البروفيسور زهير غازي زاهد عضو المجمع العلمي العراقي
الصورة الرئيسية للمقال تظهر الشيخ محمد كاظم الطريحي والزعيم عبد الكريم قاسم – مؤتمر الفيلسوف الكندي -بغداد 1962
للشيخ الجليل محمد كاظم الطريحي (1920-2002م) سماتٌ وخصائص بين أدباء النجف وعلمائها، فقد كان له صوتٌ متميز في مجالس النجف والكوفة، وفي آفاق العراق وغيره ممن عرف هذا الصوت وهذه الشخصية الفذة. وقد يسأل سائل: ما هي هذه الخصائص وما هي آثارها؟ سأذكر جملة من خصائص فقيدنا التي امتاز بها:
حبه للوطن
أول ما يحسّ به الإنسان في حديثه حبُّه للوطن، ويبدو لي أن حب الوطن قد تلقّاه الراحل منذ أن فتحت عيناه على الدنيا، إذ كان مولده في السنة التي قامت فيها الثورة التي عُرفت بثورة العشرين 1920م. وهي ثورة وطنية كانت عنوان استقلال العراق ومقاومته للاحتلال، وكان منطلقها من النجف وكربلاء، إذ كانت شرارتها فتوى العلماء الأعلام وفي مقدمتهم العلامة الشيرازي، وقوامها عشائر الفرات الأوسط ومن ناصرهم من أطراف العراق. كان لهذه الثورة أصداؤها الواسعة وآثارها التي أرغمت المحتلين الإنجليز على الاعتقاد بأن في العراق شعباً لا ينام على الاحتلال، بل يقاومه بكل وسائل المقاومة. فبالرغم من حداثة أسلحة الاحتلال وبدائية أسلحة الثوار، كان النصر للثوار لإيمانهم ولرسوخ حب الوطن في نفوسهم. ومن آثار هذه الثورة ظهور الروح الوطنية وشيوع أغاني الثوار وأهازيجهم على أفواه الناس، فيتشرّب الأطفال هذه الروح وهذا الحب، بل يتغذّون به مع الرضاعة.
وأكبر ظني أن كتابة الفقيد الراحل بحثَه (الأدب في ثورة العشرين) من آثار ذلك الشعور الذي انغرس في نفسه منذ سنيه الأولى. وقد استمر هذا الحب للوطن ولم يثنِهِ عنه تعرّضه للاعتقال والملاحقة، وآخر ما أصابه – وهو أشد وأقسى ما يصاب به العالم والأديب المثقف – احتراق مكتبته بداره في الكوفة، وكانت عامرة بنوادر المطبوعات ونفائس المخطوطات. وكان ذلك في انتفاضة شعبان 1991، وكان يُطلعنا على تلك النفائس من المخطوطات حين كنا نزوره، ومعي الدكتور عبد الإله الصايغ، في سبعينيات القرن الماضي، بداره في الكوفة على شاطئ نهر الفرات، ويُمتّعنا بأحاديثه وأمسياته الشائقة.
حب العلم والعلماء وأهل الأدب

الشيخ الطريحي – أيام دراسته في الحوزة العلمية
أما حب العلم فهو من آثار بيئته، إذ إن المدينة التي وُلد فيها – الكوفة – مدينة العلم والحضارة الإسلامية، فهي وقرينتها (البصرة) من أسس الحضارة الإسلامية، إذ كانتا مدرستين للعلوم المختلفة: الفقه والحديث والقراءات والكلام والأدب ورواية الشعر. فالكوفة عاصمة الخلافة أيام الإمام علي (عليه السلام)، ثم هي عنوان مدرسة فقهية تتصل بفقه الإمام الصادق المتصل بفقه الإمام علي، نبوةً والأصل الرسول الأعظم، وهي مدرسة للقراءات القرآنية، ويكفي أن أقول: إنها قرأت بقراءة عبد الله بن مسعود الذي أخذ القرآن الكريم من النبي مباشرة، وكان النبي (ص) يحب أن يسمع القرآن من ابن مسعود، فقد قال فيه: «من سرّه أن يقرأ القرآن رطباً كما أُنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد» (المصاحف لأبي بكر السجستاني، ص137)، وكان ابن مسعود يقول: «لقد قرأت القرآن من فم رسول الله سبعين سورة…» (المصاحف، ص15-16).
وفيها الأعمش الفقيه صاحب القراءة، وفيها عاصم بن أبي النجود (ت127هـ) صاحب القراءة التي عليها مصاحف المشرق، ثم حمزة بن حبيب الزيات (ت156هـ) الذي كان أحد طرق قراءته الإمام علي وكذا عاصم، وأبو الحسن الكسائي (ت189هـ) صاحب القراءة ورأس المذهب الكوفي في النحو، وغيرهم.
ومنها المفضّل الضبّي (ت168هـ) صاحب كتاب المفضّليات، وهو أول ديوان يجمع من شعر العرب قبل الإسلام، وفيها حماد الراوية، ومنها أبو الطيب المتنبي، وغيرهم من أعلام العلم والأدب (انظر: حياة الشعر في الكوفة، ليوسف خليف).
