في رِحَابِ الفِكْرِ وَالإِبْدَاع.. حِوَارٌ مَعَ الأَدِيبِ وَالنَّاقِدِ الفلسطيني د. مُحَمَّد عَبْد الله القَوَاسْمَة
حوار: عطا درغام
نلتقي اليوم بقامة أدبية ونقدية بارزة، جمعت بين عذوبة السرد وأصالة الكلمة، وبين الرؤية التحليلية الواعية التي تتقصى مواطن الجمال والخلل في نصوصنا المعاصرة. في هذا الحوار الممتد، نُبحر مع ضيفنا عبر خمس محطات رئيسية؛ نناقش فيها ملامح الغربة في ثنايا رواياته، وموقع الناقد من المؤسسات الثقافية، ونستعرض قراءاته في تجارب روائية وشعرية رائدة، وصولاً إلى شؤون القصة القصيرة، وأدب الطفل، وكواليس العمل الأكاديمي والصحفي.
* في روايتك “حبيباتي الثلاث إلى ورقلة” اخترت فضاءً جغرافياً مغاربياً (الجزائر) كيف وظّفت “ورقلة” كبيئة صحراوية لخدمة قلق الشخصية الفلسطينية المغتربة؟
– في الحقيقة أن الرواية لا تقوم فكرتها على الاغتراب، لأن بطل الرواية جاء إلى الجزائر بدعوة من وزارة الثقافة الجزائرية للمشاركة في ندوة عن أدب الصحراء؛ فلم يحس بقلق الوجود والاغتراب، بل كانت فرصته للبحث عن أخواله وسؤالهم عن قبر أمه، التي كان والده قد أبلغه في صغره بأنها توفيت أثناء زيارتهما لأهلها في مدينة ورقلة. ولكنه يفاجأ بأن أمه ما زالت على قيد الحياة؛ فيعمل على إعادتها إلى عمان لتعيش معه ومع زوجة أبيه المتوفى. لا شك أن الرواية تشعل عواطف البطل نحو وطنه، فوجوده على أرض الجزائر يذكره بوطنه فلسطين. والمعروف أن تجربة الشعب العربي في الجزائر شبيهة بتجربة الشعب العربي قي فلسطين، فكلا البلدين وقعا تحت الاحتلال، بل إن ما انتهت اليه التجربة الجزائرية في النضال ضد فرنسا، يبعث الأمل بانتصار الشعب الفلسطيني في نضاله ضد العدو الإسرائيلي. مهما طال الزمن، فكل احتلال إلى زوال، ومن ناحية أخرى؛ فإن العثور على الأم ورفض الظلم الذي وقع عليها من الأب هو امتداد لرفض الظلم الذي يمارس ضد وطنه، وبخاصة بأن الأم هي رمز للوطن الذي يستحق التضحية. بهذه الرؤية ،يمكن أن نتعامل مع أحداث الرواية في ورقلة.
* كتبت في مقالاتك الرقمية عن “البُعد عن الوطن والهوية الممزقة” كيف تمنع “الذكريات النوستالجية” من تحويل الرواية إلى بكائية وتحافظ على قيمتها الفنية؟
– العمل الأدبي يستند إلى ذكريات الأديب، وهمومه، وتجاربه، وأفكاره، وتأملاته سواء أكان عملًا متخيلًا أم منتزعًا من الواقع. إن تلك العناصر كلها تقدم في قالب فني، له لغته وتراكيبه الخاصة، وجماليته المؤثرة. هكذا صوّرتْ، على سبيل المثال روايتاي: “سلام على مخيم الفوار” و”أصوات في المخيم” آلام اللاجئين وحزنهم وبكائهم تحت الخيام والبيوت الضيقة، وطردهم من وطنهم. إن “الذكريات النوستالجية” تتحول في العمل الروائي إلى مشاهد، ومتواليات سردية، وشخصيات نابضة بالحياة، لتخلد ما جرى في صورة ساطعة، بل أشد سطوعًا من الواقع الذي تعادله.
