محمد علي محيي الدين
عمو بابا، واسمه عمانوئيل داود، واحد من أكثر الأسماء رسوخاً في ذاكرة الرياضة العراقية، حتى غدا اسمه يتجاوز حدود اللاعب والمدرب ليصبح جزءاً من تاريخ الكرة العراقية نفسها. وُلد في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 1934، ونشأ في الحبانية، تلك البيئة التي أتاحت له منذ طفولته الاحتكاك بالإنكليز وممارسة كرة القدم إلى جانب نشاطه في ألعاب رياضية أخرى. وتوفي في 27 أيار/مايو 2009، بعد مسيرة طويلة امتدت أكثر من نصف قرن، قضاها لاعباً ومدرباً ومربياً لأجيال من لاعبي كرة القدم.
لم تكن بدايته الرياضية محصورة بكرة القدم؛ فقد برز في ألعاب القوى، وكان بطلاً للعراق في سباق 400 متر حواجز، كما أحرز بطولة الرصافة في كرة المضرب، غير أن الكرة كانت الميدان الذي وجد فيه نفسه، والذي سرعان ما قاده إلى الشهرة. وتعود قصة إطلاق لقب «عمو بابا» عليه إلى المدرب والمعلق الرياضي إسماعيل محمد، الذي اكتشف موهبته عام 1950 خلال بطولة مدارس العراق في ملعب الكشافة. وحين سأله عن اسمه وأجابه «عمانوئيل»، اختار له الاسم المختصر الذي اشتهر به لاحقاً، مستلهماً الطريقة الإنكليزية في اختصار الأسماء. ومنذ ذلك اليوم ارتبط «عمو بابا» باسم اللاعب الذي سيصبح لاحقاً أحد رموز الكرة العراقية.
كانت موهبته لافتة منذ سنواته الأولى، فشارك في المنتخبات المدرسية والعسكرية والأولمبية، وظهر اسمه في بدايات تشكيل المنتخب العراقي الرسمي. شارك في الدورة العربية المدرسية بالقاهرة سنة 1951، ثم كان ضمن المنتخب العراقي الذي شارك في الدورة العربية في بيروت عام 1957، كما مثل العراق في التصفيات المؤهلة إلى دورة الألعاب الأولمبية في روما عام 1960. وتختلف المصادر في تحديد بعض تفاصيل بداياته الدولية وعدد مبارياته وأهدافه الأولى، إلا أنها تتفق على حضوره المبكر في مرحلة تأسيس المنتخب العراقي، وعلى موهبته الاستثنائية التي جعلته أحد أشهر مهاجمي جيله.
وكان عمو بابا يتميز بقدرات فنية وبدنية غير مألوفة، حتى عُرف بأدائه البهلواني في التعامل مع الكرة، وقيل إنه كان من أوائل من نفذوا في العراق الضربة المعروفة بـ«Double Kick». ومع مرور السنوات أصبح من أبرز هدافي العراق في عقدي الخمسينيات والستينيات، قبل أن تجبره الإصابة على الاعتزال المبكر عام 1966 أو 1967، بحسب اختلاف الروايات، ليبدأ منذ ذلك الحين الفصل الأطول والأكثر تأثيراً في حياته: فصل التدريب.
انتقل عمو بابا إلى عالم التدريب بخبرة لاعب يعرف تفاصيل الملعب من الداخل، وبدأ العمل مع نادي المواصلات في بغداد، ثم دخل مجال تدريب المنتخب العسكري، وهناك صنع واحدة من أبرز صفحات مسيرته التدريبية، حين قاد المنتخب العسكري العراقي إلى إحراز كأس العالم العسكرية في أكثر من مناسبة، في الأعوام 1972 و1977 و1979. وقد منحته تلك التجربة خبرة واسعة في إدارة المباريات والبطولات، ومهدت الطريق أمامه لتولي تدريب المنتخب الوطني.
وفي عام 1979 تولى عمو بابا قيادة المنتخب العراقي، لتبدأ مرحلة ارتبطت بأهم الإنجازات في تاريخ الكرة العراقية. قاد المنتخب إلى الفوز بكأس الخليج العربي في أعوام 1979 و1982 و1984، وأسهم في بناء منتخب قوي فرض حضوره على الساحة العربية والآسيوية. كما ارتبط اسمه بالذهبية التاريخية في دورة الألعاب الآسيوية التي أقيمت في الهند عام 1982، فضلاً عن الوصول إلى النهائيات الأولمبية في أكثر من مناسبة، وتحقيق لقب كأس العرب. وقد جعلت هذه النتائج منه أحد أبرز المدربين العراقيين والعرب في تلك الحقبة، ولذلك أطلق عليه الرياضيون لقب «شيخ المدربين».
