في بيت طاغور وأضواء على سيرته وزيارته للعراق 1932

محمد سعيد الطريحي (محرر دائرة المعارف الهندية)*

طاغور شاعر الهند الملهم
«حيث العقل لا يهاب، والرأس مرفوع، وحيث المعرفة حرّة،.
وحيث العالم لم يتبدد بدءاً بالأسوار الداخلية الضيقة،
وحيث تأتي الكلمات من أعماق الحق،
وحيث النضال الذي لا يكلّ يمدّ ذراعيه إلى الكمال،
وحيث نهر العقل الصافي لم يضلّ طريقه في الصحراء الرملية الجرداء للحياة الميتة،
وحيث ينقاد العقل بك أنت إلى الفكر الأوسع والعمل الأفسح…».(طاغور: جيتانجالي).

وأنا أقرأ هذا المقطع من إيحاءات طاغور لا أقنع بما أعرف من شعره، كما هو الحال مع أشعار الشعراء الحكماء (سعدي وحافظ ومولانا وغالب مثالًا..)، لكني أحاول دائماً أن أبحث في مضامين ما يضمرونه من المعاني الباطنية، وانقّب فيما بين الكلمات لأستشف الروح المهيمنة على حروفها.. أنطق المفردات المنتظمة عندما تبدو لأول وهلة صامتة.. وأعيش مع شعره، في متعة يتضاءل أمامها كل جهد لمحاولة فهمه.. وسبر أغواره.
طاغور، نزعة إنسانية، سمت فوق الأوطان والأجناس، وتجرَّدت من التعصب للمعتقدات أو الأعراق أو اللغات.. حب للأهل والوطن والناس والعالم.. مواطن هندي وعالمي في الوقت ذاته.. انتسب للهند ــ ولكن هذا النسب لم يمنعه من أن ينتسب للعالم كله.. وللإنسانية جمعاء.
تعلمتُ منه أنّ الذي يحب، يصبح العالم كله وطنه وقد لا يسعه كل من في العالم، لأنه على يقين من أنه يملك العالم كله.. فهو لا يريد منه شيئاً، لهذا يكتفي بحبه. وبهذا غذوت روحي منذ بواكير حياتي وأنا أطأ تراب الهند، فاستروحت أنفاسي عندها واقتبست من أنوارها ما بصّرني بمعنى الحب الواسع الذي ينتظم الكون بأسره.
تمضي الأيام والسنون، ويبقى اسم الشاعر الهندي المُلْهَمروبندرونات طاغور (1861-1941م) خالداً على مر الزمان. وذكرى للأدب الرفيع والشعر الرائع، والحياة المشرقة المتفائلة. أبداً لن يغيب اسمه، بعد أن حفره صاحبه، على جبين الزمن،  بالفكر والاجتهاد والكفاح.. بالشعر والدعوة الى المحبة والتسامح والسلام. ولأنه أحب، فقد عرف قلبه الحب الصادق فالي أوحى له بأجمل وأرق الأشعار فعاش يغني بلبلاً بين الورود، والذي يحب يغني للحب، وللحياة.. للناس.. للعالم، والطبيعة، والزهور، والذي يحب، العالم كله وطنه وقد لا يسعه كل من في العالم، لأنه على يقين من أنه يملك العالم كله.. فهو لا يريد منه شيئاً، لهذا يكتفي بحبه.
جذبتني كلمات طاغور المشبوبة بالنزعة الكلية إلى الحب والسلام وحملتني على طائر الشوق من الكوفة الى الهند لكي أكون ضيفاً في بيته الذي عاش فيه وغنى أعذب ألحانه الشعرية ورسم أجمل لوحاته السحرية.
في كلكته
خلال زيارة خاصة الى الهند في ثمانينيات القرن الماضي وبدعوة كريمة من الحكومة الهندية، زرت الكثير من الحواضر الهندية، وكانت زيارة مدينة كلكتاأو كولكاتا (Kolkata كما يُطلق عليها الآن(، شعرتُ فيها أن تعرُّفي على هذه المدينة البنغالية الكبرى،الغنية بتراثها وآدابها ومعارفها لها طعم خاص لما لها من صلة بدراساتي عن إمارة أودة التي قضى الإنكليز على آخر امرائها واختاروا له مدينة (كلكته) مقراً له ليبقى قيد مراقبتهم فأقام فيها واسرته الخاصة وبقي الى وفاته، وورثت اسرته ما كان يملك ومن بينها وثائق الامارة العظيمة وعاصمتها الرائعة (لكنو)، وكانت الفرصة التي اغتنمتها بلقاء آخر أحفاد ملوك أود.