أما النجف فهي وريثة الكوفة، المدينة العظيمة منذ القرن الرابع للهجرة، يوم حلّ فيها العلامة الطوسي المتوفى سنة 460هـ، ثم تطورت فيها مدرسته كما تطورت الحياة العلمية فيها، حتى صارت قِبلة أنظار طالبي العلم من الأقطار الإسلامية المختلفة، ومنبعاً لتخريج العلماء والأدباء. إن هذه المدينة يشيع فيها العلم والأدب حتى صارا زاداً لمن يولد فيها أو يسكنها، يسمعه في مجالسها المنتشرة ويأخذه في مساجدها وبيوت علمائها.
أما الأدب والشعر فيتنفسه أهلها مع الهواء، تسمعه في شوارعها وعلى لسان أطفالها، وفي أسواقها على ألسنة الباعة أهازيج وترانيم في بيعهم. والحديث يطول في تعداد خصائص هذه المدينة التي حاول الحاقدون أن يُطفئوا جذوتها العلمية والأدبية، ولكن هيهات، فترابها وهواؤها مهيّآن لأن ينبت فيهما العلماء والأدباء: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (الصف: 8).
وللفقيد بحثٌ عنوانه (النجف الأشرف أصالة وحضارة)، نشرته جريدة الديوان، الجزء الرابع، عام 2001م، والتي يصدرها في لاهاي محمد سعيد الطريحي، نجل الفقيد.
وإذا عرفنا أن الراحل نشأ في بيت علم، ووُجّه منذ نعومة أظفاره توجيهاً علمياً للأخذ عن كبار العلماء في الفقه والفلسفة والأدب، فقد بدأ بالأخذ عن والده الشيخ كاتب، ثم الشيخ عبد الأمير بن الشيخ عبد الهادي الفلوجي، والسيد حسن البزّاز. ومن المعروف أن المقدمات هي بداية الأخذ في الحوزة العلمية، وأهم علومها العربية من نحو وصرف في كتبها الموجزة المبسطة، كالمقدمة الآجرومية لابن آجروم الصنهاجي (ت723هـ)، ثم شرح قطر الندى لابن هشام (ت761هـ)، وهكذا يتدرج الدارس في علوم العربية لأهميتها في مستقبله في أي علم يتخصص فيه.

الشيخ الطريحي خلال القاء محاضرته عن (نصير الدين الطوسي بين الفلسفة وعلم الكلام) في جامعة طهران 1952 ويرى من اليمين المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون، الدكتور علي أصغر حكمت الدكتور إبراهيم بيومي مدكور
وبعد أخذه المقدمات في موطنه الكوفة، انتقل إلى النجف للأخذ عن كبار علمائها، كالشيخ مهدي الحجّار، والشيخ قاسم محيي الدين، والسيد محمد تقي بحر العلوم، والشيخ محمد جواد الجزائري، والشيخ محمد حسين المظفر، والشيخ عبد الكريم الزنجاني، والشيخ محمد رضا المظفر، والشيخ آغا بزرك الطهراني، وغيرهم.
ولم يكن هؤلاء الأعلام فقهاء فقط، بل كان منهم من عُرف بالشعر أيضاً، كالشيخ مهدي الحجّار والشيخ قاسم محيي الدين ومحمد جواد الجزائري، ومنهم من كان متعمقاً في الفقه كالشيخين المظفرين، ومنهم من كان متعمقاً في علم الرجال مثل الشيخ آغا بزرك، ومنهم من كان متعمقاً في الفلسفة مثل الشيخ الزنجاني، ومنهم من كان يسعى إلى التجديد وتطوير المناهج مسايرةً للعصر، مثل الشيخ محمد رضا المظفر والشيخ محمد حسين كاشف الغطاء. وكان لهذين العالمين أثرهما الواضح في مجرى حياة شيخنا الفقيد وميله إلى التجديد وعدم التخلف عن العصر، كما سيأتي في موضعه. ومن آثار شيخه الزنجاني حبه للفلسفة والاطلاع عليها، ثم بحوثه التي كتبها أو الكتب التي حققها في هذا المجال، ومنها:
ابن سينا، بحث وتحقيق، قدّم له الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، 1948م.
1 ــابن سينا بحث وتحقيق ــ قدم له الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء
عام 1948م.
2 ــنصير الدين الطوسي بين الفلسفة وعلم الكلام 1952م.
3 ــعقيدة ابن سينا 1954.
4 ــالفلسفة الإشراقية عند ابن سينا 1954.
5 ــالكندي فيلسوف العرب عام 1962.
وأما حبه للأدب فكان ظاهراً على قلمه ولسانه، فأول ما يلقاك تعرف فيه أديباً حلو العبارة واسع الاطلاع، وهو وإن كان مقلاً في الشعر، فقد غرس حب الشعر في نفوس أولاده، فكانوا كلهم بين أديب شاعر وباحث أكاديمي. وكان تتبّعه لقضايا الأدب وقراءاته الواسعة، ثم مشاركته في المناسبات الأدبية من أمسيات ومؤتمرات – كمؤتمرات الأدباء العرب المنعقدة في الكويت 1958م، وبغداد 1965م و1968م – من وسائل تعبيره إلى جانب أسلوبه في بحوثه.
