حين يصبح الوهم حارساً للسلطة

نبيل عبد الأمير الربيعي

لم يكن الدكتور علي الوردي، حين تناول ظاهرة (وعّاظ السلاطين)، منشغلاً بنقد الأشخاص بقدر انشغاله بكشف وظيفة اجتماعية وسياسية يمكن أن يؤديها الخطاب حين يفقد استقلاله الأخلاقي، ويتحول من وسيلة لتهذيب السلطة ومساءلتها إلى أداة لتبريرها وإضفاء المشروعية على ممارساتها.
فالسلطة لا تحتاج دائماً إلى القمع المباشر كي تضمن استمراريتها. أحياناً يكون أكثر الأساليب فاعلية أن تقنع الإنسان بأن ما يعيشه ليس نتيجة خيارات سياسية واقتصادية قابلة للنقاش والتغيير، بل قدر محتوم ينبغي التسليم به. وحين يقتنع المظلوم بأن الظلم جزء من طبيعة الحياة، وأن الفقر قدر لا سبيل إلى تغييره، وأن طاعة الحاكم فضيلة في كل الظروف، وأن الاعتراض على الواقع خروج على النظام أو تهديد للاستقرار، تكون السلطة قد قطعت شوطاً بعيداً في إحكام قبضتها من دون أن تضطر إلى رفع العصا. وهنا تحديداً يتحول الوهم إلى أداة سياسية. فالاستبداد لا يعيش بالقوة وحدها؛ يحتاج أيضاً إلى منظومة من الأفكار والتبريرات التي تجعل الخضوع يبدو طبيعياً، والاعتراض يبدو شاذاً، والصمت يبدو حكمة، والتسليم يبدو فضيلة. وحين تتولى بعض الأصوات ذات التأثير الديني أو الاجتماعي مهمة إنتاج هذه التبريرات، فإنها لا تعود تمارس دور الوعظ والإرشاد فحسب، بل تصبح، عن وعي أو من دونه، جزءاً من البنية التي تحمي السلطة من النقد.
وهذه هي المفارقة الأكثر خطورة: أن يصل الإنسان إلى مرحلة يدافع فيها عن النظام الذي يضيق عليه، ويبرر السياسات التي تزيد معاناته، ويبحث عن الأعذار لمن يمارسون السلطة عليه، ثم ينظر بعين الريبة إلى من يحاول كشف الخلل أو المطالبة بالتغيير. عندها لا تعود السلطة بحاجة إلى مراقبة الجميع؛ لأن بعض الناس يبدأون بمراقبة بعضهم بعضاً، ولا تحتاج إلى إسكات كل الأصوات؛ لأن المجتمع نفسه قد يتولى إسكات الأصوات المختلفة.
إن صناعة الإنسان المطيع ليست عملية سياسية خالصة، بل هي نتاج تفاعل معقد بين عوامل اقتصادية واجتماعية وثقافية ونفسية، فضلاً عن الظروف التاريخية والجغرافية التي تشكل وعي المجتمعات. فالفقر، والجهل، والخوف، والتهميش، وضعف التعليم، وانعدام العدالة الاجتماعية، كلها يمكن أن تهيئ بيئة خصبة لانتشار الخرافة والتفسير الجامد للأحداث. لكن العامل السياسي يكتسب خطورة استثنائية عندما يتداخل مع هذه العوامل جميعاً.
فالسلطة التي لا تريد أن تسأل، ولا ترغب في أن تحاسب، قد تجد في مجتمع ضعيف التعليم، مثقل بالفقر والخوف، قليل الثقة بقدرته على التغيير، بيئة أكثر ملاءمة لبقائها من مجتمع يمتلك وعياً نقدياً قادراً على السؤال والمناقشة والاعتراض. ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن تفعله السلطة ليس أن تمنع الإنسان من التفكير بالقوة، بل أن تجعله يعتقد أن التفكير لا فائدة منه.
إن المجتمع الذي يفقد القدرة على السؤال يفقد تدريجياً القدرة على التغيير. وحين تصبح الأسئلة جريمة، والنقد خيانة، والاختلاف خروجاً عن الجماعة، يتحول الاستقرار المزعوم إلى غطاء للجمود، ويصبح الخوف أحد مكونات الحياة العامة.
ومن هنا يمكن قراءة أهمية تراث علي الوردي في حاضرنا أيضاً. ففكرة (وعاظ السلاطين) لا ينبغي أن تحصر في زمن تاريخي معين، ولا أن تفهم بوصفها اتهاماً عاماً لرجال الدين أو أصحاب الخطاب الديني؛ إنها قبل كل شيء تحذير من فقدان الخطاب الأخلاقي لاستقلاله أمام السلطة.
فالخطاب الذي يذكر الحاكم بمسؤوليته أمام الناس يختلف جذرياً عن خطاب يطلب من الناس الصبر على أخطاء الحاكم. والخطاب الذي ينتصر للفقير والمهمش يختلف عن خطاب يفسر فقره بوصفه قدراً لا ينبغي الاعتراض عليه. والخطاب الذي يرفع قيمة العدالة يختلف عن خطاب يطلب من المظلوم أن يصمت حفاظاً على الاستقرار.
المشكلة إذن ليست في الدين ولا في الوعظ ولا في الإيمان، وإنما في توظيف المقدس لخدمة مصالح دنيوية، وتحويل القيم الأخلاقية إلى أدوات لتدجين المجتمع. فالسلطة بحاجة إلى القانون لكي تحكم، لكنها حين تفشل في إقناع الناس بعدالة حكمها قد تبحث عن وسائل أخرى تمنحها القبول. وهنا تبدأ صناعة المبررات، وتتسع مساحة التلقين، ويصبح الواقع المفروض وكأنه الواقع الوحيد الممكن. غير أن التاريخ لا يتغير بالتسليم، والمجتمعات لا تتقدم بالخوف، والعدالة لا تتحقق بالصمت.
إن بناء مجتمع حر لا يبدأ بإسقاط سلطة واستبدالها بأخرى، بل يبدأ بتحرير العقل من فكرة أن السلطة فوق السؤال، وأن الحاكم فوق النقد، وأن الواقع لا يمكن تغييره. فكل سلطة تخاف من السؤال، وكل خطاب يطلب من الإنسان أن يعطل عقله، يلتقيان في نقطة واحدة: إبقاء الواقع كما هو. وهنا تكمن أهمية النقد الذي تركه علي الوردي؛ ليس بوصفه موقفاً من الماضي، وإنما باعتباره دعوة دائمة إلى تفكيك العلاقة بين السلطة والوعي، وبين الخوف والطاعة، وبين الوهم والواقع.
حين يصبح الإنسان قادراً على السؤال، تبدأ السلطة بمواجهة الحقيقة. وحين يفقد الإنسان حقه في السؤال، يصبح الوهم حارساً أميناً للسلطة.

قد يعجبك ايضا