محمد سعيد الطريحي محاوراً مدير متحف طاغور 1989م

 

بيت طاغور

ومن بين امنياتي الأخرى التي تحققت خلال هذه الرحلة زيارة المنزل الذي عاش فيه الشاعر والمفكر البنغالي الشهير روبندرونات طاغور حيث تيسَّر لي الالمام عن قرب ومشاهدة، بتاريخ المنزل والأحداث التي شهدها ومجمل الأنشطة التي كان يمارسها الشاعر الكبير والاطلاع على ما فيه من المحتويات التي بقيت على وضعها بعد وفاته بفضل صيانة الدولةلها والحفاظ عليها وقد سعدت بحسن الاستقبال واللقاء بأحد أقاربه، إضافة الى المحاورة المفيدة التي أجريتها مع السيد Samr. N. Bhowmik مدير بيتطاغور أو متحفه كما في الاسم الرسمي (The Rabindra Bharati Museum) والذي أُطلق عليه عام 1962م.
أمدّتني الزيارة بمعلومات جديدة تتعلق بالإنسان العبقري الذي أُعجبت بعلمه وأدبه منذ الصبا، فازدادت معرفتي به رسوخاً وفتحت آفاقاً أكبر مع بهجة نفسية ساورتني وأنا أتقصى هذا الأثر الجميل الذي ترفرف بين أجوائه روحانية شخصية روبندرونات طاغور الفذة والمتفردة في عالم الأدب والثقافة الشرقية الرصينة. وأول عبقري غير أوروبي حائز على جائزة نوبل في الأدب.
انه البيت الضخم القديم الواسع الأكناف الذي سكنه أسلافه قبله (ومعظمهم من كبار الأثرياء والادباء والفنانين)، ممن حافظوا على تراث الاسرة وأعطوا للمنزل التاريخي العريق قيمته الفريدة من نوعها ثم أخذت الأجيال المتعاقبة من أبناء الاسرة والمقيمة في هذا البيت، على عاتقها مهمة تطوير وتنويع الثقافة الهندية من خلال استيعاب ما هو جيد في الثقافة الغربية والاحتفاظ بالعناصر الجيدة لثقافتهم الخاصة وهذا ساهموا في عملية تجديد الثقافة الهندية. فكان بيت أُسرة طاغوربكلكتة هو الرائد في حركات التصنيع، والنهوض بالمرأة، والقومية وإثراء الثقافة الهندية بشكل عام من خلال مساهمات كبيرة من جانب آل طاغور في تجديد الحضارة الهندية وساعد في توجيهها إلى المسار الصحيح.
ولما كان شاعرنا طاغور قد ورث كل ما هو نبيل وعزيز في عائلته مثلما ورث هذا البيت بعد أن ولد فيه وقضى بين جنباته شطرًا كبيرًا من حياته ونفث فيه أنفاسه الأخيرةبتاريخ 7 أغسطس 1941. فإحياءاً لذكراه تمَّ ترميم المنزل ليعكس الطريقة التي عاش بها الشاعر وعائلته، حيث تحول الى متحف يحكي حياة الرجل وطبيعة معيشته، ويقدم معاينات حضورية حول تاريخ عائلته بما في ذلك مشاركتها في عصر النهضة البنغال ونشر عقيدة براهموساماج ” Brahmo Samaj واعتادت ادارته تنظيم عدة مهرجانات وندوات ثقافية وأدبية وفنية تستقطب في كل عام الآلاف من المتابعين في داخل الهند وخارجها. وحيث يقع المنزل (المتحف) حاليًا في حرم جامعة رابندرابهاراتي بجوراسانكو Jorasanko ، المعروفة باسم “ثاكورباري “Thakurbari””.

عائلة طاغور ومنزلتها في البنغال ودورها في الرقي العلمي والثقافي
وليس من قبيل الصدفة أن يولد رجل عظيم يتمتع بأرقى الصفات الأخلاقية، في أسرة نبيلة أنتجت أعلاماً متميزين في مختلف مجالات الحياة.. توّج ذكرهم العبقري طاغور.
فقد احتل أفراد عائلة طاغور على مدى ثلاثة أجيال متتالية المكانة الإجتماعية والثقافية الرائدة في البنغال، وفي مقدمتهم جده، دواراكانات طاغور Dwarkanath Tagore الذي مكَّنته تعهداته التجارية من جمع ثروة هائلة أنفقها بسخاء على الجمعيات الخيرية والاجتماعية والأنشطة الثقافية التي كان من بيّناتها إقامة الحفلات والاجتماعات التي كان يحضرها نخبة من مثقفي الهند وأبناء الجاليات الأوروبية، وفي طليعتهم الكاتب والفيلسوف الهندي رام موهان روي (1772-1833)، الذيربط نفسه مع جميع الحركات التقدمية في ذلك الوقت،وأسس الهندوسية الروحية الإصلاحية (براهمو سوماجBrahmo Samaj)، أحدى أكثر حركات الإصلاح الديني تأثيراً في المجتمع الهندوسي آنئذ وهما معًا (رام موهانو دواراكانات) مَن أقنعا الحاكم العام آنذاك اللورد ويليمبينتينك General Lord William Bentinck بحظر طقوس التضحية بالنفس من قبل الأرامل الهندوس.
شجع دواراكانات كذلك على انتشار تعليم اللغة الإنجليزية، كما شجّع تدريس النظام الغربي للطب وتحمّل نفقات شابين للتعليم الطبي في المملكة المتحدة. وقطعت جهوده شوطًا طويلاً نحو إقناع الحكومة بإنشاء كلية الطب في كلكتا عام 1835.