* في رواية “لعنة الفلسطيني” هل اللعنة هنا هي قدر الشتات المحتوم أم هي وعي الشخصية الحاد برفض الاستسلام للواقع؟
– في رواية “لعنة الفلسطيني” معالجة للحالة الفلسطينية من جانب مختلف؛ فاللعنة، التي تعني العذاب والحساب في الدنيا والآخرة تلاحق كل من يعادي الفلسطيني، ويقف في طريقه، وهو يدافع عن وطنه، كما تلك اللعنة التي كانت تلاحق علماء الآثار في تعاملهم مع المومياوات الفرعونية. وبطل الرواية ليس فلسطيني الجنسية بل إن لقب عائلته فلسطيني؛ لأن أحد أجداده قتل في فلسطين. لقد تعرض ذلك الرجل وعائلته للعذاب والنبذ بسبب لقبه، ورأينا في الرواية أن اللعنة تنصب على القرية التي وقفت ضده، فكأن الرواية تقول إن من يتعرض لفلسطين بالشر يتعرض إلى الموت والدمار والعذاب، وربما يعود ما يجري في العالم من كوارث طبيعية وبشرية إلى صمت العالم على ما يجري لفلسطين.
* كيف تفاعل جمهور الفضاء الرقمي مع معالجة رواياتك للمكان الأردني والفلسطيني مقارنة بالنقاد التقليديين في الصحف؟
– لا شك أن المكان عنصر مهم من عناصر الرواية، ويُبعث حيًّا(كما أرى) في رواياتي كلها، وبخاصة تلك التي حملت في عنوانها مفردة مكانية، مثل روايات: “شارع الثلاثين”، و”أصوات في المخيم”، و”فهمان في عمان”. في الأدب، كما في الواقع المعايش الأردن امتداد لفلسطين، وفلسطين امتداد للأردن. والمكان في بعض رواياتي، وبخاصة عندما يشير إلى مكان واقعي يثير إشكالات لدى المتلقي، كما حدث أن غضب شيخ الجامع في شارع الثلاثين ولعنني على المنبر في خطبة الجمعة، لأنه اعتقد بأنه المقصود بما قام به الشيخ في الرواية عندما أم بالمصلين وهو على جنابة. وفي وقت آخر رأى ابني الناس متجمعين على راس الشارع المؤدي إلى البيت، فقال لأمه إن الناس يريدون قتل أبيه لأنه يهاجم فساد رجال الدين في رواياته. وهذا يدلل على تفاعل الناس مع ما يجري في المكان الروائي تفاعلًا يصل أحيانًا إلى حافة الرعب.
* بصفتك ولدت في الخليل وتعيش في الأردن وتنقّلت كتابياً كيف تنعكس “ثنائية الهوية الجغرافية” على البناء النفسي لأبطال روايتك الأخيرة “إلى الهاوية”؟
– “إلى الهاوية” رواية ديستوبية يسودها الشر والفساد، وينعدم فيها الحب والخير، وهي مثل روايتي “مدينة على ظهر الشيطان”. لا شك أن الروايتين فيها شخصيات إيجابية تواجه الخوف والفساد. هي شخصيات متألمة، لكنها متفائلة في المستقبل، ففي نهاية الروايتين ضوء ينبئ بحياة أفضل. أما عن ثنائية الجغرافيا بين الأردن وفلسطين فهي مصطنعة، لا تنعكس بشكل سلبي على الناس في البلدين، إنما توجد ثنائية مفارقة بين الناس جميعًا وبين الطغاة المحتلين، الذين اعتدوا على الجغرافيا، وعلى كل شيء.
