي العام العالمي والمجتمع المدني والصحافة والمؤسسات الحقوقية. لم تعد الدولة تحتكر رواية الحرب كما كان يحدث في أزمنة سابقة. الصور والشهادات والبيانات تنتقل بسرعة، وقد تفرض على الحكومات والمؤسسات فتح تحقيقات أو تعديل سياسات. غير أن وفرة المعلومات تحمل خطراً مقابلاً هو التضليل والاستقطاب وانتزاع الصور من سياقاتها. ولهذا أصبحت العدالة بحاجة إلى ثقافة إثبات بقدر حاجتها إلى ثقافة تعاطف؛ فالانفعال الإنساني ضروري، لكنه لا يغني عن التحقق القانوني الدقيق.

إن مفهوم «المصلحة الوطنية» نفسه يحتاج إلى إعادة قراءة. فليس صحيحاً دائماً أن احترام القانون يتعارض مع مصلحة الدولة. على المدى البعيد، تحتاج الدول إلى قواعد مستقرة تحمي تجارتها وحدودها ومواطنيها واتفاقاتها. الدولة القوية اليوم قد تحتاج غداً إلى القاعدة التي حاولت إضعافها. ومن هنا فإن القانون الدولي ليس مشروعاً أخلاقياً موجهاً ضد المصلحة، بل محاولة لتحويل المصالح المتعارضة إلى نظام يمكن التنبؤ به، بحيث لا يصبح الأمن امتيازاً لمن يمتلك القوة الأكبر فقط.

وتكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة بالنسبة إلى الدول الصغيرة والمتوسطة. فهذه الدول لا تستطيع بناء أمنها على التفوق العسكري وحده، ولذلك يكون النظام القانوني الدولي بالنسبة إليها جزءاً من منظومة الحماية. مبدأ المساواة في السيادة، وعدم جواز الاستيلاء على الأرض بالقوة، واحترام المعاهدات، وتسوية النزاعات سلمياً، كلها قواعد تمنح الدولة مساحة قانونية تتجاوز وزنها المادي. وكل إضعاف لهذه القواعد يوسع الفجوة بين الدول ويجعل السياسة الدولية أكثر قسوة.

إن إصلاح العدالة الدولية لا يبدأ بكتابة مواثيق جديدة فقط. كثير من المبادئ الأساسية موجود بالفعل؛ المشكلة هي في الإرادة، والاتساق، والقدرة المؤسسية، والوصول إلى المعلومات، وتنفيذ القرارات. ولذلك فإن الإصلاح الحقيقي يتطلب تعزيز استقلال آليات التحقيق والقضاء، وتحسين تمثيل النظام الدولي، وتقليل فرص تعطيل الاستجابة الجماعية، وتطوير قواعد تتلاءم مع الحروب الجديدة، مع الحفاظ على المبادئ التي لا ينبغي أن تتغير بتغير التكنولوجيا أو الجغرافيا.

كما ينبغي إعادة الاعتبار إلى الوقاية. فالعدالة التي تصل بعد سقوط آلاف الضحايا مهمة، لكنها لا تعوض عن فشل المجتمع الدولي في منع الكارثة. الإنذار المبكر، والوساطة، والدبلوماسية الوقائية، ومعالجة خطاب الكراهية، ودعم المؤسسات الوطنية، وتسوية النزاعات على الموارد والحدود قبل انفجارها، كلها أجزاء من مفهوم أوسع للعدالة. فالقانون لا ينبغي أن يكون قاضياً يصل دائماً بعد الجريمة؛ بل يمكن أن يكون أيضاً إطاراً يمنع الظروف التي تجعل الجريمة ممكنة.

وفي العمق، تكشف الحروب أن أزمة القانون الدولي هي أزمة تصور للإنسان. فإذا أصبح الإنسان رقماً تابعاً للجغرافيا أو القومية أو التحالف السياسي، يسهل تبرير معاناته. أما إذا كان الإنسان قيمة قانونية قائمة بذاتها، فإن هوية الضحية لا تغير مقدار الحماية المستحقة لها. هذه هي النقطة التي يلتقي عندها القانون بالضمير: عالمية الكرامة. ولا معنى لقانون دولي يدّعي العالمية إذا كانت قيمة الحياة تختلف في التطبيق باختلاف موقع صاحبها على خريطة المصالح.

إن الضمير وحده، مع ذلك، لا يكفي. فالتاريخ مليء بالمآسي التي أثارت التعاطف ثم طواها الزمن. المطلوب هو تحويل الضمير إلى مؤسسة، والمؤسسة إلى إجراء، والإجراء إلى نتيجة قابلة للتنفيذ. العدالة لا تعيش بالنوايا الطيبة، بل بقواعد واضحة وقضاة مستقلين وأدلة موثوقة وإرادة سياسية وتعاون دولي. ومن هنا فإن العلاقة بين الأخلاق والقانون ليست علاقة بديلين؛ الأخلاق تمنح القانون غايته، والقانون يمنح الأخلاق إمكانية التحول من أمنية إلى التزام.

