الاستاذ الدكتور
رزكار حمة رحيم بينجويني
تمثل سيادة القانون إحدى الركائز الكبرى التي قامت عليها فكرة الدولة الحديثة، فهي ليست مجرد قاعدة فنية لتنظيم عمل المؤسسات، بل فلسفة متكاملة تحدد العلاقة بين السلطة والإنسان، وبين الحاكم والمحكوم، وبين القوة والشرعية. فالدولة لا تصبح دولة قانون لمجرد امتلاكها دستوراً أو قوانين مكتوبة، وإنما تصبح كذلك عندما تخضع سلطاتها ومؤسساتها وموظفوها للقواعد نفسها التي تطالب المواطن باحترامها. ومن هنا فإن القيمة الحقيقية لسيادة القانون تظهر حين يصبح القانون قيداً على السلطة قبل أن يكون أمراً موجهاً إلى الأفراد، وحين لا تستطيع الدولة أن تستعمل قوتها إلا في الحدود التي رسمها الدستور والقانون.
إن السلطة بطبيعتها تميل إلى الاتساع، والقانون بطبيعته يسعى إلى وضع الحدود. وهذه العلاقة لا تعني أن القانون عدو للسلطة، بل إن القانون هو الذي يمنح السلطة شرعيتها ويحولها من مجرد قدرة على الأمر والإكراه إلى اختصاص مشروع يمارس باسم المجتمع ولخدمته. فالفرق بين السلطة القانونية والقوة المجردة أن الأولى تعرف مصدرها وحدودها وغايتها، بينما الثانية قد تتحرك وفق الإرادة والمصلحة الآنية. ولذلك كانت سيادة القانون من أهم الإنجازات الحضارية؛ لأنها نقلت المجتمع من حكم الأشخاص إلى حكم القواعد، ومن فكرة أن إرادة الحاكم هي القانون إلى فكرة أن الحاكم نفسه يخضع للقانون.
وفي الدولة الحديثة لا يكفي أن تكون القوانين موجودة، بل يجب أن تتصف بالوضوح والاستقرار والعمومية وإمكان التنبؤ. فالمواطن يحتاج إلى أن يعرف حقوقه وواجباته، والمستثمر يحتاج إلى بيئة قانونية مستقرة، والموظف العام يحتاج إلى معرفة حدود صلاحياته، والقاضي يحتاج إلى نصوص يستطيع تطبيقها باستقلال وحياد. وعندما تتغير القواعد بصورة مفاجئة أو تطبق بطريقة انتقائية، تتراجع الثقة بالدولة مهما كان عدد القوانين الصادرة عنها. فسيادة القانون لا تقاس بكثرة التشريعات، وإنما بقدرتها على إنتاج العدالة والاستقرار والمساواة.
ويأتي مبدأ المشروعية في قلب هذه الفلسفة، إذ يقتضي أن تكون جميع أعمال الإدارة مستندة إلى القانون ومتوافقة معه. فالقرار الإداري، مهما كانت أهميته، لا يكتسب حصانة لمجرد صدوره عن جهة رسمية؛ بل يمكن أن يخضع للرقابة وأن يلغى أو يرتب مسؤولية إذا تجاوزت الإدارة اختصاصها أو أساءت استعمال سلطتها. وهنا تظهر أهمية القضاء الإداري بوصفه أحد أهم الحواجز التي تمنع تحول الامتيازات الممنوحة للإدارة إلى أدوات للتعسف. فالمواطن الذي يستطيع أن يقف أمام القضاء في مواجهة جهة إدارية قوية، ويحصل على حكم يعيد إليه حقه، يشاهد سيادة القانون وهي تتحول من نظرية إلى حقيقة.
وتتصل سيادة القانون اتصالاً وثيقاً بمبدأ الفصل بين السلطات. فإذا اجتمعت سلطة التشريع والتنفيذ والرقابة والقضاء في يد واحدة، أصبح من الصعب الحديث عن قيود حقيقية على السلطة. أما توزيع الاختصاصات وإقامة الرقابة المتبادلة فيمنع احتكار القرار ويخلق توازناً مؤسسياً. وليس المقصود بالفصل بين السلطات إقامة جدران مطلقة بينها، وإنما منع الهيمنة وضمان أن تمتلك كل سلطة حدوداً دستورية وآليات يمكن من خلالها مساءلتها. فالقوة التي لا تواجه رقابة تميل إلى التوسع، أما القوة التي تعرف أنها ستُسأل عن قراراتها فإنها تصبح أكثر حذراً واحتراماً للقانون.