* في كتابك “الشمس والظلال” تفكك علاقة الناقد بالسلطة السياسية والمؤسسة الثقافية أين يقف محمد عبد الله القواسمة اليوم من هذه المعادلة؟
– إن علاقتي بالسلطة، أية سلطة سياسية وثقافية واجتماعية وعائلية علاقة رفض لكثير من الظواهر والممارسات بأسلوب أدبي ونقدي موضوعي، لا يظهر العداوة لأي مخلوق، وليس فيه خروج على القانون. لكن مع ذلك، وفي أحيان كثيرة أتعرض للذم والإهمال، وحرمان من الكتابة في بعض المواقع. لكن لا تصل الأمور إلى حافة حادة كالسجن، أو العقاب البدني، أو القطيعة التامة. ها أنا أكتب مقالًا أسبوعًا في إحدى الصحف الرسمية، وفي كل مقال رفض لشيء ما في الحياة والمجتمع، وفي كتابي” الشمس والظلال” ما يؤكد هذه الحقيقة. إني مثل سقراط أحترم قوانين أثينا، وأمارس حقي في نقدها.
* في كتاباتك حالة “الأدب والأدباء في الجامعات” كيف يؤثر جمود البيئة الأكاديمية سلباً على تفجير الطاقات الإبداعية لدى الأكاديمي الأديب؟
في مقالات كثيرة انتقدت التعليم في الجامعات، وتعيين الأكاديميين، وموقف المسؤولين من الأدباء والمفكرين، وكذلك انتقدت الممارسات والبيئة الأكاديمية في بعض المسرحيات الواردة في كتابيّ:”ليلة في تل الصافي”، و “ربيع الليل”. إن الأكاديمي، إذا كان أديبًا حقيقيًا يجد الوسيلة المناسبة لمواجهة الواقع ومواصلة الإبداع. وفي أثناء عملي في الجامعة أنتجت كثيرًا من الروايات والأعمال القصصية والمسرحية للأطفال والكبار، متبعًا نصيحة الكاتب اللبناني أمين الريحاني: “قل كلمتك وامش” ولكن بأمانة وصدق.
* دافعت عن ضرورة وجود “المعارك النقدية” هل ترى أن منصات التواصل الاجتماعي ومواقع الإنترنت قضت على “الجدل النقدي الرصين” وصنعت بدلاً منه “مجاملات رقمية”؟
– الحياة بصورة عامة مبنية على التنوع والاختلاف، لهذا فإن النقد يزدهر ويتطور ويؤثر في الحياة الثقافية من خلال اختلاف الآراء، كما كان يحدث بين طه حسين والعقاد مثلًا. أما الآن فقد خبا النقد، وانحصر في المجاملات، ومع غزو التكنولوجيا الرقمية عمت التفاهة والركاكة، وصار كل من يظهر على وسائل التواصل الاجتماعي كاتبًا وناقدًا، وجاء الذكاء الاصطناعي ليزيد الوضع سوءًا، وسرى الوهن والكسل حتى في الأدباء والنقاد المحترفين؛ فأنتجوا كتابات ضعيفة خاوية المعنى، وغاب النقد الجيد، وحل محله النقد العشائري والجهوي والدعائي، وسادت نظرية الحك” حك لي أحك لك” وبات المقال النقدي يثير الغضب ليس عند الأديب صاحب النص المنقود فحسب بل عند أصدقائه وأقاربه ومعارفه، فيتصدى الجميع للرد على الناقد بما في وسعهم من شتائم وإهانات.
* انتقدت تراجع المعرفة وضعف القراءة بسبب الثورة الرقمية كيف يوازن الناقد بين كرهه لسطحية الإنترنت وحاجته لنشر فكره عبر الفضاء الإلكتروني؟
– حقًا الناقد أو الكاتب عمومًا عليه التفاعل مع وسائل الثورة الرقمية؛ فهو يحتاج إلى نشر فكره وأعماله والإعلان عنها، والتعريف بها، لكن ذلك كله يتطلب منه ألا يستخدم الانترنت بدلًا عنه، أو يجعله جسرًا لإيصال المعلومات إلى المتلقي، أي لا يجعل الآلة تتحكم فيه، فيتقبل ما تقدمه دون غربلة ونقد؛ فليس كل ما تقوله الآلة الذكية بصحيح.
