نبيل عبد الأمير الربيعي
ليست تجربة الفنان التشكيلي العراقي المغترب سعد علي حكاية فنان غادر بلاده فحسب، بل حكاية إنسان حمل العراق معه، ثم أعاد بناءه في الذاكرة واللون والخشب. فمنذ سنواته الأولى في الديوانية، مروراً ببغداد ومرسم هاشم الوردي، وصولاً إلى فضاءات أوروبا، ظل سؤال الوطن يلاحقه، لا بوصفه جغرافيا مفقودة، وإنما بوصفه ذاكرةً لا تكف عن إنتاج الأسئلة.
في مشروعه (أبواب الفرج) يبلغ هذا السؤال ذروته. الباب عند سعد علي ليس قطعة خشب، ولا عنصراً زخرفياً، ولا مجرد مفردة في تكوين تشكيلي؛ إنه استعارة كبرى للإنسان المعلّق بين عالمين: باب يفصل المنفى عن الوطن، والماضي عن الحاضر، والخوف عن الطمأنينة، والانكسار عن الأمل.
ولهذا تبدو أبوابه كأنها تنتظر أحداً. أقفالها وندوبها ومساميرها وشقوقها ليست تفاصيل عابرة، بل علامات على حياة مرت من هنا وتركت آثارها. إنه يستخدم الخشب القديم كما لو كان يستنطق أرشيفاً صامتاً؛ يجمعه من الأسواق والأماكن المهملة، ثم يمنحه حياة ثانية باللون. وهكذا يتحول ما ظنناه نفاية إلى ذاكرة، وما حسبناه خشباً ميتاً إلى جسد فني نابض.
سعد علي ليس وافداً طارئاً على الفن. فقد بدأ مبكراً، وتكونت تجربته في بيئة عراقية كان الرسم فيها أكثر من ممارسة جمالية؛ كان شاهداً على زمن مضطرب. ومن الواقعية التي لامست الإنسان العراقي وهمومه، انتقل تدريجياً إلى فضاء أكثر رحابة، تتجاور فيه الذاكرة مع الأسطورة، والرمز مع الحكاية، والشرقي مع الغربي.
في أعماله لا تختفي جذور المكان، حتى حين تغيب ملامحه المباشرة. ثمة إشارات إلى وادي الرافدين، وإلى الفن الإسلامي، وإلى الزخرفة الشرقية، وإلى العين السومرية المفتوحة على الأبدية. وثمة أيضاً أثر الشعر والتصوف والحكاية الشعبية، إلى جانب خبرة فنان عاش طويلاً في أوروبا واختبر تعدد الثقافات والمدارس والأساليب. لكن سعد علي لا يستنسخ هذه المرجعيات. إنه يعيد تفكيكها وتركيبها، ثم يضعها في سياق شخصي يجعل اللوحة أشبه بسيرة داخلية.

اللون عند سعد علي ليس زينة للسطح. إنه طاقة نفسية، وأحياناً موقف من العالم. الأحمر والبرتقالي والأصفر والأخضر والأزرق والبني والرمادي تتجاور في أعماله كما تتجاور حالات الإنسان: الرغبة والخوف، الحزن والفرح، الذاكرة والنسيان، الموت والحياة.
ومن هنا تأتي أهمية الحب في تجربته. ففي عالم أنهكته الحروب والمنافي والأيديولوجيات، يصر سعد علي على أن يرسم الحب والجسد والمرأة والنافذة والطائر والقمر والفاكهة والشمعة. قد يبدو ذلك، للوهلة الأولى، ابتعاداً عن الواقع، لكنه في جوهره شكل آخر من أشكال مقاومته. فأن ترسم الجمال في زمن الخراب ليس هروباً من الواقع؛ إنه رفضلأن يكون الخراب هو الحقيقة الوحيدة.
ولعل هذا ما يجعل استحضار الحب في أعماله أكثر من موضوع جمالي. إنه دفاع عن حق الإنسان في أن يبقى إنساناً، حتى حين تحاول الحروب تحويله إلى رقم، والمنفى إلى كائن بلا جذور، والذاكرة إلى عبء.
أكثر ما يلفت في تجربة (أبواب الفرج) أن سعد علي لم يبحث عن مادة جديدة بقدر ما بحث عن مادة لها تاريخ.الخشب القديم يحمل آثار الأيدي، والغبار، والرطوبة، والصدأ، والسنوات. وعندما يضع الفنان اللون فوقه لا يمحو ذاكرته، بل يضيف إليها. لذلك تبدو بعض أعماله كأنها خرجت للتو من بيت قديم، أو من زقاق عراقي، أو من مدينة بعيدة لا تزال تسكن صاحبها. وهنا يتحول الباب إلى كائن شبه إنساني: له جراحه، وأقفاله، وفتوحه، وأسراره. إنه باب لا يقود بالضرورة إلى مكان، بل إلى معنى.
ربما كان المنفى هو المفتاح الأعمق لفهم هذا المشروع.فالإنسان، منذ الأسطورة الأولى، يبحث عن فردوس مفقود. وحين يغادر وطنه لا يفقد المكان وحده، بل يفقد جزءاً من تعريفه لنفسه. لذلك يصبح حلم العودة أكثر من عودة جغرافية؛ إنه محاولة لاستعادة الذات. من هنا تبدو (أبواب الفرج) كأنها أبواب معلقة بين ما كان وما ينبغي أن يكون.
لكن سعد علي لا يقدم إجابة جاهزة. إنه يترك الباب مفتوحاً على الاحتمال، ويترك المتلقي أمام سؤال شخصي: أي باب نبحث عنه؟ باب الوطن؟ باب الحب؟ باب الذاكرة؟ أم ذلك الباب الذي يقود الإنسان أخيراً إلى نفسه؟

في تجربة سعد علي، تتجاور الحكاية مع الرمز، والشرق مع الغرب، والذاكرة مع المنفى. لكن ما يوحد هذه العناصر جميعاً هو الإنسان. وهذا هو مكمن قوة تجربته: أنه لم يسمح للاغتراب بأن يحوله إلى فنان بلا ذاكرة، ولا سمح للذاكرة بأن تحوله إلى أسير للماضي.
لقد حمل العراق في داخله، لكنه لم يكتفِ باستعادته كما كان؛ بل أعاد اختراعه في الفن. وهنا تكمن قيمة (أبواب الفرج): إنها ليست أبواباً للخروج من العالم، بل أبوابٌ لمواجهته. وكلما ازداد العالم قسوة، ازداد سعد علي إصراراً على أن يترك نافذة للضوء، ومساحة للحب، ومكاناً للإنسان.
الفن، في النهاية، لا يستطيع أن يغيّر العالم وحده. لكنه يستطيع أن يمنع العالم من أن يغيّرنا بالكامل.
[9/7/2026 9:50 AM] جواد كاظم: وربما كان ذلك هو باب الفرج الحقيقي عند سعد علي: أن يبقى في الإنسان شيءٌ لم تستطع الحروب والمنافي والسنوات أن تغلق عليه الباب.