جده الأكبر جايرام ولقب العائلة

تبدأ قصة هذا المنزل مع جده الأكبر جايرام Jayram. وكان والده بانشانان الذي هاجر إلى كلكتا من منطقة جيسور Jessore (الآن في بنغلاديش) واستقر في جوبيندابور حيث يقع حصن ويليم Fort William في كلكتا حاليًا. عمل جايرام كمسؤول إيرادات في منطقة Twentyfour Parganas. كان والده أول فرد في العائلة عُرف بلقب طاغور. ويُفترض أن صفاته الأخلاقية نالت له احترامًا كبيرًا من جيرانه الذين بدأوا في مخاطبته باسم  تاكور (طاغور) Thakur وهي تسمية تعني الرجل التقي. وقد تحولت هذه الكلمة البنغالية بمرور السنين إلى “طاغور” على لسان أصدقائه الانجليز وعُرفت العائلة جميعاً بلقب طاغور.
سرعان ما تمَّ تهجير عائلة جايرام من منزل أبيه من قبل شركة الهند الشرقية التي استحوذت على ممتلكاته في جوبيندابور من أجل نقل فورت ويليم بعد معركة بلاسي في عام 1757 من موقعها الأصلي، لذلك تم الحصول على بعض الأراضي في باثورياغاتا في شمال كلكتا على ضفة نهر هوكلي وتم بناء منزل جديد للعائلة.
عُرِف من أبناء جايرام: نيلموني Nilmoni الذي حصل على وظيفة في شركة الهند الشرقية في شيتاكونك، وقيل أنه عمل في تأسيس الشركة في كوتاك Cuttack لفترة طويلة بينما بقي ابنه الثالث دارباناريان في المنزل وجمع ثروة هائلة من خلال الأعمال التجارية والمصرفية. عاد نيلموني بعد التقاعد إلى منزل والده في باثورياغاتاويبدو أنه كان هناك بعض سوء الفهم فيما يتعلق بتقاسم الممتلكات المشتركة بين هذين الأخوين مما دفع نيلمونيلمغادرة المنزل في باثورياغاتا وبناء منزل جديد لفرع عائلته. ويبدو أن الخلاف بينهما قد انتهى بعد ذلك بعد أن تدخل تدخل أصدقاء الأسرة لرأب الصدع وتم تسوية القضية بدفع مبلغ مقطوع لنيلموني.
وتم بناء هذا المنزل الجديد في جوراسانكو على قطعة أرض وضعها تحت تصرفه صديق في الحي، هذه هي الطريقة التي تم بها تأسيس منزل عائلة طاغور أو المتحف الذي نحن بصدده في هذا المقال.
وهو  نفس العام 1784 الذي أسس فيه السير ويليم جونز الجمعية الآسيوية (The Asiatic Society .. وكنت قد زرت هذه المؤسسة العريقة وكتبت هنها في الجزء الثاني من مذكراتي الهندية “الهند العظمى”.

والده دواراكانات طاغور وزعامته لحركة براهمو سوماج

ومن بعده تميّز (والد الشاعر طاغور) ديبندراناث طاغورDebendranath  ابن دواراكانات طاغور Dwarkanath Tagore بكونه زعيم الحركة الدينية في القرن التاسع عشر (براهمو سوماج)، وقاد الحياة الثقافية في البنغال خلال العقود الأربعة الأولى من القرن العشرين الميلادي. ولا عجب أن يكون المنزل الذي عاشوا فيه، قد ظل مركزًا للأنشطة الاجتماعية والثقافية لأكثر من قرن حتى جاءت ساعة المجد مع حصول روبندرونات على جائزة نوبل في عام 1913.
على الرغم من أن روبندروناتRabindranath أمضى الجزء الأكبر من حياته منذ مطلع القرن في سانتينيكيتانSantiniketan حيث أجرى تجارب في التعليم وإعادة الإعمار الريفي، إلا أنه ظل متمسكاً بمنزله العائلة هذا في كلكتا. فخلال زياراته للمدينة، كانت النخبة من المجتمع تأتي إلى هذا المنزل للاستماع إليه أو لحضور الجلسات الثقافية المسلية التي تُقام في ما يعرف بقاعة فيشيترا ” the Vichitra Hall “. وخلال مرضه الأخير تم إحضاره إلى هذا المكان من Santiniketan للتراجع عن عملية جراحية لم ينجو منها.