* ما هي “الظلال” التي ما زالت تحجب “شمس” النقد العربي المعاصر عن كشف عيوب السرد الإقليمي؟
لعل من العوامل التي تحول دون ممارسة نقدية حرة نكشف عن عيوب السرد العربي بمعناه الواسع القصصي والمسرحي والتاريخي والفني يمكن تلخيصها في سيطرة ضمير الأنا التي أفرزها الواقع التقسيمي للأمة العربية فكل دولة عربية تتحيز لسردها الخاص وامتدت هذه الأنا إلى الناقد فضخم ذاته وساعدته التكنولوجيا على ذلك كما انجر بعض النقاد تحت إغراءات المال إلى الترويج إلى السرد الهابط فقدمت جوائز وعقدت مؤتمرات وندوات وأقيمت حفلات إشهارية لروايات ومجموعات قصصية ضعيفة المستوى. لقد قُتلت الموضوعية على أيدي بعض النقاد المتميزين وفقد الناقد مصداقيته أمام السارد والقارئ فسارت الرواية في طريق الإهمال والضياع، وصارت تكتب لإرضاء الآخر ولا تنبع من رؤية الأيب الخاصة. يضاف إلى ما سبق فقدان الحرية لدى الناقد فقد يتعرض للأذى ليس من السلطة فحسب، بل أيضًا من الأدباء الذين تناول أدبهم بالنقد. والسلطة ليست السياسية فقط، بل العشائرية والجهوية وسلطة العادات والتقاليد. إن فقدان الحرية جعل فنًا عندنا يخبو ويتحول إلى تهريج ومادة للتسلية والترفيه، ألا وهو المسرح. هذه الموانع ليست ظلالا، بل حواجز متينة من الصعوبة أن ينفذ منها الضوء.
* قدمت دراسة هامة حول “البنية الزمنية في روايات غالب هلسا” ما الذي يمكن أن يتعلمه الروائي العربي الشاب اليوم من تقنيات غالب هلسا الزمنية بناءً على بحثك؟
– الاطلاع على تقنيات الزمن لدى غالب هلسا مفيدة جدًا للروائي العربي؛ فالرواية فن زمني بالدرجة الأولى تتنوع فيها الأزمنة. فلم تعد الرواية تعتمد الزمن الخطي، بل تلاعبت بالزمن من الماضي إلى المستقبل، ومن المستقبل إلى الحاضر وهكذا. كما تنوع فيها الزمن من حيث السرعة والبطء، والتوقف، وظهرت فيها تقنيات زمنية مثل الاسترجاع والاستباق وتزمين الوصف وتنوع الإحساس بالزمن لدى الشخصيات حسب المواقف التي يتعرضون لها.
لقد تداخلت في روايات غالب هلسا الأزمنة، وتنوعت وغلب عليها استخدام زمن الطفولة وتقنيات الاسترجاع والاستباق والحوارات الداخلية والخارجية وأحلام النوم واليقظة لتبطيء السرد. وحملت بعض روايات غالب دلالات زمنية في عناوينها، مثل الخماسين والبكاء على الأطلال.
* في كتابك “الأعماق والضفاف: كلام على الشعر والشعراء” (2024) تنقلت من الجاهلية إلى الحداثة ما هي الصفة الجوهرية المشتركة التي وجدتها تربط الشاعر الجاهلي بالشاعر الرقمي المعاصر؟
– الشعر العربي سواء في العصر الجاهلي أم في العصر الحديث، عصر التكنولوجيا الرقمية يخاطب الإنسان عبر العصور، ويعبر عن وجدانه وأفكاره وأحلامه، لكن أبرز الصفات المشتركة بين شعرنا المعاصر والشعر الجاهلي هو الحنين إلى الماضي باعتباره معروفًا لدى الشاعر، وهو مأواه النفسي الذي يلتجئ إليه هربًا من واقعه التراجيدي، والصفة الأخرى المشتركة بين الشعر في العصرين هي استمرار الشاعر المعاصر في جلد نفسه وبني جلدته، حتى إنه يتمنى لو أنه لم يكن بينهم، كما تردد هذا المعنى في شعر الشنفرى.