ميله للتجديد
سبق أن ذكرت أن الفقيد كان يميل إلى التجديد في مجالات العلم والأدب، وذلك أثرٌ من آثار شيخيه: العلامة كاشف الغطاء الذي كان يلازمه، والشيخ محمد رضا المظفر، ولكليهما جهود علمية كبيرة وجهود اجتماعية دعوا فيها إلى التجديد وعدم الجمود.
فقد عُرف الشيخ كاشف الغطاء بدعوته إلى التآلف والتقريب بين المسلمين ونبذ الفرقة والتعصب، سواء بمشاركته في المؤتمرات المنعقدة في الأقطار الإسلامية أو من خلال مدرسته في النجف الأشرف وتآليفه المختلفة ومواقفه الجريئة فيما يشكّ به أو يشمّ منه رائحة الفرقة واستغلال المستعمر. ومن مواقفه الشهيرة ما أعلنه في بحثه المشهور (المثل العليا في الإسلام لا في بحمدون)، الذي وقف به في وجه المؤتمر الذي أُريد له الانعقاد باسم الإسلام في بحمدون (لبنان)، وكانت وراءه أغراض مشبوهة للمستعمرين تحت قناع الإسلام، فكشف ما كان مغطّى ومستوراً في ذلك المؤتمر. وبهذا الصدد كان للراحل الطريحي دراسة موسّعة عن العلامة الشيخ كاشف الغطاء.
وأما الشيخ محمد رضا المظفر، فكانت جهوده في ثلاثينيات القرن الماضي وما بعدها منصبّة على تجديد الجامعة في النجف وتطوير طرق دراستها، من خلال مؤلفاته في الفقه والمنطق والتاريخ الإسلامي، ومواقفه ودعوته – ونخبة من علماء النجف معه – للتقريب بين المسلمين ونبذ التعصب. فكان من ثمرات تلك الجهود التي كان المظفر على رأسها إنشاء جمعية منتدى النشر سنة 1935م، فكانت مركزاً علمياً وثقافياً وأدبياً. وكانت بنشاطها تنافس الرابطة العلمية الأدبية، فكان لكل منهما نشاطه وألوان ما يقدمه من أدب ومعرفة، ولكل منهما منتموه من العلماء والأدباء، وإلى جانب المظفر كان العلامة السيد محمد تقي الحكيم سكرتيراً للجمعية. لقد كان لهذين العالمين أكبر الأثر في اتجاه الراحل الطريحي إلى التجديد، وكان هذا الميل يظهر من خلال أحاديثه ومشاركاته العلمية والأدبية وبحوثه.
وقد طوّرت جمعية المنتدى بجهودها وجهود نخبة من العلماء إنشاءَ مدارس ابتدائية وثانوية تابعة لها، ثم تُوِّج هذا الجهد المبارك بإنشاء كلية الفقه التي أُجيزت سنة 1958م من وزارة التربية، وعُودلت شهادتها بشهادة جامعة بغداد. وقد تخرّجت بها أجيال من حملة شهادتها التي استوعبت مناهجها اللغةَ العربية وعلوم الشريعة الإسلامية.
وقد أدركتها في 1989م وهي في سنيها الأخيرة، مكبّلة بقيود رسمية بعد إلحاقها بالجامعة المستنصرية، إذ عُيّن لها عميد كان السعي من ورائه إنهاء وجودها. وتلك سيئة من مساوئ الصراع الطائفي في العراق مع الأسف، حتى أُلغيت سنة 1991م مع جامعة الكوفة، ولما أُعيدت جامعة الكوفة لم تَعُد الحياة إلى كلية الفقه.
ندوة الآداب والفنون المعاصرة في النجف
أذكر قضية في مجال الأدب: ففي أواسط الستينيات من القرن الماضي، كنت مدرساً في إعدادية النجف، وقمت مع جماعة من الأدباء الشباب بتأسيس ندوة أدبية تدعو إلى التجديد، مقابل الرابطة الأدبية التي تمثل شيوخ الأدب، سمّيناها (ندوة الآداب والفنون المعاصرة)، وكان معي الشاعر عبد الإله الصايغ وعبد الأمير مُعلّة وموسى كريدي وزهير الجزائري وآخرون، وأقمنا أول أمسية شعرية قُرئ فيها شعر حديث.
أسرع الشيخ محمد كاظم الطريحي للاتصال بنا، ودعانا إلى بيته العامر في الكوفة، مهلّلاً مرحّباً بهذا العمل الطريف، وأعلن انضمامه إلينا، ففرحنا لاندفاع هذا الشيخ الجليل معنا، وكان عمله معنا يمنحنا الاندفاع والتشجيع. وكان آنذاك يقدّم ولده محمد حسين ويشجعه على المشاركة بقصائد كانت تمثل مرحلته الأولى.
ظلّت الصلة معقودة بيننا إذ انتقلتُ إلى جامعة البصرة سنة 1970م، وكنت أزور النجف في المناسبات، خصوصاً العشرة الأولى من المحرم، وحين أزوره أو ألتقي به أراه ذلك الشيخ الذي يعيش نشاط الشباب، دؤوباً متابعاً، وفي كل لقاء أسمع منه حديثاً عن جهد من جهوده العلمية الجديدة أو مشاركة من مشاركاته العلمية أو الأدبية.
