الحق في المساواة وأزمة البنزين في إقليم كوردستان دراسة في ضوء الدستور العراقي

د. هلكورد عزيزخان عقراوي

أزمة البنزين التي تشهدها إقليم كوردستان تعد من القضايا التي تتجاوز في أبعادها الجانب الاقتصادي والخدمي، لتلامس مجموعة من المبادئ الدستورية المرتبطة (بالمواطنة والمساواة والعدالة)، في توزيع الموارد والعلاقة بين الحكومة الاتحادية وسلطات إقليم كوردستان، فالأزمات المتعلقة بالمنتجات النفطية لا تنعكس على محطات الوقود والمركبات فقط، بل تمتد آثارها إلى نقل والأسواق والأسعار والأنشطة الاقتصادية المختلفة وتؤثر بصورة مباشرة على الحياة اليومية للمواطن، فإن معالجة أزمة البنزين ينبغي ألا تكون محكومة بالخلافات السياسية أو المالية بين إقليم كوردستان والحكومة الاتحادية، بل يجب ان تستند إلى أحكام الدستور ومبادئ العدالة والمسواة وحماية مصالح المواطنين.

وقد أولى الدستور العراقي لسنة 2005، أهمية كبيرة لمبدأ المساواة وجعله من المبادئ الأساسية التي تحكم علاقة الدولة بالمواطنين، بالرجوع إلى نص المادة (14) التي تنص ((العراقيون متساوون أمام القانون دون تمييز بسبب الجنس أو العرق أو القومية أو الأصل أو اللون أو الدين أو المذهب أو المعتقد أو الرأي أو الوضع الاقتصادي أو الاجتماعي)). هذا النص يمثل قاعدة دستورية واضحة تؤكد أن كل المواطنين يجب التمتع بالحقوق الواردة في الدستور، ولا يجوز انتقاص هذه الحقوق أو احتكارها على منطقة أو مذهب أو قومية أو الموقع الجغرافي دون أخرى [1].

ونصت المادة (16) من الدستور العراقي أن ((تكافؤ الفرص حق مكفول لجميع العراقيين))، وهو ما يعكس التزام الدولة بتحقيق العدالة في توفير الفرص والخدمات والإمكانات العامة، ولا ينبغي فهم المساواة الدستورية باعتبارها مساواة حسابية مطلقة بين جميع المناطق، وإنما باعتبارها مساواة تقوم على العدالة والإنصاف وعدم التمييز غير المبرر. تختلف الاحتياجات بين محافظة وأخرى وفق عدد السكان وطبيعة النشاط الاقتصادي وحجم الاستهلاك، غير أن هذه الاختلافات يجب تستند إلى معايير موضوعية ومعلنة، لا إلى اعتبارات سياسية أو خلافات بين السلطات، فإن حق المواطن في الحصول على المنتجات النفطية بصورة منتظمة وعادلة يدخل ضمن الإطار الأوسع لمسؤولية الدولة في توفير الخدمات الأساسية وتنظيم الموارد العامة بما يحقق المصلحة العامة [2].

وإذا ننظر إلى إقليم كوردستان في البناء الدستوري للدولة العراقية

إقليم كوردستان العراق يمثل جزء من الدولة العراقية الاتحادية بموجب الدستور العراقي لسنة 2005، فقد نص المادة (117/ أولا)، بإقليم كوردستان وسلطاته القائمة إقليم اتحادي وأصبح جزء من البناء الدستوري للدولة العراقية، وبذلك فأن العلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كوردستان قائمة على أساس الشراكة الدستورية وتوزيع الاختصاصات وليس على أساس التعامل بين طرفين منفصلين، فإن المواطن الذي يعيش في دهوك أو أربيل أو السليمانية أو الحلبجة هو مواطن عراقي يتمتع بالحقوق ذاتها التي يتمتع بها المواطن في بغداد أو البصرة أو الموصل أو النجف، مع مراعاة الاختصاصات الدستورية الخاصة بالإقليم. الفدرالية لا يعني تجزئة المواطنة وإنما تعني توزيع السلطة والاختصاصات بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم وفق الدستور، فإن نجاح النظام الاتحادي لا يقاس فقط بوجود النصوص الدستورية، وإنما بمدى انعكاسها على حياة المواطنين وتطبيق نصوصها [3].

وبما أن النفط والغاز ملك لجميع الشعب العراقي

تكتسب أزمة البنزين البعد الدستوري الأكثر وضوح عند الرجوع إلى المادة (111) من الدستور، التي تنص ((النفط والغاز هو ملك كل الشعب العراقي))، وهذا النص يؤسس لمبدأ في غاية يتمثل في أن الثروة النفطية ليست ملك لمنطقة معينة وإنما هي ملك لجميع العراقيين، فإن مفهوم العدالة النفطية في العراق ينبغي ألا يقتصر على مسألة الإيرادات المالية، وإنما يجب أن يشمل الانتفاع العادل من المنتجات النفطية والخدمات المرتبطة بها [4].