* تتبعت دراساتك تفكيك “الخطاب الروائي في الأردن” هل يعاني هذا الخطاب من أزمة تسويق عربية أم أزمة تجريب فني داخل النص؟
– يعاني الخطاب الروائي في الأردن كما في البلاد العربية أزمات كثيرة منها ما يتصل بالنقد والروائي نفسه والناشر والسلطة فالخطاب النقدي يعتمد على التناول السطحي والمجاملاتي للأعمال الأدبية، والروائي يعاني من قلق العيش لأنه لا يجني من رواياته غير التعب وربما المضايقات على رزقه، وبات يحلم بالجوائز التي تجعله غنيًا ولو على حساب جودة فنيه واستقلاله. أما الناشر، فلا يهمه غير نشر ما يجلب له المال، حتى ولو كان النص الروائي تافهًا. أما السلطة، فلم تعد تهتم كثيرًا بالروائيين والأدباء، ولا تحرص على تسويق الرواية والتعريف بالروائيين، إلا في نشاطات موسمية معينة أما عن التجريب فلا يكون إلا للتناغم مع ما يريده الآخرون لا مع متطلبان الفن الروائي، الذي يجب أن يعبر بصدق عن الواقع المعايش.
في بداية ظهور الرواية استوردنا الشكل، والآن بعد أن حققنا التقدم في السرد في ثمانينيات القرن الماضي استوردنا الشكل والضمون معًا؛ فصارت الرواية تتحدث عن واقع غير واقعنا، فكثر الحديث عن الشذوذ وعن الجرائم الجنسية والخوارق.
* عندما قمت بجمع وتحليل مادة “الكشاف التراكمي لمجلة تايكي” (المعنية بأدب المرأة) ما هي الميزة البنائية التي تتفوق بها الرواية النسوية الأردنية على الرواية الذكورية؟
– إن الرواية النسائية لا تتفوق على الرواية التي يكتبها الرجل؛ فالروايتان لا فرق بينهما إلا في الموضوع، فالرواية النسائية موضوعها غالبًا علاقة الرجل بالمرأة، وتظهر فيها المرأة شاكية باكية من ظلم الرجل، ونظرته الدونية إليها. كما لا تعالج الرواية النسائية في الأردن مشاكل الواقع بطريقة موضوعية مؤثرة، إنها في الغالب تساير السائد، ولا تخرج عن السرب.
* كتابك “البنية الروائية في رواية الأخدود لـ عبد الرحمن منيف”؛ كيف ترى محاولات الروائيين الجدد لمحاكاة ملحمية “مدن الملح” دون السقوط في فخ التقريرية التاريخية؟
– لا أعرف أن روائيًا حاول أن يكتب ملحمة روائية كما “مدن الملح” في أجزائها الخمسة. أما على الصعيد الشخصي فحاولت أن أكتب رواية ملحمية، فجاءت روايتي “كورونا 19” في ثلاثة أجزاء، ونشرت في مجلد واحد. لا أعدها متأثرة في “مدن الملح” بل كانت نتيجة واقع عايشته في أزمة كورونا 19حين لزمت البيت مدة ثلاثة أشهر. ربما يعود العزوف عن كتابة الرواية الملحمية إلى أن عصرنا عصر السرعة، لا يناسبه غير الأنواع السردية القصيرة، مثل القصة القصيرة، والقصيرة جدًا والرواية القصيرة، والقصيرة جدًا.
