التآخي- ناهي العامري
اقام منتدى بيتنا الثقافي بالتعاون مع مركز الغد الزاهر للدراسات والاعلام، محاضرة بعنوان (مظفر النواب… الصفحات المخيفة) للكاتب والباحث باقر ياسين. الذي بدأ محاضرته بالتطرق الى التحول الذي احدثه النواب في عمق التراث الشعبي العراقي، حين لمس فيه مكامن الطاقة الحسية ليطلقها في ما يشبه السحر قصائد تتناقلها الالسن في بيئات اجتماعية واثنية مختلفة، وفي جغرافية لغوية لا تعرف الحدود.
واضاف ياسين: بالرغم من ان انخراط الشاعر مظفر النواب في العمل السياسي وخوضه غمار المواجهة ضد السلطات الدكتاتورية، قد كلفاه سنينا عديدة من حياته قضاها بين سجن ونفي وهرب وتخفِ، إلا انه لم يخضع لأي شكل من اشكال انغلاق الرأي، بل كان همه الوصول الى تأكيد حرية الذات وسط قوى تشكلت تاريخيا، وافرزت أشكالا من الحظر الاجتماعي والسياسي والديني، ومن هذا المسار انبثقت فرادته الشعرية التي جمعت بين بساطة موضوعها الانساني، وحداثة شعره الذي عدل فيه عن الوصف والتكرار، اذ عمد الى انشاء قالب يحاكي نظاما بسيطا للسرد يقوم على سلسلة متعاقبة من الحبكات وحلولها من دون أن يغادر غنائيته التي تمخضت عن الوجدان الشعبي وعبّرت عنه في آن واحد.
لقد نحت قصائده بإزميل الصدق والمعاناة حتى اصبحت قصائد ناقدة، مستفزة، وصفها بعض النقاد بالجارحة، فهو يحاول من خلالها تفكيك سكونية الوضع العربي، ووقوع الذات العربية ضحية للطواطم الذي صنعته، لقد نجح النواب في نهاية الخمسينات ومطلع الستينات من القرن الماضي في ان يحقق ثورة شعرية تمثلت في كسر النظام العروضي التقليدي للشعر الشعبي بدرجة تماثل ما حققه في شعره الفصيح، وبما يوازي حركة الحداثة الشعرية في العقد الخمسيني، كما انه أخرج القصيدة الشعبية من ضيق تداولها المحلي، ومن اطارها الغنائي الرومانسي الى فضاءات الحداثة، وبما يشكل رؤية إجتماعية وجمالية جديدة، أنه (نسر الاساطير) على حد تعبير أحد متابعيه و(زقورة العراق) اذ ليست الزقورة درجات صاعدة الى فناء المعبد، بل هي المرتقى نحو السماء، وهي الوظيفة التي اسندها النواب للشعر – بعكس النثر – وهو لا يسير على الارض بل يصعد في مرقاة بعد مرقاة الى حيث تختفي الحدود عبر رحلة صوفية عاشها النواب بصدق تمثلت بوداعة التأمل وملامسة مجسات الوعي والتعبير عنه بحماس غير مألوف سواء على صعيد نبرة الايقاع الشعري أو مواجهة الكليشيهات الاجتماعية.
ثم تحدث ياسين عن بعض الصور المخفية من حياة النواب بإعتباره صديقه المقرب ورفيقه في حياة الغربة، ومن تلك الصور الظروف التي دفعت النواب لنظم قصيدة (الريل وحمد) التي اسماها سمفونية العراقيين، وقال: حدثني النواب انه صادف اثناء سفره من بغداد الى البصرة بواسطة القطار، فتاة ريفية جميلة، جالسة بجواره، يبدو عليها الحزن والاكتئاب، ولما سألها عن سبب حزنها، باحت له حكايتها مع ابن عمها الذي عشقته وعشقها، ثم سلمت له نفسها بعد ان وعدها بالزواج، الا انه تخلى عن وعده، وغدر بها، ولذا جاءت القصيدة متناغمة مع صورة الغدر والخيانة:
يا ريل طلعوا دغش والعشگ چذابي .. دگ بيه طول العمر ما يطفه عطابي.
ومن المفارقات المذهلة من حياة النواب قال ياسين، حدثني النواب عن خطة هروبه من مع باقي السجناء في سجن الحلة، اذ تقتضي الخطة اخفاء التراب الذي يستخرج من النفق الذي عمله السجناء، حيث لجأوا الى حيلة، أقنعوا بها السجان على جلب لهم تراب لعمل تماثيل، وما ان جلب لهم كمية قليلة من التراب حتى بادروا باضافة كميات التراب المستخرجة من النفق، لعمل تماثيل كبيرة لبعض أفراد الشرطة، وبذلك تم اخفاء عملية حفر النفق لغاية هروب السجناء.