كان دائم الحركة لا يهدأ، وكنت أُفيد من أحاديثه وذكرياته التي كان يرويها بتواضع وبأسلوب روائي جميل يجذب سامعه.
أما عندما انتقلت من جامعة البصرة إلى جامعة الكوفة سنة 1989م، فقد كثرت لقاءاتنا، إذ كان فرحاً بتأسيس جامعة الكوفة وإنشاء كليتي الآداب والتربية. وعند انبثاق فكرة المركز الثقافي لجامعة الكوفة وتأسيسه، هلّل لذلك، وكان له مشاريع علمية لهذا المركز، منها تأليف موسوعة حضارية للنجف، وكنا نخطط لتقديمها إلى جامعة الكوفة لطباعتها ونشرها، ولكن إلغاء جامعة الكوفة ألغى كل المشاريع الثقافية والعلمية، فاضطر إلى الرحيل إلى بغداد ومن ثم الهجرة إلى دمشق.
وكنت قبل سفره من بغداد إلى خارج العراق أزوره، ومعي أخي الشاعر الدكتور عبد الإله الصايغ، في بيته المستأجر على دجلة، وكان يروي لنا ما حدث لبيته ومكتبته بسبب قصف الجيش مدينة الكوفة وزحفه على النجف للقضاء على الانتفاضة. وقد نشر بعد هجرته عمله (النجف الأشرف أصالة وحضارة) سنة 1994م ببيروت. وأما كتابه (في تاريخ النجف)، وهو أجزاء، فما زال مخطوطاً.

من اليمين د. زهير غازي زاهد. محمد سعيد الطريحي . د. الصغير. د جواد مطر الموسوي (قاعة جامعة الكوفة 2012)
في وداع الشيخ الطريحي
آخر لقاء لي بالشيخ الطريحي كان في آب 2000م، في دمشق، ببيته في محلة الزاهرة، وكان بعض عائلته معه. فرأيته وقد أخذت الشيخوخة منه مأخذاً، وعندما استقبلني قام متثاقلاً وقد خنقته العَبرة، وقال: «ما كنت أودّ أن تراني بهذه الحال». فهدّأت من روعه وذكّرته بما كان بيننا من ذكريات في الكوفة والنجف، فاستغرق متحدثاً وقد نسي أوجاعه وما كان يحسّ به من وهن. وقضينا خمس ساعات متتاليات مرّت وكأنها دقائق، نتبادل مختلف الأحاديث، وهو فرح بسفرته إلى الدنمارك، وكان معجباً بجمال طبيعتها وتنظيمها ومعاملة أهلها، خصوصاً حين دخل المستشفى، مقارِناً الوضع في هذا البلد الأجنبي بالمستشفى في وطننا، ذلك الوطن الغني نفطياً، لكن خيره لغير أهله وللمتسلطين من أهله.
لقد كانت مرارة الشكوى تحت لسانه تتسرب من خلال أحاديثه بوضع العراقيين وتشتتهم في منافيهم بأقطار الأرض، وتفريغ العراق من كفاءاته، وهي حياة لم يمرّ العراقي بمثلها عبر تاريخه، فبالرغم من مرور العراق بمراحل صعبة – مراحل احتلال وتسلط الأجنبي منذ المغول فالعثمانيين فالإنجليز – ما مرّ بمثل هذه المرحلة الشاذة التي يعيشها الآن. فالأمة العربية تشتّتت أكثر مما كانت عليه، وقد نادت بالوحدة العربية نصف قرن مضى، فهل هذه هجمة مضادة مدبَّرة على هذه الأمة، لتعلو حدودها أكثر مما كانت، وتزداد شراسة أنظمتها في تعصبها الإقليمي؟ وصار الحفاظ على كرسي السلطة أكبر همّها. كل ذلك كان يتسرب في أحاديثه، ويحاول أن يخففه بروحه المرحة ولسانه الظريف. وهو حتى تلك المرحلة لم ينقطع عن التفكير والكتابة، بل ظل محتفظاً بذاكرته ونشاطه الفكري.
أخلاق الفقيد
ولا يفوتني، وأنا أتحدث عن خصائص الفقيد، الحديثُ عن أخلاقه، فهي أهم ما يوزَن به العلماء والأدباء. فأهم سجية فيه هي التواضع وعدم ادّعاء العلم، وهي إحدى صفات العلماء الذين يثقون بأنفسهم، فالعالم عالمٌ ما طلب العلم، فإذا قال: إني علمت، فقد جهل. وكان تلقائياً لا يتكلّف مع الأصدقاء، ويجري الحديث بينه وبينهم ألواناً، إذ كان مجلسه محبَّباً كما هو لسانه، لا تراه يتحدث إلا عن قضايا أدبية أو علمية أو تاريخية أو اجتماعية، بعيداً عن المخاصمة والانتقاص من الآخرين، فكان يحتوي المجلس بظرفه وطرافة أحاديثه وأسلوب إلقائه وتوزيع أحاديثه على جلسائه.
وكان كريم اليد يُؤثر على نفسه ولو كانت به خصاصة، كما كان كريم اللسان لا يلوك لسانه إلا بطيب الحديث.
