الاستاذ الدكتور
فكري عزيز حمد السورجي
تُعدّ العدالة الدولية واحدة من أكثر الأفكار نبلاً وتعقيداً في بنية القانون الدولي المعاصر، فهي تمثل الوعد الذي قطعه المجتمع الدولي على نفسه بأن تكون العلاقات بين الدول محكومة بالقانون لا بمنطق الغلبة، وأن تكون الحقوق والالتزامات متساوية من حيث الأصل مهما اختلفت أحجام الدول وقوتها وثرواتها ونفوذها. غير أن المسافة بين النص القانوني والواقع السياسي ما تزال واسعة؛ فالقانون الدولي يعلن المساواة في السيادة، ويحظر استخدام القوة أو التهديد بها، ويؤكد احترام حقوق الإنسان وحماية المدنيين ومساءلة مرتكبي الجرائم الدولية، بينما يكشف الواقع في أحيان كثيرة أن تطبيق هذه المبادئ يتأثر بموازين القوة والتحالفات والمصالح الاستراتيجية. ومن هنا تنشأ الإشكالية المركزية: هل العدالة الدولية قيمة قانونية مستقلة قادرة على ضبط السياسة، أم أنها تبقى رهينة قدرة النظام الدولي على تحرير القانون من الانتقائية؟
إن جوهر القانون الدولي لا يقوم على إنكار السياسة، لأن العلاقات الدولية بطبيعتها مجال للمصالح والتنافس والتفاوض، وإنما يقوم على وضع حدود قانونية لهذه السياسة حتى لا تتحول المصلحة إلى مبرر دائم لتجاوز الحقوق. وقد كرّس ميثاق الأمم المتحدة مبدأ المساواة في السيادة بين أعضائها، وربط استخدام القوة بقيود محددة، كما نشأت محاكم وآليات دولية هدفها تحويل المسؤولية من فكرة أخلاقية إلى التزام قانوني. ومع ذلك، فإن وجود النص لا يضمن وحده العدالة؛ إذ تحتاج القاعدة القانونية إلى إرادة للتنفيذ، ومؤسسات تتمتع بالاستقلال، ومعايير تطبق بصورة متقاربة على الحالات المتشابهة. فإذا أصبح تطبيق القانون شديد الارتباط بهوية الدولة أو موقعها في شبكة التحالفات، تراجعت الثقة بالقانون نفسه، حتى لو بقيت نصوصه سليمة من الناحية النظرية.
وتبرز هذه المعضلة بصورة واضحة في قضايا السلم والأمن الدوليين. فمجلس الأمن يمتلك صلاحيات واسعة في مواجهة التهديدات التي تمس السلم، لكن بنيته تعكس أيضاً توازنات القوة التي تشكلت بعد الحرب العالمية الثانية، ولا سيما امتلاك الدول الخمس الدائمة العضوية حق النقض. وقد يكون لهذا النظام تفسير تاريخي وسياسي يتعلق بضمان مشاركة القوى الكبرى في منظومة الأمن الجماعي، إلا أن الإشكال يظهر عندما يؤدي اختلاف المصالح إلى تعطيل استجابة دولية متسقة تجاه أزمات إنسانية أو نزاعات مسلحة متشابهة. عندئذ لا يعود السؤال قانونياً فحسب، بل يصبح سؤالاً عن شرعية النظام الدولي نفسه: كيف يمكن إقناع الشعوب بأن القانون معيار عام إذا كانت القدرة على إنفاذه متفاوتة؟
وتتجلى المشكلة كذلك في مجال العدالة الجنائية الدولية. فقد مثّل إنشاء المحاكم الجنائية الدولية وتطور فكرة المسؤولية الفردية خطوة تاريخية مهمة، لأن الجرائم الكبرى لم تعد تُفهم بوصفها شأناً داخلياً محضاً، ولم يعد المنصب الرسمي من حيث المبدأ حاجزاً أخلاقياً مطلقاً أمام المساءلة. إلا أن العدالة الجنائية الدولية تواجه تحديات تتعلق بالاختصاص والتعاون الدولي وتنفيذ أوامر القبض وتفاوت انضمام الدول إلى الأنظمة القانونية ذات الصلة. وهذا يكشف حقيقة أساسية: المحكمة قد تصدر قراراً قانونياً، لكنها لا تملك دائماً الوسائل السياسية والمادية الكافية لتنفيذه، ولذلك تبقى فعالية العدالة مرتبطة بدرجة تعاون الدول معها. هنا يظهر التوتر بين عالم القانون الذي يفترض عمومية القاعدة، وعالم السياسة الذي تحكمه حسابات السيادة والمصلحة والقوة.
ولا يعني ذلك أن القانون الدولي مجرد غطاء شكلي للمصالح؛ فهذه قراءة تتجاهل ما حققه القانون من تراكم معياري ومؤسسي مهم. فالدول، بما فيها الدول القوية، تبذل جهداً لتبرير مواقفها بلغة قانونية، وهذا بحد ذاته دليل على أن الشرعية القانونية أصبحت عنصراً مؤثراً في العلاقات الدولية. كما أن المحاكم الدولية والهيئات الحقوقية والمنظمات الدولية والمجتمع المدني والإعلام العالمي أسهمت في رفع كلفة الانتهاكات سياسياً وأخلاقياً، وفي توثيق الوقائع وحفظ حقوق الضحايا وإنتاج ذاكرة قانونية يمكن أن تؤثر في المستقبل. وقد لا تأتي العدالة فوراً، لكن توثيق الانتهاك وتسميته وفق قواعد القانون يمنعان في كثير من الحالات تحويل القوة إلى حقيقة مشروعة لمجرد أنها فرضت نفسها على الأرض.