* أصدرت مؤخراً كتاب “في فضاء القصة القصيرة والقصيرة جداً” هل ترى أن السرعة الرقمية الحالية جعلت من “القصة القصيرة جداً” (ققج) الفن الأنسب للعصر مقارنة بالرواية؟
– امتدادا للإجابة السابقة أرى أن هذا العصر يناسبه السرد القصير، وليس السرد الطويل، الذي يحتاج إلى تفرغ للقراءة، وإلى وقت طويل في كتابته. صار الإنسان في سرعة من أمره في أكله وشربه ونومه وحركته، ولهذا ربما تعود القصة القصيرة أو القصيرة جدًا أن تحل محل الرواية؛ فلا يتلاءم وهذه الحياة المليئة بالمشاكل والمصاعب غير السرد القصير.
*عند نقدك لقصص أدباء مثل جمعة شنب وزياد أبو لبن ما هو الخيط الرفيع الأدق الذي يفصل بين “الاختزال الفني المبدع” و”الابتسار المشوه للنص”؟
– من الظواهر التي يعانيها الناقد في بعض الأعمال القصصية والروائية ،ظاهرة الإكثار من التفاصيل والشرح التي تبعث الملل في القارئ وتستهين بذكائه .ولعل من الأفضل أن يلجأ الروائي إلى الاهتمام بقمة الجبل الجليدى ،كما يدعو همنجواي .فهذا يوسع من أفق المتلقي ،ويثير شهيته لمواصلة القراءة، ويكون له تأثر جمالي رائع في القارئ، ويعمق فهمه للحياة .أما الابتسار المشوه للنص، فهو تقنية وتحيل النص إلى طلاسم غامضة ترهق عقل القارئ وتدفعه للتوقف عن القراءة ومثل هذا نلاحظه في بعض الروايات في تعجل النهاية واختفاء بعض الأماكن والشخصيات دون مسوغات فنية ،أو موت بعض الشخصيات فجأة لإنهاء مرحلة أو طمس أحداث مهمة. إن الاختزال الفني عامل مهم من عوامل نجاح الرواية، ويظهر قدرة الروائي وبراعته في السرد الفني. أما الابتسار؛ فيدل على ضعف التقنية مما يربك المتلقي ويشتت الناقد.
* كتبت للأطفال “في البيت المهجور” كيف يستطيع ناقد أكاديمي صارم أن يتخلص من “أبوية الأستاذ” ليتحدث بلغة طفل القرن الحادي والعشرين؟
– الطفولة عالم محبب للكاتب؛ لأنه عالم غني بما يوحي من أفكار وأحلام وذكريات، إنه يعلمنا دروسًا في الحياة، كنت أشرت إلى بعضها في مقالة بعنوان “دروس من حفيدتي الصغيرة” لا شك أن مراقبة الأحفاد وتربية الأولاد تثير لدى الأديب الرغبة في الكتابة عن هذا العالم الجميل. إن كاتب الأطفال يستطيع أن يكتب لهم في أي موضوع من الموضوعات حتى السياسية منها، لكن بأسلوب يتناسب مع عقلية الطفل ولغته ومرحلته العمرية التي يمر بعا.
* هل تراجع الاهتمام بأدب الأطفال الورقي في الأردن نتيجة زحف الألعاب الإلكترونية أم بسبب ضعف النصوص المقدمة لهم؟
– لقد تراجع فعلا أدب الأطفال الورقي في الأردن بسبب التكنولوجيا الرقمية، وبخاصة ألعاب الفيديو، حتى إن بعض المؤسسات التعليمية حولت جزءًا من مرافقها لتمارس فيها الألعاب الإلكترونية والنشاطات الترفيهية، وتراجعت ليس الكتب الموجهة للأطفال بل اختفت بعض المجلات التي كانت موجهة إلى عالم الطفولة مثل مجلة براعم عمان التي كانت تصدرها مديرية الثقافة لأمانة عمان الكبرى ، لم يتبق من المجلات غير مجلة” وسام” فما زالت مستمرة في الصدورعن وزارة الثقافة، وفيها مقالات متميزة وأشعار مناسبة للأطفال في مراحل العمر المختلفة.