وكان طيب السريرة، عفَّ اليد واللسان، لذلك لم يتأخر في مساعدة المحتاج أيَّاً كانت حاجته، يتصرف صادقاً على قدر ما يستطيع، بعيداً عن تملق الآخرين لعلو همته وعزة نفسه. لذا آثر مهنة التعليم لكسب قوته بجهده وعرقه، وكانت محبَّبة لديه لأنها مجال لنشر الفضيلة والعلم والأدب في أجيال الناشئة.
لقد كان وقع خبر وفاته ثقيلاً مؤلماً وهو بعيد عن وطنه الذي أحبه، ولا بأس أن تكون الغربة شأن عظماء الرجال.
رحم الله فقيدنا الغالي، وعطَّر ثراه، إنه سميع مجيب.
ملحق
رسالة من الدكتور زهير غازي زاهد الى الشيخ محمد كاظم الطريحي

بسم الله الرحمن الرحيم
أخي الحبيب الأستاذ الشيخ محمد كاظم الطريحي دام عزيزاً موفقاً
لكم أطيب التحيات وأسمى الأمنيات وأحر الاشتياق، راجياً المولى تعالى أن يمتعكم والعائلة الكريمة بالصحة والسعادة.
والله يا أبا محمد جواد، قبل أيام أكلنا آخر وجبة من البامية التي أكرمتنا بها أم محمد جواد، أم علي، فما كانت أكثر لذة وحلاوة من أي خضرة في الدنيا، إذ ترتبط بموقف كريم لأخي بدمشق، كم كنت أشتاق إليه راجياً الله أن يمنّ علينا بتكراره سواء في وطننا الذي طال فراقه أو في أية بقعة في هذا العالم. إنه لقاء يختلف عن كل لقاءاتنا السابقة، كان فيه عبير السنين وملامح زمن الغربة وفنون الزمن الجلف الذي نعيشه، لكن روح أخي الشيخ كانت تنشر البهجة والفرح في مكان اللقاء وتبعث الذكرى تلو الذكرى وتستجمع العمر في لحظة، فهو لقاء لا أدري هل تجود الحياة بمثله؟
وحقك يا شيخ العلماء الظرفاء، إنه لقاء العمر. لقد وصفته للصديق عبد الإله الصائغ، وقد استقر به الحال في ديترويت في أمريكا، فجاءت رسالته ساخنة بالحسرات، إذ كان يتمنى لو كان معنا في الجلسة التي تتجدد في الذاكرة. أرجو أن يكون مقامكم في البلاد رائقا فلطالما قدّمت رجلاً وأخّرت أخرى للوصول إليه، وأخيراً أسفت لأني لم أحاول عليه منذ سنين، لأن الغربة العربية أقسى وألعن وأكثر تعباً من الأجنبية، فأملي أن يكمل الأولاد ما لم أُقدم عليه الأولاد ما لم أقدم عليه إن شاء الله.
لقد وصلتنا رسالة من أخي محمد سعيد من هولندا، ومعها نسختان من جريدة موسوعة “الديوان”، وإحداهما مخصصة لبحثكم الرائع المستقصي عن تاريخ النجف والأحداث التي مرّت به، فقد احتوى على أخبار نادرة دقيقة لا يصل إليها إلا خبير. أكرر أطيب تمنياتي لكم وتحياتي ام علي وعلي وليث، الى عمَّهم وخالتهم وختامه أبوي محمد جواد. والسلام عليكم ورحمة الله
زهير زاهد – التاريخ: 20/ 3/ 2001 م، جامعة الفاتح، ص.ب. 13420 طرابلس – ليبيا
***
تعقيب حول مقالة الدكتور زهير زاهد عن الشيخ الطريحي
وتأسيس ندوة الآداب والفنون المعاصرة
? البرفسور عبد الإله الصائغ
أستعيد الآن مطلع ستينيات القرن العشرين: تشكَّلت ندوة الآداب والفنون المعاصرة في النجف الأشرف في أجواء التدهور الذي حاق بالشعر النجفي التقليدي، والصراع غير المتكافئ وغير المسوَّغ بين القدامة والحداثة، فعقد الحالمون بأدب صافٍ (فتيان ندوة الآداب والفنون المعاصرة) لقاءات متصلة وحوارات ساخنة في عدد من المقاهي: عبد مذبوب وأبو المسامير في النجف، ومقهى السيد علي العوَّادي والبلدية وقصر الملك في الكوفة، وكان مؤسسوها: الشاعر زهير غازي زاهد، والشاعر عبد الإله الصائغ، والناقد زهير الجزائري، والقاص موفق خضر، والقاص جاسم الحجاج، والقاص موسى كريدي، والشاعر عبد الأمير معلة، والطالب حميد المطبعي [في كتاب “المفصَّل في تاريخ النجف” للدكتور حسن الحكيم، ج15، ص151، أن الندوة تأسست عام 1966م، وأنها اتخذت من مقهى أبو المسامير الواقع في شارع الخورنق مقراً لها، وأحياناً في دار الأستاذ محمد كاظم الطريحي في مدينة الكوفة، وممن ساهم فيها الأساتذة: صالح مهدي الظالمي، وحميد فرج الله، وموسى كريدي، وأن مجلة الكلمة كانت لسان حال الندوة].