ويعد استقلال القضاء الاختبار الأكثر وضوحاً لجدية الدولة في تبني سيادة القانون. فالقاضي لا يستطيع حماية الحقوق إذا كان يخشى السلطة التنفيذية أو الضغوط السياسية أو المصالح الاقتصادية والاجتماعية. واستقلال القضاء لا يعني انفصال القاضي عن المجتمع أو غياب المساءلة، وإنما يعني أن يكون حكمه نتاج القانون والضمير القضائي والأدلة، لا نتاج التعليمات أو النفوذ. وكلما شعر المواطن أن المحكمة تستطيع أن تحكم له ولو كان خصمه جهة نافذة، ازدادت ثقته بالدولة ومؤسساتها.
كما أن مبدأ المساواة أمام القانون يشكل الوجه الأخلاقي لسيادة القانون. فالقانون يفقد هيبته عندما يكون صارماً على الضعيف ومرناً أمام القوي، أو عندما تختلف نتائجه باختلاف المكانة والنفوذ. والمساواة لا تعني تجاهل الفروق الموضوعية بين الحالات، وإنما تعني أن الحالات المتشابهة تعامل وفق معايير متشابهة، وأن أي تمييز يحتاج إلى أساس قانوني مشروع. إن أخطر ما يمكن أن يصيب النظام القانوني هو أن يقتنع المواطن بأن العلاقات الشخصية أو النفوذ أقوى من النص؛ لأن هذه القناعة لا تهدم الثقة بالقانون فقط، بل تدفع المجتمع تدريجياً إلى البحث عن الحماية خارج مؤسسات الدولة.
ومن الأمثلة العملية على سيادة القانون أن تتخذ إدارة محلية قراراً بإزالة عقار أو إغلاق مشروع بحجة المصلحة العامة. فالمصلحة العامة هدف مشروع، لكنها لا تمنح الإدارة حرية مطلقة؛ إذ يجب أن يكون القرار صادراً عن جهة مختصة، ومستنداً إلى سبب قانوني، ومتبعاً للإجراءات المقررة، ومتوافقاً مع مبدأ التناسب، مع توفير طريق للطعن أمام القضاء. فإذا استطاع المواطن مراجعة القرار والحصول على إنصاف عند ثبوت التعسف، فإن الدولة لا تكون قد أضعفت إدارتها، بل تكون قد أثبتت قوتها القانونية.
وتبرز أهمية سيادة القانون بصورة أكبر في حالات الأزمات والطوارئ. فالدولة قد تواجه الإرهاب أو الكوارث أو الاضطرابات أو أخطاراً استثنائية تتطلب إجراءات سريعة، لكن الاستثناء لا ينبغي أن يتحول إلى قاعدة دائمة. فالسلطات الاستثنائية تحتاج إلى أساس قانوني واضح، ومدة محددة، ورقابة فعالة، وضرورة وتناسب بين الإجراء والخطر. إن قوة الدولة لا تظهر في قدرتها على تعليق الضمانات كلما واجهت أزمة، بل في قدرتها على حماية أمنها مع المحافظة على جوهر الحقوق والمؤسسات.
وفي مجال مكافحة الفساد، لا يمكن فصل سيادة القانون عن الشفافية والمساءلة. فالفساد ليس مجرد استيلاء على المال العام، بل هو في جوهره انتهاك لمبدأ المساواة وتحويل للوظيفة العامة من خدمة للمجتمع إلى وسيلة لمنفعة خاصة. وعندما تخضع العقود العامة والإنفاق والتعيينات والقرارات للرقابة والمعايير الواضحة، تضيق مساحة المحاباة. أما حين تصبح الإجراءات غامضة والمعلومات محجوبة والمساءلة انتقائية، فإن القانون يفقد قدرته على حماية المصلحة العامة.
وتؤدي سيادة القانون أيضاً دوراً اقتصادياً بالغ الأهمية. فالاستثمار والتنمية لا يحتاجان فقط إلى رأس المال والأسواق، بل يحتاجان إلى قضاء موثوق وعقود قابلة للإنفاذ وملكية محمية وقرارات إدارية يمكن توقعها والطعن فيها. فالمستثمر، سواء كان وطنياً أم أجنبياً، لا يخشى المنافسة بقدر ما يخشى عدم اليقين القانوني. ومن ثم فإن بناء دولة القانون ليس مشروعاً حقوقياً وسياسياً فحسب، بل هو جزء من بناء الاقتصاد المستدام؛ لأن الثقة القانونية تقلل المخاطر وتساعد على توجيه الموارد نحو الإنتاج بدلاً من البحث عن النفوذ والحماية.
ومع التحول الرقمي ظهرت تحديات جديدة أمام هذا المبدأ. فالقرارات الإدارية قد تعتمد بصورة متزايدة على البيانات والخوارزميات والذكاء الاصطناعي، الأمر الذي يثير سؤالاً مهماً: كيف يخضع القرار الآلي للقانون؟ فإذا رفض نظام إلكتروني طلب مواطن أو صنفه بطريقة تؤثر في حق من حقوقه، فلا ينبغي أن تتحول الخوارزمية إلى سلطة غامضة لا يمكن مساءلتها. يجب أن تبقى الإدارة مسؤولة عن القرار، وأن تتوافر ضمانات للشفافية والتظلم والمراجعة وحماية البيانات الشخصية. فالدولة الرقمية يجب أن تكون أكثر خضوعاً للقانون، لا أقل.
