شاي بالهيل على الفحم… وذاكرة لا تغيب

 

 

ماجد الدباغ

 

 

في أمسية جميلة، زرت صديقي العزيز هيرش صابر، وجلسنا نتحدث عن «التآخي» وعن أيامٍ جميلة مضت، وعن رجال تركوا بصماتهم في الصحافة والثقافة والنضال.

احتسينا شايَ الهيل المُعدّ على الفحم، وكان للشاي في تلك الأمسية طعمٌ آخر؛ اختلطت رائحته بالذكريات، وأعادتنا رشفة بعد أخرى إلى الماضي الجميل، إلى أيامٍ كانت للكلمة فيها مكانة، وللقلم رسالة، وللصحافة رجال يحملونها كأمانة.

ومن بين تلك الذكريات، حضر أمامنا اسم الكاتب المبدع والبيشمركه المناضل الأستاذ الراحل فلك الدين كاكه يي.

عرفته رئيساً لتحرير جريدة «خه‌بات»، ثم رئيساً لتحرير جريدة «التآخي». وحين حطّ رحاله في بغداد بعد السقوط، جعل من كلمته الافتتاحية سلاحاً للدفاع عن الشعب الكوردي والعراقي، وعن قضايا الحق والعدالة والتآخي.

لكنني أتذكره بصورة أخرى، صورة لا تزال عالقة في ذاكرتي.

حين اشتد عليه المرض، كان يأتي مساءً إلى مكتب «التآخي»، حاملاً سلاحه الذي لم يفارقه يوماً: القلم، ومعه الكتب والأوراق التي كان يكتبها ويحملها بين ذراعيه.

ما إن يصل حتى يجلس على كرسيه، ويمسك قلمه، وينطلق في الكتابة. سطراً وراء سطر، وصفحة تلو أخرى، ولا يرفع رأسه إلا ليرتشف قهوة أو شاي، ثم يعود إلى الكتابة من جديد.

كان يكتب دون أن يعود إلى ما خطّه، وكأن الكلمات كانت مرتبة في ذاكرته قبل أن تصل إلى الورق.

تمر الساعات، ثم يرفع رأسه، يجمع أوراقه، ويتأهب للعودة إلى بيته في مصيف بيرمام.

وهكذا كان كل يوم…

كان يعشق القلم والأوراق، وكان جائعاً إلى الكتابة؛ يخط سطراً وراء سطر حتى يصل إلى النقطة الأخيرة، وكأنه لا يريد أن يترك فكرة واحدة حبيسة صدره.

وأحياناً كان ينسى أن يخط اسمه على ما كتب:

فلك الدين كاكه يي.

لكن هل كان يحتاج فعلاً إلى كتابة اسمه؟

لم يكن اسمه ضرورياً دائماً، فقد كان أسلوبه يكتب اسمه عنه.

جرأته في الكتابة، وصراحته، وشجاعته في قول ما يؤمن به دون خوف أو لومة لائم، كانت توقيعه الحقيقي.

كنت تقرأ المقال، وقبل أن تصل إلى اسم الكاتب، تعرف أنه فلك الدين كاكه يي.

ذلك هو الكاتب الحقيقي؛ حين يصبح أسلوبه اسماً، وقلمه هوية، وكلماته بصمة لا تتكرر.

رحم الله فلك الدين كاكه يي، ذلك الرجل الذي حمل البندقية في زمن، وحمل القلم في زمن آخر، لكنه ظل في الحالتين يحمل قضية يؤمن بها.

وفي تلك الأمسية، ونحن نحتسي شاي الهيل على الفحم، لم نكن نشرب الشاي وحده…

كنا نرتشف من كأس الذاكرة، ونستعيد زمناً جميلاً ورجالاً لا يغيبون.

 

 

 

قد يعجبك ايضا