* كيف يمكن للقصة القصيرة جداً أن تعبر عن قضايا مصيرية كبرى (مثل اللجوء والتحولات السياسية) دون أن تتحول إلى شعارات مباشرة؟
– يمكن لأي نص سواء أكان قصة قصيرة جدا أم رواية أم قصيدة، أو حتى تلك الكتابات الموجهة للأطفال المهم اتباع الأسلوب المناسب. وهذا معروف عند الأدباء منذ القدم فهذا ابن المقفع يكتب في السياسة وانتقاده ولاة الأمر في كتابه كليلة ودمنة الموجه للكبار والصغار. أما عن تحول النص القصصي إلى شعارات؛ فهذا يعود إلى الكاتب وتوجهه الأيديولوجي، ومقدار براعته وموهبته الأدبية.
* جمعت بين التدريس في “كلية الهندسة التكنولوجية” (بيئة علمية بحتة) وتدريس اللغة العربية كيف أثرت هذه البيئة التقنية على هندسة البناء الفني في رواياتك؟
– لا شك أن التدريس في جامعة البلقاء التطبيقية وفي كلية الهندسة التكنولوجية التابعة لها، قد أفادني كثيرًا في إبداعي الروائي حتى إني كتبت أثناء عملي رواية “الغياب”، ونشرت على حلقات في جريدة” الرأي” الأردنية. ثم إن شخصيات كثيرة من زملائي وطلابي وظفتها في رواياتي التي كتبتها في هذه المرحلة، كما في رواية حبيباتي الثلاث وغيوم على الشيخ جراح وحب على قائمة الاحتياط. كما أن البيئة العلمية في الكلية التي عملت فيها، ساهمت في توجهي نحو تقديم الحقيقة الواقعية في صورة أدبية، ربما أكثر صدقًا وجمالًا. ولا يغيب عنا أن الرواية، إنما تحاكي البحث في أعماق المجتمع والنفس. وهذا صميم ما يحث عليه العلم ضمن هذه البيئة العلمية، وهذا ما ظهر في رواية “حبيباتي الثلاث” ،حين صار بطل الرواية يبحث عن أمه ويجمع المعلومات عنها ليعرف الحقيقة.
* كتبت لسنوات كمقالتي غير متفرغ في “الرأي” و*”الدستور”* كيف يحمي الكاتب لغته الأدبية الرفيعة من الانزلاق إلى لغة الصحافة اليومية الاستهلاكية؟
– إن تجربة كتابة المقال الأسبوعي في جريدة الدستور والكتابات السابقة في الرأي مكنتني، كما أرى من الوصول إلى موضوعات لكتابة الرواية .ثم إن الكتابة في الصحف، ليست بعيدة في لغتها وأحداثها عن عالم الرواية الذي يقوم على التنوع الكلامي ،كما يرى باختين ،ويتسع لتقنيات الصحافة من مونتاج وكولاج ولغة خاصة. .لا شك أن كل جنس من أجناس الكتابة له أجواؤه ولغته وطريقته الخاصة في التناول ،فلا يقوم الفن الروائي على الفوضى ،بل على النظام والتناسق.
* في معالجاتك لأزمة صناعة الكتاب وأزمة القراءة في مجتمعاتنا هل تقع المسؤولية الكبرى على السياسات التعليمية في المدارس أم على غياب القدوة الثقافية؟
– تراجعت صناعة الكتاب بسبب غزو التكنولوجيا الرقمية، ووجود كثير من الكتب المقدمة مجانًا على الانترنت. والناشر لا يجازف بنشر كتاب إلا إذا ضمن الربح من البداية. لهذا، فهو لا ينشر غير الكتب المدعوم نشرها من وزارة الثقافة، أو تلك المقررة أكاديميًا، لأنه يضمن بيعها لطلاب الجامعة. كما قد ينشر الكتب التي يشارك الأديب بجزء من تكاليف نشرها، وهذا الجزء في الحقيقة تكاليف النشر وجزءا من الربح، لأنه لا يطبع من الكتاب إلا عددًا محدودًا من النسخ حسب الطلب، كما أن الناشر مع ذلك يجعل الأديب يتنازل عن حقوقه كلها، مقابل نسخ قليلة يهديها لأصدقائه ويكون له نصف أية جائزة يحصل عليها الكتاب.