وفي المقابل، فإن المصلحة ليست شراً مطلقاً. الدول ستظل تسعى إلى أمنها ونفوذها ورفاه شعوبها، وهذه طبيعة السياسة الدولية. السؤال هو كيف تُضبط المصلحة بحيث لا تتحول إلى حق في سحق الآخرين. وظيفة القانون ليست إلغاء المصالح، بل وضع حدود لتنافسها، تماماً كما يفعل القانون داخل الدولة عندما لا يمنع الأفراد من السعي إلى مصالحهم لكنه يمنعهم من تحقيقها بالاعتداء على حقوق غيرهم. بهذا المعنى يكون القانون الدولي محاولة لنقل البشرية من فوضى الإرادات إلى مسؤولية التعايش.

ولعل أصعب ما تواجهه العدالة الدولية هو أن نتائجها بطيئة بينما الحرب سريعة. الصاروخ يصل في دقائق، أما التحقيق فقد يحتاج سنوات؛ قرار النزوح يحدث في ساعات، أما إعادة الحقوق فقد تتطلب جيلاً. هذا الاختلال الزمني يجعل القانون يبدو أحياناً عاجزاً، لكنه يوضح أيضاً ضرورة بناء آليات أسرع لحفظ الأدلة وحماية الشهود وتوثيق الانتهاكات وتقديم المساعدة. العدالة المتأخرة قد تبقى عدالة، لكنها كلما تأخرت ازدادت كلفتها الإنسانية والسياسية.

إن مستقبل العدالة الدولية سيعتمد على قدرة المجتمع الدولي على تجاوز فكرة أن القانون يعمل فقط عندما تتوافق عليه القوى الكبرى. صحيح أن القوة ستظل عاملاً أساسياً، لكن الشرعية أصبحت بدورها مورداً سياسياً لا تستطيع الدول تجاهله بسهولة. الدولة قد تنتصر في معركة عسكرية وتخسر معركة الشرعية، وقد تحقق هدفاً آنياً ثم تدفع ثمناً دبلوماسياً واقتصادياً وأخلاقياً طويل الأمد. وهذه الحقيقة تمنح القانون مجالاً للعمل حتى في عالم غير متكافئ.

وفي النهاية، ليست القضية أن نختار بين الضمير والمصلحة وكأنهما عالمان لا يلتقيان. التحدي الحضاري هو بناء نظام يجعل احترام الإنسان جزءاً من المصلحة المستدامة للدول، ويجعل السلام أكثر نفعاً من الحرب، والالتزام أكثر أماناً من الفوضى، والمساءلة أكثر استقراراً من الإفلات من العقاب. عندها لا يعود القانون الدولي خطاباً مثالياً يقف خارج السياسة، بل يصبح الطريقة الأكثر عقلانية لتنظيم السياسة نفسها.

إن العدالة الدولية في زمن الحروب هي المرآة التي يرى فيها النظام العالمي حقيقة مبادئه. فإذا طُبقت القاعدة على الضعيف وتوقفت أمام القوي، أصبحت العدالة ناقصة؛ وإذا استُخدمت حقوق الإنسان لغةً انتقائية، ضعفت عالمية الحقوق؛ وإذا تحولت السيادة إلى ستار للإفلات من المسؤولية، فقدت السيادة معناها الحضاري. أما حين يقف القانون إلى جانب الإنسان بصرف النظر عن هويته، وحين تقبل القوة أن لها حدوداً، فإن المجتمع الدولي يقترب خطوة من الغاية التي من أجلها نشأ القانون: ألا يكون مصير البشر رهناً بإرادة الأقوى.

ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحاً ليس: هل استطاع القانون الدولي أن يمنع جميع الحروب؟ فهذا معيار يستحيل على أي نظام قانوني تحقيقه. السؤال الأهم هو: هل نجح في جعل الحرب أكثر خضوعاً للمساءلة، وفي توسيع مساحة الحماية، وفي تثبيت فكرة أن هناك أفعالاً لا تصبح مشروعة لمجرد أن دولة قوية ارتكبتها؟ كل تقدم في هذا الاتجاه هو انتصار لفكرة القانون، وكل تراجع عنه يعيد البشرية إلى زمن كانت فيه القوة هي الحجة الأخيرة والأولى.

وتبقى العدالة، في جوهرها، مشروعاً غير مكتمل. إنها ليست بناءً انتهى تشييده بعد إنشاء المحاكم وتوقيع الاتفاقيات، بل ممارسة يومية تحتاج إلى الدفاع عنها كلما تعرضت القاعدة للاختبار. وربما تكون أعظم قيمة للقانون الدولي أنه أبقى السؤال الأخلاقي حاضراً داخل عالم المصالح: ماذا يجوز للقوة أن تفعل، وماذا لا يجوز لها أن تفعل مهما بلغت قدرتها؟ إن بقاء هذا السؤال حياً هو في ذاته علامة حضارية، أما الإجابة عنه بعدالة واتساق فهي المهمة التي ستحدد مقدار إنسانية النظام الدولي في المستقبل.

قد يعجبك ايضا