وكنَّا نقوم بزيارات ودية لعدد من أعلام النجف والكوفة وكربلاء والحلة، أذكر منهم الإمام الخوئي قدَّس الله سرَّه، والسيد مصطفى جمال الدين، والشيخ محمد علي اليعقوبي، والأستاذ عباس الترجمان، والشيخ عبد الله الشرقي، والأستاذ مرتضى فرج الله، والأستاذ مدني صالح، والأستاذ محمد علي الخفاجي، والأستاذ عبد الجبار، ثم وجدنا مودة كبيرة من الشعراء اللبنانيين المقيمين في النجف بغية الدراسة في كلية الفقه، لبثوا في الذاكرة، منهم: السيد هاني الفحص، والسيد محمد حسن الأمين، والشيخ عبد اللطيف بري.
ونصحنا السيد مصطفى جمال الدين، وكان حميماً معنا، بضرورة ضم عنصر مهم إلى عضوية الندوة وهو الشيخ محمد كاظم الطريحي للانتفاع بتجربته العريضة ونزعته لرعاية الشباب، وقد سعدنا بهذه النصيحة فكلَّفْنا على الفور الشاعر والأكاديمي الوحيد بيننا زهير غازي زاهد، الذي عرفته المحافل الأدبية النجفية معتدل الهوى منصف النظرة بين التيارين المحتدمين آنذاك: التقليدي والتجديدي.. فامتثل على الفور وزار الطريحي في بيته، ولم يغادره قبل أن يحصل منه على الموافقة ويحدد موعداً ومكاناً للقاء المرتقب.
وقد التأم الشمل في حدائق قصر الملك فيصل الثاني رحمه الله، الذي تحول إلى كازينو باذخ البهاء بعد الإطاحة بالعهد الملكي. وميزة هذا المكان قربه من بيت الشيخ كاتب الطريحي، وأن مديره صديق قديم غلب عليه لقب “جاسم حكومة” (الأستاذ السيد جاسم عزَّام)، لكثرة علاقاته بأساطين الأجهزة الحكومية. وقد ترأستُ ذلك الاجتماع، ورحبت باسم جميع أعضاء الهيئة المؤسسة بالعضو الجديد الشيخ محمد كاظم الطريحي، واعتددتُ بانضمامه إلينا مكسباً كبيراً للندوة، وأثنيت على جهود زهير زاهد. وما أشد دهشتنا حين رفع الطريحي يده طالباً الكلام، وقبل أن ينتظر جوابي بادر إلى القول:
“وأنا سعيدٌ فعلاً بثقتكم الغالية، بيد أنني لم أُعطِ موافقتي النهائية.. وأنا رجل بسيط، لكنني لا أتخذ قراراتي ببساطة. لنكن صريحين حتى نرى الموضوع عن قرب ونحكم له أو عليه.. هل أنتم حزب سياسي جديد؟ هل أنتم منظمة لا همَّ لها غير الأدب؟ أهناك جهة ما تموِّلكم أو تصطف وراء الكواليس؟ أنا أعرفكم، صدقوني، وأعرف أيضاً عدم وجود قواسم مشتركة بينكم.. فيكم القومي والماركسي والبعثي والمستقل.. بل إنني أجد بينكم المتطرفين للحداثة والمغالين في القدامة.. كوكتيل؟ جبهة وطنية أدبية؟ كَلَكَس؟ اعذروني فمركزايَ الديني والعائلي لا يسمحان لي بوضع قدمي في موضع زَلِق..”
وقد فهمت مخاوفه وتعاطفت معها، فأكَّدت له أن المنظمة أدبية حداثوية بحتة ولا شأن لها بأهواء الأعضاء، فلكل إنسان حقه في اختيار سبيله السياسي إذا كان ذلك لا يسيء إلى الأخلاق والوطن، وأنت – كما أعلمنا مصطفى جمال الدين- أديب ومتديّن ومؤمن بحرية الاختيار. وثِقْ أن منظمتنا ستكون بلا رئيس أو مدير لأنها ستتبع نظام المائدة المستديرة.. وشدد زهير زاهد على حبنا للنجف وللتقاليد المشرقة.
وهنا فقط استراح الشيخ الطريحي وقال:
“على بركة الله، ولكن تذكروا جيداً أن النجف عاصمة دينية ثقافية، واحذروا من أن يُساء فهمكم فتحترق أوراقكم وتحرقونا معكم..”
فقلنا: نحن نتفق معك، وما إصرارنا على وجودك معنا إلا دليل عملي على حرصنا وحذرنا، وانفضَّ الاجتماع الودي ونحن أشد ثقة بوعورة الطريق الذي اخترناه وحساسية الزمكان الذي سنشتغل في فضاءاته، ثم استجبنا لمقترح العضو الجديد الذي يقضي باجتماعنا الأسبوع القادم في الطابق الثاني في بيت الطريحي، ومسوِّغ الاقتراح كامن في رغبة سماحة الشيخ كاتب للالتقاء بكامل هيئة الندوة المؤسسة، وتكوين فكرة واضحة عن طموحات الندوة، ومدى أهلية أعضائها للعمل في محيط النجف، قبل أن يأذن لولده ابن الخمسين للانضمام إلى الندوة والعمل في هيئتها المؤسسة.