وعندما يعاني المواطن في إقليم كوردستان من نقص في البنزين فإن معالجة الأزمة ينبغي ان تنطلق من كونهم جزء من الشعب العراقي ونسيجه الاجتماعي الذي نص عليه الدستور على الانتفاع بالملكية المشتركة للثورة النفطية وغيرها من الموارد، وبذلك يجب الفصل بين الخلافات القانونية والإدارية بين بغداد وأربيل، وبين الاحتياجات الأساسية للمواطنين.

وبالرغم من أن الدستور العراقي لسنة 2005 قد كفل المساواة بين جميع العراقيين، فإن بعض الإجراءات الاتحادية الأخيرة بشأن تزويد المواطنين بالوقود تثير تساؤلات جدية حول مدى انسجامها مع هذا المبدأ؟؟

من ذلك تقييد أو منع مواطني إقليم كوردستان من التزود بالبنزين في بعض المحافظات والمناطق المجاورة، كالموصل وكركوك وغيرها، فإذا كان هذا الإجراء قائم على أساس محل الإقامة أو الانتماء إلى الإقليم، فإنه يتعارض مع مبدأ المساواة وعدم التمييز المنصوص عليها في الدستور، فالموطن العراقي لا تتجزأ مواطنته بتغير مكان إقامته وتقتضي المسؤولية الدستورية مراجعة هذه الإجراءات وضمان معاملة جميع المواطنين على أساس المواطنة والمساواة.

جهود حكومة إقليم كوردستان في مواجهة الأزمة وحدودية إمكاناتها

حكومة إقليم كوردستان تبذل جهود كبيرة لمعالجة مشكلة البنزين والحد من آثارها، من خلال اتخاذ الإجراءات التنظيمية والإدارية والعمل على توفير احتياجات السوق ومراقبة محطات الوقود ومحاولة ضبط الأسعار ومنع استغلال الأزمة، فضلاً عن التواصل المستمر مع الحكومة الاتحادية من أجل زيادة الإمدادات النفطية لأن قدرة حكومة الإقليم على معالجة الأزمة بصورة نهائية تظل محدودة لأن الجزء الأساس من المشكلة مرتبطة بكمية المنتجات النفطية، حيث تبلغ الكمية المخصصة لإقليم كوردستان نحو (50) ألف برميل وهي كمية قليلة لا تكتفي في تلبية الاحتياجات الفعلية للسوق ولا سيما في ظل ارتفاع الاستهلاك وتزايد الحاجة إلى الموقود. فإن معالجة هذه الأزمة تتطلب التعاون المباشر من الحكومة الاتحادية واتخاذ إجراءات فعلية وعاجلة لمعالجتها ولا يجوز أن تقف مكتوفة الأيدي أمام معاناة المواطنين أو أن تتحول الخلافات السياسية والإدارية إلى سبب في زيادة أعبائهم، فإن المسؤولية الدستورية تقتضي زيادة كميات الوقود المخصصة للإقليم ورفع القيود غير المبررة وضمان حق جميع المواطنين في الحصول على المنتجات النفطية بصورة عادلة ومتساوية.

وفي الختام، إن أزمة البنزين في إقليم كوردستان ليست مجرد أزمة وقود، وإنما اختبار حقيقي لمفهوم المواطنة والمساواة والعدالة في الدولة العراقية الاتحادية، فالدستور وضع مجموعة من المبادئ الواضحة من المساواة أمام القانون وتكافؤ الفرص وملكية الشعب العراقي للنفط والغاز والاعتراف بإقليم كوردستان في العراق الاتحادي، والتحدي الحقيقي لا يكمن في وجود هذه النصوص وإنما في كيفية تحويلها إلى واقع يلمسه المواطن في حياته اليومية.

ينبغي التأكيد على أن حكومة إقليم كوردستان تبذل جهود كبيرة لمعالجة أزمة البنزين وتتخذ إجراءات للتخفيف من آثارها، إلا أن إمكاناتها تبقى محدودة أمام مشكلة ترتبط بصورة أساسية بحجم المنتجات النفطية المخصصة للإقليم.

المسؤولية عن حل أمة البنزين تقع على عاتق الحكومة الاتحادية بموجب الدستور وينبغي أن تكون فرصة لإعادة بناء الثقة بين بغداد وأربيل، فالعراق الواحد لا يتحقق بوحدة الأرض فقط وإنما بوحدة الحقوق، والمساواة لا تكون شعار دستوري إلا عندما تتحول إلى ممارسات يومية يشعر بها كل مواطن أينما كان موقعه الجغرافي داخل العراق، ويجب على الحكومة الاتحادية أن تضع مصلحة المواطن فوق الخلافات السياسية والإدارية.

المصادر والمراجع:

[1]-المادة (14) من الدستور العراقي لسنة 2005.

[2]- المادة (16) من الدستور العراقي لسنة 2005.

[3]- المادة (117) من الدستور العراقي لسنة 2005.

[4]- المادة (111) من الدستور العراقي لسنة 2005.

[5]-مظفر مزوري، بغداد ترفض تزويد إقليم كوردستان بالبنزين المدعوم، الموقع الإلكتروني: كوردستان24، 27/8 /2026.

[6]- الموقع الإلكتروني: كوردستان24، 27/8 /2026، كوردستان تبدي استعدادها لتسليم 50 ألف برميل نفط لبغداد مقابل تزويدها ببنزين الـ 450 ديناراً.

قد يعجبك ايضا