ومن المحطات التي ارتبط بها اسمه كذلك التصفيات المؤهلة إلى كأس العالم 1986 في المكسيك. فقد تولى قيادة المنتخب العراقي في المباراة الحاسمة أمام سوريا، بعد تعذر مشاركة المدرب واثق ناجي في المواجهتين الأخيرتين. وجاء دوره في إطار استكمال المسيرة التي بدأها الجهاز الفني السابق، مع الاعتماد على مجموعة من أبرز نجوم المنتخب آنذاك، وفي مقدمتهم حسين سعيد وأحمد راضي وكريم صدام. وانتهت التصفيات بتأهل العراق للمرة الأولى في تاريخه إلى نهائيات كأس العالم، وهو الإنجاز الذي ظل يمثل ذروة في تاريخ الكرة العراقية.
ولم تقتصر مسيرته على المنتخب، بل عمل مع الأندية العراقية أيضاً، وقاد نادي الطلبة إلى إحراز الدوري العراقي عام 1981، كما درب نادي الزوراء عام 1994. وكان يؤمن بأن بناء كرة القدم لا يبدأ من المنتخبات وحدها، وإنما من الناشئين، ولذلك اهتم بتأسيس مدرسة كروية في بغداد والإشراف على تدريب الفئات الصغيرة، وظل حتى سنواته الأخيرة معنياً بإعداد جيل جديد من اللاعبين. وكانت مدرسته امتداداً لفلسفته التي ترى أن المدرب ليس مجرد واضع خطط، وإنما مربٍّ قادر على اكتشاف الموهبة وصقلها.
وترك عمو بابا أثراً يتجاوز الأرقام والبطولات، لأنه أصبح بالنسبة إلى كثير من العراقيين صورة للمدرب الذي ارتبط بالمنتخب في فترات مختلفة من تاريخ البلاد. وتذكر المصادر، ومنها كتاب عمار علي الصافي «لاعبون صنعوا أمجاد الكرة العراقية – عمو بابا»، جانباً واسعاً من رحلته الرياضية وإنجازاته، كما تناولت شبكة أخبار نركال مراسم تشييعه وما رافق رحيله من حضور رسمي وشعبي كبير.
وفي سنواته الأخيرة واجه عمو بابا ظروفاً صحية قاسية، ولا سيما بعد تفاقم مرض السكري واضطراره إلى بتر أصابع من قدميه في أحد مستشفيات الأردن عام 2006. وقد أثارت استغاثته آنذاك موجة من التعاطف في الشارع الرياضي العراقي، لما يمثله الرجل من قيمة رمزية في تاريخ الرياضة العراقية. وتكفلت جهات وشخصيات عربية بتكاليف علاجه، في مشهد كشف، في الوقت نفسه، حجم التقدير الذي كان يحظى به خارج العراق، والأسئلة المؤلمة التي أثارتها معاناته الصحية في بلده.
ظل عمو بابا، رغم المرض وتقدم العمر، قريباً من عالم الكرة الذي اختار أن يهب له حياته. جال في بلدان كثيرة، وعرفته الملاعب العربية والآسيوية، وحصل على تكريمات متعددة، من بينها اختياره سفيراً للرياضة العراقية لدى السويد عام 2005، كما مُنح لقب «مدرب القرن العشرين» في استفتاء رياضي عراقي، تقديراً لمسيرته الطويلة.
وفي 27 أيار/مايو 2009 أسدل الستار على حياة هذا الرياضي الاستثنائي في مستشفى دهوك للطوارئ، إثر تدهور مفاجئ في حالته الصحية. وأقيمت له مراسم جنازته في كاتدرائية مريم العذراء ببغداد، قبل أن يوارى الثرى في ملعب الشعب الدولي، تنفيذاً لوصيته. ولم يكن اختيار ملعب الشعب مكاناً لرقاده الأخير مجرد تفصيل عاطفي؛ فقد كان الملعب شاهداً على سنوات مجده، وعلى المباريات التي صنع فيها اسمه، وعلى الجماهير التي هتفت له لاعباً ومدرباً. وهكذا عاد عمو بابا إلى المكان الذي احتضن أجمل فصول حياته، ليظل اسمه حاضراً كلما استعيد تاريخ الكرة العراقية، لا بوصفه مدرباً فحسب، بل بوصفه أحد الذين أسهموا في تحويل كرة القدم إلى جزء راسخ من الذاكرة الوطنية العراقية.