في مجلس الشيخ كاتب الطريحي بالكوفة
ومرَّت الأيام العجلى فالتقينا في الأسبوع اللاحق.. وهكذا ضمَّ مجلس الشيخ كاتب رحمه الله فتيان ندوة الآداب والفنون المعاصرة، وكنا نشعر على نحو ما أننا بإزاء رجل صعب أو امتحان صعب.. وخفف من ارتباكنا مشهد الغرفة الكبيرة في الطابق الثاني التي تطل شبابيكها القديمة، وشناشيلها الأثرية، على نهر الفرات مباشرة، بل وتتناهى إلى مسامعنا إيقاعات أمواج النهر وهي تجري أو ترتطم بطابوق شريعة الماء ممزوجة برائحة الماء وشميم أشجار الصفصاف، زد على ذلك هيئة الشيخ كاتب بعمَّته المتميزة وجسده المغرق في النحافة، تحفُّ به مكتبة فخمة تتوفر على آلاف المجلدات والمخطوطات النادرة. ووقف ولده بين يديه مثل تلميذ مرتبك قبالة معلم صارم وقال له: سيدي الوالد، هؤلاء الأدباء الشباب الحالمون بتحديث الأدب النجفي، بل العراقي، بل العربي.. بدأ الشيخ الابن يشير بيده المرتعشة إلى كل واحد منا مع خلاصة ببليوغرافية عنه، والشيخ الأب يهز رأسه ويقول: أهلاً وسهلاً.
وأكدنا لسماحته أننا نحترم النجف عاصمة العلم والثقافة، ونحلم بأن يتخلص الأدب النجفي مما حاق به من حيف بسبب تسلط اعتبارات تافهة لا صلة لها البتة بالأدب، بله الدين، فهز الطريحي الكبير رأسه موافقاً ولم يسأل أو يعلّق، فقد تناهى إليه صدق لهجتنا وما أوصله إليه ولده من تطمينات، وشربنا الشاي وانصرفنا مغتبطين، وحين صرنا بعيدين عن بيت مضيفنا طفقنا نغني مفعمين بالنجاحات التي أنجزناها بوقت وجهد مناسبين.. وبدأت وفود الأدباء تزور بيتنا في الكوفة وبيت الطريحي مباركةً تشكيل الندوة، أتذكر منهم: سركون بولص، ويوسف الحيدري، وباسم عبد الحميد حمودي، وهاشم الطالقاني، ومحمد رضا آل صادق، وعبد الرحيم محمد علي، وعناد غزوان، وسامي مهدي، وجليل القيسي، وحميد سعيد، والسيد السعبري، والشيخ عبد الرزاق الأسدي البغدادي، ومحمد علي الخفاجي.
وبدأ مشوارنا مع الجمهور بإقامة مهرجانات أدبية كبرى وجدت لها صدى واسعاً لدى أدباء العراق وصحافته، وكان الشاعر الكبير والمناضل المعروف الأستاذ مرتضى فرج الله قد وضع بين أيدينا تجربته العريضة وملاحظاته الحاذقة، فكان الصديق الفذ للندوة، وقد استطاع زهير زاهد وعبد الأمير معلة، وهما مدرسان بارزان في ثانوية النجف، إقناع إدارة الثانوية ومجلس المدرسين بتبني الندوة وتخصيص القاعة الكبرى للاحتفالات الأدبية.. ثم أنني لاحظت عدم ارتياح واضح لدى الشيخ محمد كاظم الطريحي.
والأهم أن الشيخ صارحني بشأن استقالته من الندوة، وحين لججت في معرفة المسوِّغ ولم يمض على عمر الندوة بعد ثلاثة أشهر، أجابني وهو يهمس أحزانه: كَلَكَس مولانا (وتُلفظ كَلَكَس بفتح الأحرف الثلاثة وتسكين الحرف الرابع، ومعناها: الضحك على الذقون والنفاق)، وأضاف: أنت وزهير لا تعرفان ما يدور في الخفاء، وذكر لي الأسماء التي تسعى إلى جرِّ الندوة إلى تبني فكر سياسي محدد تكرهه المدينة، وأشار عليَّ أن أنبِّه زهير زاهد وزهير الجزائري.. وبعد قبول استقالة الطريحي بفترة وجيزة احتدم الخلاف بين عناصر الندوة، فانسحب موفق خضر زاعماً أن زوجه المذيعة المعروفة الأستاذة ملك مهدي (عملت مدرسة في ثانوية النجف للبنات، ونالت بعد موت زوجها درجة الماجستير في الأدب الإنجليزي، وميدان أطروحتها أعمال موفق خضر القصصية والروائية) علمت بطريق الصدفة أن الجنرال عبد الرحمن عارف، رئيس جمهورية العراق كلف من يتجسس على موفق خضر لأنه أحد أبرز أصدقاء علي صالح السعدي.. وقال موسى كريدي بسخريته المطبوعة عليها: يا سبحان الله، أقول ليش أمورنا مليوصة، تبين الرئاسة تركت شؤون البلد كلها واكتفت برصد حركات المسكين موفق خضر الذي يخاف من ظله. وانسحب جاسم الحجاج (نزيل النجف والمدرس الثانوي القادم من البصرة)، وانسحب حميد المطبعي وهو يشعر بالإهانة بعد أن طرده أستاذه وصديقه عبد الأمير معلة من الفصل، وكان المطبعي تلميذاً مشاكساً ومغروراً في ثانوية النجف، وقد تأخر في الدراسة مع أنه أكبر سناً من مدرّسه عبد الأمير معلة، وكان زميلي في مدرسة الغري الأهلية المسائية وزميل موسى كريدي وعبد الأمير الحصيري وزميلي في متوسطة الخورنق. وأصدر فوراً مجلة الكلمة على هيئة حلقات، مستغلاً ثغرة في قانون المطبوعات آنذاك، ومستفيداً من عمله في مطبعة الغري التي يمتلكها أخوه الأكبر وغريمه عبد الرضا المطبعي، وقد زايدت الكلمة في مقولة اليسار، ولبس حميد المطبعي لبوس الأممية والماركسية، وتطرفت كلمته في الصراعات الأدبية، وصبت جام غضبها على الأصالة.. والتحق به موسى كريدي.