إن أخطر ما يواجه العدالة الدولية ليس غياب النصوص، بل ازدواجية المعايير في تفسيرها أو تنفيذها. فالانتقائية لا تضر الضحية وحدها، وإنما تضعف النظام القانوني كله؛ لأن الثقة هي رأس المال المعنوي لأي منظومة قانونية. عندما يشعر طرف ما بأن القاعدة ستطبق عليه بحزم بينما يجري التساهل مع طرف آخر بسبب النفوذ أو التحالف، تتحول العدالة في الوعي العام من مبدأ عالمي إلى أداة سياسية. وعندئذ يزداد الميل إلى القوة الذاتية والتحالفات المسلحة وسياسات الردع، لأن الدول والجماعات تفقد الثقة بقدرة المؤسسات الدولية على حمايتها. وهكذا تصبح ازدواجية المعايير ليست مشكلة أخلاقية فقط، بل خطراً مباشراً على الأمن الدولي.
ومن الناحية الفلسفية، لا يمكن فهم العدالة الدولية بوصفها مساواة ميكانيكية بين أوضاع مختلفة، وإنما باعتبارها ثباتاً في المعيار القانوني وحياداً في تقييم الوقائع. فقد تختلف التدابير القانونية تبعاً لاختلاف الظروف، لكن الاختلاف يجب أن يستند إلى أسباب قانونية قابلة للتفسير، لا إلى هوية الحليف والخصم. فالعدالة لا تعني أن تكون كل القرارات متطابقة، بل أن تكون القواعد التي تقود إليها قابلة للتطبيق على الجميع. وهذه النقطة هي التي تفصل بين الشرعية القانونية والقرار السياسي المتنكر بلباس القانون.
كما أن موازين المصالح ليست شراً مطلقاً؛ فالتفاوض والتسويات والمصالح المتبادلة أدوات ضرورية لمنع الحروب وإدارة الأزمات. المشكلة تبدأ عندما تصبح المصلحة أعلى من القاعدة، أو عندما يُعاد تفسير القاعدة كل مرة بما يتلاءم مع الطرف الأقوى. القانون الدولي الواقعي والفاعل ليس قانوناً يعيش خارج السياسة، بل قانون يستطيع أن يدخل إلى قلب السياسة ويهذبها ويجعل كلفة تجاوز الحدود القانونية مرتفعة. ولذلك فإن الإصلاح الحقيقي لا يتطلب إلغاء السياسة من النظام الدولي، وهو أمر مستحيل، بل يتطلب تقوية المؤسسات والشفافية والمساءلة وتقليل المساحات التي تسمح بتوظيف القانون بصورة انتقائية.
وتحتاج العدالة الدولية كذلك إلى توسيع حضور الدول المتوسطة والصغيرة في صناعة القواعد والقرارات الدولية، لأن عالم اليوم لم يعد هو عالم منتصف القرن العشرين. فالتغير في توزيع القوة الاقتصادية والديموغرافية والتكنولوجية يفرض نقاشاً جدياً بشأن تمثيل أكثر عدالة وفعالية داخل المؤسسات الدولية. كما أن تعزيز دور القضاء الدولي، واحترام قراراته، وتطوير آليات الوقاية من النزاعات، وتقوية الدبلوماسية متعددة الأطراف، كلها مسارات تساعد على نقل العدالة من مستوى الخطاب إلى مستوى الممارسة.
ومن الأمثلة العملية التي تكشف أهمية هذه الرؤية أن النزاعات المسلحة لا تختبر فقط قدرة الأطراف على تحقيق أهدافها، بل تختبر أيضاً قدرة المجتمع الدولي على استخدام معيار واحد عند تقييم استهداف المدنيين، والتهجير، والحصار، والاحتلال، وجرائم الحرب، بصرف النظر عن هوية الفاعل. وكذلك الحال في العقوبات الاقتصادية؛ فمشروعيتها وضرورتها ينبغي أن تقاسا بأهداف قانونية واضحة وبمبدأ التناسب وبآثارها الإنسانية، لا بمجرد كون الدولة المستهدفة خصماً سياسياً. وفي قضايا اللاجئين وحقوق الإنسان وتقرير المصير، تصبح الحاجة إلى الاتساق أكثر إلحاحاً، لأن أي تمييز غير مبرر يترك أثراً عميقاً في ثقة الشعوب بالنظام الدولي.
وفي النهاية، فإن العدالة الدولية ليست حالة مكتملة، بل مشروع تاريخي دائم الصراع مع منطق القوة. النص القانوني يمنح المجتمع الدولي معياراً يقيس به السلوك، لكنه لا يستطيع وحده منع الانتهاك؛ والسياسة تستطيع تعطيل العدالة فترة من الزمن، لكنها لا تستطيع بسهولة إلغاء الحاجة إليها. وكلما ازدادت الهوة بين النص والممارسة، ضعفت شرعية المؤسسات الدولية، وكلما اقتربت الممارسة من عمومية القاعدة ازدادت قوة القانون حتى على الدول الأكثر نفوذاً. لذلك فإن مستقبل النظام الدولي لا يتوقف فقط على إنتاج معاهدات وقواعد جديدة، بل على بناء إرادة دولية تجعل القاعدة الواحدة قابلة للتطبيق على القوي والضعيف معاً. فالعدالة التي تتغير بتغير أسماء الأطراف ليست عدالة، والقانون الذي يُستدعى عند الحاجة ويُهمَل عند تعارضه مع المصالح يفقد وظيفته الحضارية. أما النظام الدولي الأكثر استقراراً فهو ذلك الذي يدرك أن القوة قد تصنع واقعاً مؤقتاً، لكن العدالة وحدها هي التي تمنح هذا الواقع شرعية قابلة للاستمرار.