كتابنا شاغور شاعر الهند المُلهم

كيف آل إرث آل طاغور الى الشاعر روبندرونات

وبالعودة الى ارث آل طاغور فإنَّ نيلمونى Nilmoni(“المذكور” خلّف ثلاثة أبناء كان راملوشان Ramlochanأكبرهم وراموني Rammoni الولد الثانى. والثالث لم يعقب كما لم يكن لراملوشان عقب، وخلف نيلموني ثلاثة أبناء، تزوجوا من أخوات تمشياً مع رغبة زوجته. سمح نيلمونى لابنه الثاني دواراكانات Dwarkanath (جد الشاعر طاغور) بتبنيه من قبل راملوشان Ramlochanفي عام 1799 م، عندما كان عمره خمس سنوات فقط، وفي الواقع، عندما توفيت تركت ابنها بالكاد يبلغ من العمر عامًا، لرعاية أختها ألاكا ديفي Alaka Devi التي رعته منذ طفولته، وهكذا أصبحت زوجة راملوشانRamlochan مثل الأم الحقيقية لابنها بالتبني. تحدث عنها حفيدها ديبندرانات Debendranath (والد الشاعر طاغور) في سيرته الذاتية بأحسن العبارات.

دواراكانات جد طاغور وريادته للعمل الإداري والتجاري
وتأسيسه لبيت طاغور
وحين أسس نيلموني Nilmoni منزل عائلة طاغور في جوراسانكو Jorasanko، فإن دواراكانات هو من أعطاها تميزًا وربح من أجلها أيام ازدهارها المادي الأعظم. كتحضير للدور الكبير الذي لعبه في حياته اللاحقة، لم يتعلم دواراكانات اللغتين العربية والفارسية فحسب، (كان تعلم هذين اللغتين مهماً للمثقفين في حينه) بل تعلم أيضًا دروسًا في اللغة الإنجليزية في مدرسة يديرها شيربورنSherbourne. ومع ذلك ، كان حريصًا جدًا على اكتساب إتقان كافٍ للغة الإنجليزية ، ولذلك رتَّب لأخذ الدروس بشكل خاص من العديد من الإنجليز، استعداداً لحياة أفضل من الاتصال الوثيق والتعاون النشط مع شركة الهند الشرقية والتجار من المملكة المتحدة. بدأ حياته بصفته Sheristadar (مصطلح تاريخي هندي- فارسي يُقصد به الكاتب الأول، أو مسجل المحكمة). وقد أثارت مواهبه إعجاب كبار الموظفين فحصل على ترقية سريعة لشغل منصب ديوان مجلس الجمارك والملح والأفيون. وفي نفس الوقت، فتح عملًا مصرفيًا مكّنه من تكوين ثروة كبيرة وأيضًا شراء بعض الاقطاعيات الزراعية في شمال البنغال، لكنه سرعان ما اكتشف أن المنصب الذي شغله في شركة الهند الشرقية لم يسمح له بنطاق كامل ممارسة حريته الكاملة ومواهبه المختلفة في الأعمال التجارية
وعلاوة على ذلك، أدّى تغيير السياسة الذي بدأتها الحكومة في المملكة المتحدة في عام 1833 إلى فتح فرص جديدة للشركات التجارية. وتم سحب حق التجارة والأعمال في الهند لفترة طويلة من قبل شركة الهند الشرقية مما أدى إلى فتح مجال جديد للمؤسسات الخاصة. فعزم دواراكانات على الاستفادة الكاملة من هذا التطور الإيجابي لتجربة مواهبه في المشاريع التجارية. لهذا استقال من منصبه عام 1834 فقبلت السلطات استقالته على مضض، وعلى الفور بدأ سلسلة من المشاريع التجارية بالتعاون مع التجار الإنجليز. فأسس شركة كار طاغور Carr Tagore Company في نفس العام. وفي عام 1837 افتتح فرعاً للعمل في النقل النهري من خلال الملاحة البخارية. وفي عام 1841 أسس شركة البنغال للفحم لاستخراج الفحم في منطقة رانيغانج. وافتتح شركة البنغال للفحم لصناعة الفحم في البلاد. وأسس بنك الاتحاد Union Bank حتى قبل أن يستقيل من مكتبه في شركة الهند الشرقية برأس مال قدره روبية. 16 لاك في عام 1829. وهكذا كان رائدا في بعض أنواع الأعمال التجارية والمشاريع التجارية الجديدة.