في بداية الثمانينيات من القرن الماضي، وكنت موزعاً بين العمل التلفزيوني والصحفي، والتدريس في جامعة الموصل، وكان الدكتور زهير زاهد أستاذاً في جامعة البصرة.
وفي كل مناسبة أو دونها، كنا نزور صديقنا الشيخ الطريحي، ونضحك بملء أشداقنا، أو نحزن بكل جوارحنا حين نتبادل الآراء حول المصير الأسود الذي يسود العراق بعد طغيان العنصرية والطائفية والأحقاد التاريخية التي اضطلعت بها السلطات الظلامية.
بدت لهجة الشيخ مختلفة بعض الشيء، فهو يخطط للإفلات من قبضة الرعب إلى البلاد البعيدة ليتم مشواره العلمي والثقافي، ولم نكن نفقه ما يخططه الشيخ في سره.. وبُعيد استباحة قوات الحرس الجمهوري مدن الفرات الأوسط، عام 1991 وبخاصة النجف والكوفة وكربلاء والحلة، وما فعلته بالناس من هتك للأعراض، وسرقة للممتلكات، وتدنيس للعتبات المقدسة، ودفن للأحياء في مقابر جماعية، وحرث لمقبرة النجف (المعروفة إسلامياً بوادي السلام)..
جاءني الدكتور زهير زاهد في ضحى يوم عصيب، والعرق يتصبب من جبينه، والقلق بادٍ عليه، وقال لي: هيا نودع الشيخ الطريحي قبل فوات الوقت.. قلت له: ما الحكاية دخيلك؟ فقال: تعال معي، وفي السيارة نتحدث، وعلمت كل شيء. ووقفت بنا السيارة قبالة بيت بغدادي قديم في شارع مهمل قريب من شارع أبي نؤاس، ودخلنا البيت عجلين، وكان في استقبالنا الشيخ الطريحي، فتح ذراعيه وعانقني، وسمعته يبكي بحرقة أبكتني، ووجدت حقائب السفر مركونة بشكل غير منتظم، ودارت أحاديث متشعبة بيننا فهمت من خلالها أن لدى الشيخ إمكانية، إذا غادر العراق، أن يؤسس مشروعاً ثقافياً وربحياً معاً، وأسرَّ إليَّ أشياء أخرى خاصة لا مسوغ لكشفها الآن.
كنا نزور الشيخ الطريحي باستمرار (زهير زاهد والصائغ)، فهو يحبنا ويحترم فينا احترامنا للأجيال كافة وكراهيتنا للتطرف الذي كان وما زال أبرز سمات جيل الستينات مع الأسف. وكان الطريحي دائم الثناء على الأخوين زاهد أو الأخوين صائغ في المجالس الأدبية والاجتماعية، مما أسهم في كثرة حسادنا وشانئينا، ونحن في نظر الطريحي توأمان.
وقال زهير غازي زاهد: في أواسط الستينيات من القرن الماضي، كنتُ مدرساً في إعدادية النجف، وقمت مع جماعة من الأدباء الشباب بتأسيس ندوة أدبية تدعو للتجديد مقابل الرابطة الأدبية التي تمثل شيوخ الأدب، سميناها «ندوة الآداب والفنون المعاصرة»، وكان معي الشاعر عبد الإله الصائغ وعبد الأمير معلة وموسى كريدي وزهير الجزائري وآخرون.. وأقمنا أول أمسية شعرية قُرئ فيها شعر حديث. أسرع الشيخ محمد كاظم الطريحي للاتصال بنا، ودعانا إلى بيته العامر في الكوفة مهللاً مرحباً بهذا العمل الطريف، وأعلن انضمامه إلينا، ففرحنا لأن يندفع هذا الشيخ الجليل معنا؛ فكان عمله معنا يعطينا الاندفاع والتشجيع، وكان آنذاك يقدم ولده محمد حسين ويشجعه للمشاركة بقصائد كانت تمثل مرحلته الأولى.