ولا تتحقق سيادة القانون بالقضاء والتشريع وحدهما، بل تحتاج إلى ثقافة عامة تؤمن بأن احترام القواعد ليس ضعفاً وأن تجاوز الإجراءات بحجة السرعة قد ينتج مشكلات أكبر من تلك التي أراد حلها. فالموظف الذي يرفض أمراً غير مشروع، والمسؤول الذي يقبل رقابة القضاء، والمواطن الذي يلجأ إلى المؤسسات بدلاً من الانتقام الشخصي، والصحافة التي تكشف الخلل ضمن حدود القانون، جميعهم يشاركون في بناء ثقافة سيادة القانون. ولذلك فإن التربية القانونية والوعي بالحقوق والواجبات عنصران أساسيان في استدامة الدولة الحديثة.
كما ينبغي التمييز بين حكم القانون وحكم بالقانون. فقد تستخدم السلطة القوانين بوصفها أدوات لإدارة المجتمع وفرض النظام، لكن ذلك لا يكفي لتحقيق سيادة القانون إذا كانت تستطيع تعديل القواعد أو تطبيقها انتقائياً لتأمين مصالحها. حكم القانون الحقيقي يفترض وجود مبادئ أعلى تحمي الحقوق، وإجراءات عادلة، وقضاء مستقل، ورقابة دستورية، وإمكان مساءلة أصحاب السلطة. فالقانون لا يكتسب عدالته من مجرد صدوره، وإنما من انسجامه مع الدستور والحقوق الأساسية ومبادئ الشرعية.
إن الدولة القوية في المفهوم الحديث ليست الدولة التي لا يستطيع المواطن الاعتراض عليها، بل الدولة التي تمتلك مؤسسات قادرة على استيعاب الاعتراض ومعالجته قانونياً. وليست هي الدولة التي لا تلغي محاكمها قرارات الإدارة، بل الدولة التي تنفذ أحكام القضاء حتى عندما تكون ضد إحدى مؤسساتها. فتنفيذ حكم قضائي على جهة حكومية لا يمثل هزيمة للدولة؛ بل يمثل انتصاراً لفكرة الدولة نفسها، لأن المؤسسة تعترف بأن الشرعية أعلى من إرادتها المؤقتة.
ومن هنا فإن العلاقة بين السلطة والقانون ليست علاقة صراع صفري، بل علاقة بناء متبادل. القانون يمنح السلطة الشرعية، والسلطة تمنح القانون القدرة على التنفيذ. وإذا انفصل أحدهما عن الآخر ظهرت مشكلتان متعاكستان: قانون بلا قدرة يصبح مجرد نصوص مثالية، وسلطة بلا قانون تتحول إلى تعسف. والدولة الحديثة الناجحة هي التي تحقق التوازن بين الفاعلية والمشروعية؛ فتستطيع اتخاذ القرار وإنجاز الأعمال وحماية الأمن، وفي الوقت نفسه تحترم الحقوق والاختصاصات والإجراءات.
وفي المحصلة، فإن سيادة القانون ليست شعاراً دستورياً يكتب في مقدمات القوانين، بل ممارسة يومية تبدأ من أعلى هرم السلطة وتمتد إلى أصغر وحدة إدارية. وهي لا تُختبر عندما يكون احترام القانون سهلاً ومتوافقاً مع مصلحة السلطة، بل تُختبر عندما يضع القانون حداً أمام رغبة المسؤول أو يقرر القضاء حقاً لمواطن في مواجهة الإدارة. في تلك اللحظة يتضح ما إذا كانت الدولة تحكم بالقانون حقاً أم تستخدم القانون عندما يناسبها. إن أعظم تحول في تاريخ السلطة لم يكن انتقالها من حاكم إلى آخر، بل انتقالها من كونها إرادة فوق المجتمع إلى وظيفة مقيدة بقواعد المجتمع. وعندما تصبح السلطة خاضعة للقانون لا تفقد الدولة هيبتها، بل تكتسب هيبة أعمق؛ لأن المواطن لا يعود يحترمها خوفاً من قوتها فقط، وإنما يثق بها لإيمانه بأن قوتها نفسها لها حدود. وهذه هي فلسفة دولة القانون: أن يكون القانون أقوى من الأشخاص، والحق أبقى من المناصب، والمؤسسة أكبر من شاغليها، وأن تظل السلطة، مهما عظمت، خادمة للشرعية لا سيدة عليها.