وفاة دواراكانات
بعد أحداث كثيرة شهدتها حياة جد الشاعر طاغور، زار دواراكانات أوروبا مرتين، مرة في عام 1842 ومرة أخرى في عام 1845. وخلال زيارته الثانية مرض وتوفي في إنجلترا في الأول من أغسطس عام 1846. وفي إشارة إلى وفاته المبكرة. نوَّهت صحيفة لندن تايمز، بمنشآته من المؤسسات النبيلة المزدهرة في كلكتا.
لم تكن وفاة دواراكانات المفاجئة بعيدًا عن المنزل في إنجلترا في سن مبكرة نسبيًا تبلغ 52 عامًا صدمة كبيرة للعائلة فحسب، بل كانت مسؤولة بشكل غير مباشر عن الأزمة المالية الكبيرة التي واجهتها بعد فترة وجيزة. في حين أن تعدد استخداماته وفطنته في المشاريع التجارية قد حققوا ثروة هائلة للعائلة، ومع وفاته ، فشلت الشركات المختلفة التي أنشأها في تأمين نجاحات جديرة بالاهتمام، كما هو الحال مع شركة كار طاغور في عام 1848. مثلما فشل بنك الاتحاد فتم تصفية شركة كار طاغور كما تم الاستيلاء على أصول العائلة لتلبية مطالب الدائنين، ولكن بفضل بصيرة دواراكانات في تحرير أنظمة شركاته وأملاكه في حياته، أُمكن إنقاذ بعض العقارات المؤجرة من هذا الانهيار المالي. فقبل مغادرته إلى المملكة المتحدة ، كان قد أنشأ صندوقًا يضم أربع عقارات في صيغة قانونية لا تتيح لأحد حق بيعها أو ما الى ذلك بما يشبه صيغة الوقف بما يضمن حمايتها من مطالبات الدائنين، ومع ذلك، أظهر ابنه الأكبر ديبندرانات، الذي أصبح فيما بعد ربّ الأسرة، إحساسًا نادرًا بالمسؤولية الأخلاقية من خلال تقديم دخل هذه العقارات طواعية من أجل تصفية ديون الأسرة بعد توفير بدل صغير مخصص لإعالة الأسرة. ومن خلال ممارسة التوفير الشديد، كان قادرًا في النهاية على تصفية الديون وعندما أصبحت أرباح ممتلكات الأرض بالكامل متاحة للعائلة، أُمكن لها أن تعيش بشكل مريح دون أن تكون ثرية.

تسوية ملكية البيت للشاعر طاغور
أما منزل (طاغور) في جوراسانكو فقد ورثه من بعده ورث ابنه الثاني، جيريندرانات ، جد الرسام البنغالي الشهير ابانيندرانات، بموجب أحكام وصية والده. ثم أصبح مملوكاً بصورة حصرية لأبناء دواراكانات الثلاثة، وبعد كثير من التقلبات في أحوال الاسرة وبعض ما حصل من اختلافات بين فروعها فقد سوِّيت المُلكية وبطريقة ما انتهت الأمور الى توافق، ولا يعنينا في هذا المختصر في أن ندخل في تفصيلات الموضوع، فما يهمنا هو وراثة الشاعر للبيت المذكور واقامته فيه واشتهاره اليوم كأحد المعالم السياحية المعروفة بمدينة كلكتا.

الاحتفال بالمئوية الثانية لآل طاغور وجملة من مشاهير أعلام الهند
في أوائل الثمانينيات من القرن الماضي احتفلت الهند بالمئوية الثانية بإحياء ذكرى مساهمات الأعضاء البارزين لعائلة طاغور، وفي نفس الوقت جرى الاحتفاء بجملة من عباقرة الهند البارزين في مجالات العلم والسياسة والاجتماع والادب ومنهم: راجا راموهان روي، وراماكريشنا بارامهمسا، وسوامي فيكاناندا، وبانديتإيسوار، وتشاندرا فيدياساگار، وبانكيمتشاندراتشاتوباذياي ، ومايكل ماذوسودان دوتا، وسوبراهمانيانبهاراتي Subrahmanian Bharati، ودايانانداساراسواتي، وساروجيني نايدو، وگوكل، والماهاتماغاندي، وسري أوروفيندا، وجواهرلال نهرو، والدكتور رادا كريشنان، والشاعر نذر الإسلام (وهذا شاعر عظيم من أهل البنغال مثله مثل طاغور وإن لم يشتهر مثله خصصناه ببحث مستفيض كما كتبنا عن معظم الشخصيات التي أوردنا ذكرها هنا ضمن مواد “دائرة المعارف الهندية”)، بالإضافة الى العديد من الشخصيات الأخرى الذين قدّسوا مملكة العلم والعلوم الإنسانية والفنون الجميلة وعلم الاجتماع.
شقيق الشاعر طاغور واعتقاده بحرز للشيعة
في كتابنا (كتاب المسيحية في الهند) الصادر ضمن منشوراتنا (سلسلة كتب أكاديمية الكوفة في هولندا – سنة 2022  نشرنا نص رحلة المطران مار اثناسيوس اغناطيوس نوري (1857-1946م) رئيس اساقفة بغداد وتوابعها للسريان الكاثوليك، والتي قام بها الى الهند (من 29/9/1899  إلى  24/5/1900 م) وقد ورد في الصفحة 102منها أنه زار مهاراجابنادور وهو أخو الراجا الشاعر طاغور، وكان يتقلَّد حرزاً شائعاً لدى المسلمين في الهند وخاصة لدى الفرق الشيعبة هناك ويسمونه (يانجا تني) ويقصدون بـ(البانجاتني)، الخمسة الأطهار (محمد علي فاطمة حسن حسين)، يقول المطران مار اثناسيوس ((شاهدنا قصره أكثر زخرفة وعظمة من قصر أخيه(الشاعر طاغور). وقد دار الحديث بيننا على الاعتقاد بإله واحد.. ومن رأيه أنه واجب على الإنسان أن يؤمن بكل من ادعى الألوهية والنبوة والرسالة، ليتشفع فيه في الآخرة إذا كان نبياً صادقاً أو رسولاً حقيقياً ثم أخرج حرزاً معلقاً على صدره، وعليه اسم علي وفاطمة… الخ. وأرانا إياه مفاخراً بذلك مع أنه لا يعتقد بشيء من مبادئ الدين الإسلامي. وبعد أن قضينا هذه الزيارة عدنا إلى محلنا. وبعد بضعة أيام زرنا ابنه الكبير)).