إن الناشر خاصة إذا كان من الأدباء الكتبة يعرف من أين تؤكل كتف زميله، فهو يعرف أنه عاجز ماليًا ولكن مكمن ضعفه رغبته الجارفة ليرى إبداعه النور. لا تسأل ناشرًا عن حال النشر إلا ويقول لك خسرانة، ولكن واقعه يقول غير ذلك. هذا الواقع لصناعة الكتاب فاقم من أزمة القراءة، كما أن وسائل التواصل الاجتماعي جعلت الناس يعزفون عن الكتاب إلى مقاطع الفيديو وكتابة الرسائل القصيرة والثرثرة. كما أن المدارس بأنظمتها ومناهجها وبعض معلميها، لا تشجع على القراءة حتى قراءة الكتب المدرسية التي قررتها، وكذلك مصاعب الحياة ومشاكلها الاقتصادية والصحية والمناخية والسياسية. أبعدت الناس عن القراءة ولم تعد الأم تقرأ لأولادها لإنشغالها بعمل البيت ومواجهة مشاكلها مع الزوج ومع الجارات، ومشاهدة الواتس والفيس بوك. إننا في عصر السيولة والتفاهة والضياع أيها الأصدقاء.
* بصفتك عضواً مؤسساً في “جمعية النقاد الأردنيين” ما هو المشروع النقدي التأسيسي الذي حلمت به الجمعية ولم يخرج إلى النور حتى الآن؟
كنت أحلم في أن يكون للجمعية مقر خاص بها مثل كثير من الجمعيات والروابط وأن يتنامى النقد في بلدنا ويكون له تأثير في الواقع الثقافي ويتمكن كل ناقد من نشر ما يكتبه وتسويقه من قبل الجمعية، وشاركني في هذه الأحلام الصديق المرحوم عبد الله رضوان الذي نهض بعبء تأسيس الجمعية فهو أكثر معرفة مني بالنقاد والأدباء بحكم مسؤوليته عن الدائرة الثقافية في أمانة عمان الكبرى وعمله السابق في وزارة الثقافة. لكن جرت الرياح بما لا تشتهي السفن فما زال الواقع على حاله منذ تأسيس الجمعية ومنذ كتابة مقالي” جمعية النقاد الأردنيين: الوجود والعدم”
* بعد هذه المسيرة الطويلة بين النقد الإبداعي وسرد الرواية إذا وُضعت في موقف يخيرك فيه التاريخ بين أن تُذكر كـ “ناقد فكك نصوص الآخرين” أو “روائي خلد نصه الخاص” ماذا تختار؟
إن الكاتب هو مجموع إنجازاته كلها؛ فأنا مجموع ما كتبت من رواية وقصة قصيرة وقصيرة جدًا ومسرحية ومقالة وشعر وأدب للأطفال. إنني على يقين بأن التاريخ هو الذي سوف يضعني في المكان الذي يراه مناسبًا، لكن إذا خيرت أضع نفسي في طابور الروائيين دون تخل عن الأجناس الأخرى التي رافقتني حتى في كتابة الرواية. فلا تخلو رواية كتبتها من جنس أدبي كتبت فيه، ففي رواية “سوق الإرهاب”، ترى المسرحية. وفي “كورونا 19” القصة القصيرة وفي “وجع الفراشة” الشعر وفي “غيوم على الشيخ جراح” مسرحية للأطفال.