احتراق
أبيعُ مجدَ الشِعرِ في السوقِ بسعرٍ باخسٍ
وأشتري قوتَ العصافيرِ التي في القلبِ
والماءَ الذي في غيمةٍ بعيدةٍ..
سجائري.. وقلمي السيَّالَ.. كحلَ امرأةٍ
يعجبني جمالُها الحزينُ
تستهوينيَ النارُ التي في دمها تصبُّ
أو بحارِ عينيها
هيَ النارُ التي شُبِّهَ لي بأنني
أزهارَها الزرقاءَ في طفولتي سرقتُ
شربتُ من ينبوعها الرقراقِ
من حنطتها أكلتُ
لكني إذا اقتربتُ من جمالها احترقتُ
***
وهمٌ جميلٌ كالحياةِ
وهمٌ جميلٌ كالحياةِ يسيلُ مثلَ الماءِ من بينِ الأصابعِ، والأصابعُ مثلُ أغصانِ الحنينِ إلى مكانٍ غامضٍ ما، أو إلى صيفٍ بعيدٍ من غواياتِ النساءِ، كتبتُ فيهِ من القصائدِ ما كتبتُ، ورحتُ أبحثُ فيهِ عن معنايَ أو أنثايَ أو حجرِ الفلاسفةِ القديمِ وعن تضاريسِ المسافةِ بينَ وردِ الغيمِ في لغتي وفاكهةِ الشتاءِ. لمن سأكتبُ بعدَ هذا الوهمِ؟ هل سأظلُّ في البريَّةِ الزرقاءِ أركضُ والحياةُ قصيدةٌ مكتوبةٌ بالماءِ فوقَ الرملِ أو مطرٌ على الصحراءِ، هل أحتاجُ صبرَ الحالمينَ وحكمةَ المتأمِّلينَ لكيْ أقولَ: الريحُ أختكَ.. للصنوبرِ؟ أو لكيْ أصفَ اخضرارَ النارِ في أعلى حزيرانَ الجميلِ يصبُّ في جذعِ الأنوثةِ للنهايةِ…؟ هل لكيْ أنجو من الرؤيا أخطُّ الليلَ بالشذراتِ والأحلامِ والقلقِ الوجوديِّ الجميلِ؟
***
موسيقى
الروحُ موسيقى ترفرفُ رايةً للحُبِّ.. بيرقَ حنطةٍ في السهلِ أو أعلى سماءٍ في القصيدةِ، من تُرى أغراكَ يوماً ما بطعمِ الهالِ في البُنِّ الجريحِ؟ ومن تُرى أغراكَ بالقفزِ الحقيقيِّ الصريحِ إلى دجى دوَّامةِ الألحانِ؟ من أغراكَ بالقمرِ المليحِ وبالبنفسجِ في خطابِ البحرِ؟ كنتَ تعاقرُ الشِعرَ المُصفَّى كالنبيذِ، معلَّقاتِ الجاهليِّينَ الكبارِ وتشربُ الأنخابَ، كانَ صدى امرئ القيسِ الشريدِ يقدُّ قمصانَ المجازِ، فمن تُرى كتبَ القصيدةَ عنكَ؟ من ذا يا تُرى يوماً أحبَّ نيابةً في الأرضِ عنكَ؟ ومن على مرأى شبابيكِ الغوايةِ مرَّ وانسدلتْ خطاهُ على حوافي الماءِ أو شمسِ الحجازِ؟
***
توتٌ سرِّي
ثمرٌ وينضجُ في حزيرانَ الشهيِّ
لأنَّ شمساً ما تلوّحُ شهدَهُ الأبديَّ..
هذا التوتُ سريُّ الأنوثةِ
ذابَ والكرزُ الجميلُ المخمليُّ على الشفاهِ
هما المرادُ وخيرُ زادٍ في طريقِ العمرِ…
موجُ القمحِ يغسلُ حزنَ عينَيْ شاعرٍ يعدو وراءَ الريحِ
هل ستقولُ لي امرأةٌ تربِّي التوتَ: إنَّ التوتَ سرُّ أنوثتي؟
وتقولُ أخرى: الشوقُ يزهرُ في حزيرانَ الشهيِّ
لأنَّ سرَّ التوتِ في صدري…؟
رأيتُ الماءَ ينضحُ في نوافيرِ المدينةِ
والوحيداتُ افترشنَ الغيمَ
أو عبقَ السجائرِ في الظهيرةِ
واحترقنَ من الحنينِ كقبلةٍ ناريَّةِ الأزهارِ في قاعِ المياهِ
***
سراب
أراوغُ الليلَ والإيقاعَ.. لا لغتي
تضيءُ لي حبقَ الرؤيا وتكتبني
أمشي لجلجلةٍ في الريحِ تخفقُ، أو
أقصى النجومِ التي في الكونِ ترقبني
أجرُّ شوكَ صليبِ العمرِ، ليسَ معي
إلَّا حنينيَ والحبُّ المعذَّبُ في
دمي لوهمِ جمالٍ راحَ يصلبني
تيهٌ هو العمرُ أو حلمٌ يطوِّحُ بي
سرابهُ الفظُّ أو عشقٌ يعذِّبني
***