الشاعر طاغور في العراق
زار طاغور العراق سنة 1932 تلبية لدعوة تلقاها من الملك فيصل الأول، ووصل طاغور العراق قادماً من ايران في صباح اليوم الثاني والعشرين من أيار سنة 1932 فحطَّ الركاب أولاً فيمدينة «خانقين» يصحبه السيد جلال الدين كيهان قنصل إيران العام في بومبي والبروفيسور جاترجي أحد أساتذة كلية طاغور في الهند وسكرتيره الأول السيد جكراورتي وترافقه كنته (زوجة ابنه). فاستقبلته لجنة الاستقبال الرسمية العراقية برئاسة الشاعر الكبير جميل صدقي الزهاوي (1863 ـ 1936).
في خانقين أقيم احتفال فخم حضره كبار موظفي الدولة ورجال المعارف وكشّافة خانقين. وبعد استراحة قصيرة استقل القطار الذي توقف لفترة قصيرة في بعقوبة وسط الجماهير العراقية التي احشدت لتحيته، عاد بعدها الى القطار مع مرافقيه والوفد الرسمي الى بغداد ليلاً وفي المطار استُقبل رسمياً والقيت فور وصوله كلمات مختصرة للترحيب بقدومه كما احتشدت جماهير العراقيين هاتفة باسمه وسط ابتهاج عظيم. وفي مساء اليوم نفسه أقيمت حفلة كبرى له في حديقة أمانة العاصمة بباب المعظم حضرها رئيس الوزارة وبعض الوزراء وكبار الشخصيات الفكرية والأدبية، افتتحها الأستاذ إبراهيم حلمي العمر بكلمة وأعقبه أحد أفراد أسرة التعليم في العراق وألقى خطاباً باللغة الإنكليزية.

طاغور في مضارب آل سهيل

 

طاغور يخاطب العراقيين
ثم تقدم الشاعر طاغور وألقى كلمة رائعة قال عنها أنها أمانة من قبل الهنود إخوان العراقيين في الهند. وكان يقوم بتعريبها الأستاذ عبد المسيح وزير. قال طاغور. وبعد أن شكر الملك والشعب قال:
((لقد اتصل بي أن الدعوة في هذا اليوم جاءتني من أدباء بغداد. فمن اللباقة أن تقيم عترة حملة الأقلام، التي أفتخر بالانتماء إليها، أول حفلة عامة للاحتفاء بي. ويترع قلبي السرور أن أعلم أن كتبي سبقت فعرّفتني إليكم وان بعضها قد نقل إلى لغتكم وأن لها في قلوبكم منزلتها، وهذا دليل آخر على أن لا فروق في دولة الأدب، وأنه لفي مستطاع أفكارنا أن تتلاقى وتتمازج وتتكاثف على تشييد صرح كمال نحلم به ـ صرح يحتوي خير الإنسان الأبدي…الخ)). وختم كلمته بإنشاد قصيدته بالإنكليزية ثم أنشدها ثانية بالهندية بطريقته الساحرة في الإلقاء. وكانت القصيدة بعنوان: «دهشمايا ـ صراع النفس العنيف في خيبتها»، هذا تعريبها:
«أيها الطائر طائري
أعرني سمعك، ولا تخفض جناحيك
وإن مشى المساء إليك متثاقل الخطى
وقد أومأ إلى الأغاريد طرا بالانقطاع
وإن هدأ جأش الحنان في نفسك وأنت مضني
وإن وخم الخوض في الظلام
وتوارت طلعة السماء خلف برقع الديجور
***
ليست الجهومة التي تستقبلك عبوسة أوراق الغابة
بل الذي تراه أمواج الخضم المتقلبة تقلب أسود عربيد
وليس المشهد الذي تنظره رقص الياسمين الزاهر
بل ذلك الاهتزاز زبد وامض
إيه أيها الطائر
أين الشاطئ الأخضر في نور الشمس
أين عشك
ألا أيها الطائر، طائري، انصت إلى نصحي ولا تخفض جناحيك
أرى وحشة الليل رابضة على سبيلك
والفجر غارقاً في سبات عميق وراء التلال الضليلة
هو ذا الزهر النيرات حابسة أنفاسها تعد الورد
والقمر الشاحب يسبح في لجة الليل العميق
فيا أيها الطائر، طائري، اسمع كلامي ولا تخفض جناحيك
***
لقد انقطع حبل أملك وانحلت سورة الخوف عنك
فلا نبسة ولا همسة ولا صرخة، بعد الآن
ولن تجد لك داراً تأوي إليها ولا فراشاً تضطجع عليه، ولا مرقداً تستريح فيه
فليس لك الآن غير جناحيك وغير مجاهل الفضاء التي لا تهتدي فيها إلى طريق
فيا أيها الطائر، طائري، اسمعنى ولا تخفض جناحيك.
أقيمت لطاغور حفلات أخرى عديدة من قبل مؤسسات وشخصيات عراقية، ومنها دعوة الشيخ حسن السهيل التي أقام فيها مأدبة غداء ضخمة في مضارب آل السهيل مشايخ قبيلة تميم – حضرها طاغور وكنته، وعدد من الوزراء في مقدمتهم الاستاذ فاضل الجمالي (أشرنا لذلك في بحثنا المفصل عن آل السهيل المنشور في المجلد 130 من الموسم الصادر سنة 2017، كما ذكرنا ذلك في مجلتنا الديوان، الجزء الثالث ص 50-51الصادرة بلاهاي عام 2000). كما خصصت الصحف والمجلات العراقية صفحات وملفات خاصة تكريماً لطاغور .

طاغور مبجلاً حضارة العراق مع مقطع من شعره نظمه ببغداد
((..أملي أن يفقه العراق تبعة الحضارة المقبلة. فالعراق، وهو البقعة التي واكبت فيها عقول سكانها عصور بطولة عظيمة، وهو القطر الواقع في وسط منطقة معدودة همزة وصل بين الشرق والغرب، يحق له أن يؤمل أنه سيصبح يوماً ما حلقة حية في سلسلة شعوب العالم المتحد في المستقبل.
فليظهر العراق ـ وله بصره الممتد إلى آفاق بعيدة جذابة وجوه اللامع وصدى سمائه الندي وفيض رافديه المتدفقين في عصور مجد زاهية ـ ليظفر بحقه في حرية غير محدودة يتمتع بها في دولته العظيمة، وليعلن تحت قباب سمائه الزرقاء جلال روح الإنسان، وهي المقدس الذي تحل فيه روح الله)).
وفي ختام الكلام أتلو شعراً نظمته مختصاً بهذه الكلمة إليكمتعريبه:
لقد انجلى الليل
فأطفئوا السرج المشتعلة
في زواياكم الضيقة
زوايا سودها سناج اللهيب
ها هو ذا الصبح العظيم ـ
متعة الناس طرا
منبعثاً في المشرق
فليعلن نوره بعضنا لبعضٍ
نحن المدلجين في صراط قبلةٍ واحدة
بغداد في 25 أيار سنة 1932 (روبندرونات طاغور)
في صباح يوم الاثنين الموافق 30 أيار 1932 غادر شاعر الهند الأعظم العراق على متن طائرة هولندية قاصداً مدينة «كلكتا» مودعاً بمثل ما قوبل به من حفاوة وترحيب العراقيين مليكاً وشعباً..ورحم الله تلك الأيام!!

الشعر العراقي في رحاب طاغور
توفي الشاعر والفيلسوف الهندي الكبير روبندرونات طاغور في 7 أغسطس عام 1941، وما أن وصل نعيه الى العراق حتى استأثر باهتمام الادباء والمثقفين العراقيين وتناقلته وسائل الاعلام وكان الخبر البارز بين أخبار الأدب والفكر، وكتبت عنه الصحافة العراقية الكثير من البحوث والدراسات والترجمات لشعره، ومنها العدد الخاص الذي حرره ونشره الأستاذ جعفر الخليلي في جريدته الشهيرة “الهاتف” المرقم 273 والذي ساهم فيه بالإضافة للاستاذ الخليلي، الأساتذة: حسين مروة ومراد ميخائيل وأنور شاؤول وغيرهم.
ومن بين الشعراء الذين رثوه وأشادوا بمناقبه الشاعر الكبير الحاج عبد الحسين الازري (1880-1954) بقصيدة مطلعها:
تخشع النفس هيبة من جلال
الموت إن حلَّ في عِظام الرجال
أدبٌ لذتَ من شجونك فيه
عدتَ منه بمعجزات الخيال
نشرناها ضمن كتابنا (تحية الهند) دمشق 1988. (وترجمنالشاعرنا الازري في موسوعة الموسم المجلد 223 ص 21 الى 121) وآثرت هنا أن يتمتع القراء الأفاضل بتلاوة قصيدة أخرى في تذكار طاغور، قد لا تكون معروفة كثيراً لكنها وبحق قصيدة جميلة كتبت قبل نحو مئة سنة وتحمل نفحات التجدد الشعري الذي بدأت علائمه تظهر في العراق آنذاك، تمرداً على المحاكاة والتقليد السائد آنذاك، وتضمنت وصفاً دقيقاً لما كان عليه طاغور من شاعرية وإنسانية وحكمة روحانية، والقصيدة للشاعر العراقي المُجيد ابراهيم بن محمد بن عبد الحسين بن محمد بن حرج الوائلي (1332 هـ – 1914م/ 1408 هـ – 1988م):

دمعة الشعر على طاغور للشاعر إبراهيم الوائلي

يا رائد الخير ورمز السلام كيف طوت عهدك كف الحمام
أطبقتَ جفنيك على هدأةٍ مذ كنت تستنكر دنیاالخصام
رجعت العالم لحن الخلود فكان في عودك لحن الازل
ورحت لا تعرف في ذا الوجود الا حياة قُرنت بالعسل
وحطمت نفسك شتى القيود مذ أبت الوهن وداء الملل
فكنت في دنياك عف البرود إن لوثت غيرك دنيا الجدل
يا بسمة الفجر النديّ الطروب ونعمة الدنياوألحانها
ويا نشيدا عبدته القلوب فكان لليقظة عنوانها
كم أبصرت فيك خفيَّ الدروب مذ كنت للحكمة إنسانها
فغودرت بعدك رهن الخطوب معاهد وطدت اركانها
أطبقت جفنيك وعفَّى الردى بسمتك المشرقة الصافية
فأصبحت بعدك دنيا الندى موحشة آفاقها داجية
وكنت فيها الواعظ المرشدا تغمرها بالحكم الغالية
قد فقدت بلبلها المنشدا وشاعر الفلسفة العالية
يا مرهفا ما فلَّ من حده قراع دنيا شأنها الاضطراب
لم تنته الايام عن قصده ولم تغير منه غض الاهاب
حتى مضى وهو على عهده ممتشقا يلمع بين الضباب
وقد تواری بعد في غمده أهكذا يغمد طي التراب
(طاغور) كيف اصطرعتك المنون فأطبقت فوقك أجفانها
وأنت لا تعرف غمض العيون بل كنت في المحنة يقظانها
أهكذا تمضي ويبقى الخؤون ان تحرس الامة أوطانها
وانما الفلك التي يركبون قد فقدت بعدك ربانها
نابتة الهند وفخر الأدب وداعي السلم ورمز الوئام
ما لوثت بردك دنيا النشب أو غيَّرت منك حياة الطغام
وإن يكن شأن سواك الشغب فشأنك الخير ونبذ الخصام
أو عبد العالم عجل الذهب فأنت لا تعبد إلا السلام
(طاغور) هل أبصرت هذي الحياة تسبح في غمرتها الراهنة
والحرب قد طافت بشتى الجهات فلم تدع منامّة آمنة
في الجو في البحر وملء الفلاة تفاقمت ثورتهاالطاحنة
فآثرت نفسك حب الممات على حياة الصخب الشائنة
(طاغور) كنت الشملة المشرقة فأطفأتها عاصفات الدهور
أو أنت كالزنبقة المورقة تفيض للعالم طيبا ونور
ما برحت يانعة مورقة حتی دهتها لفحات العصور
وكيف تبقى غضة ريقة وحولها الاشواق تدمي الزهور
لكنها وهي بسفح الكتيب ما بين اشواك الربي الدامية
تنشر في الافق – جمالا وطيب عابقة في القفرة الضاحية
وهي لدى الفجر وعند المغيب لما تزل أنشودة الساقية
هذي حياة الالمعي الاديب حياة مجد في الورى باقية

يمكن الاطلاع على تفاصيل أوسع عن طاغور وسيرته مع دراسات عن شعره وأفكاره في كتابنا: طاغور شاعر الهند المُلهم الصادر بدمشق عام2010م الصادر عن دار نينوى بدمشق عام 2010م بواقع 470 صفحة.

قد يعجبك ايضا