جاوان القبيلة الكُردية في ذاكرة الحلة المزيدية

نبيل عبد الأمير الربيعي

ليست المدن مجرد أبنية وشوارع وأسماء جغرافية، كما أن القبائل والجماعات التي عبرت تاريخها لا يمكن اختزالها في الانتماء العشائري وحده؛ فالمدينة في معناها الأعمق ذاكرةٌ بشرية متراكمة، تتداخل فيها الهجرات والتحالفات والحروب والمصاهرات والثقافات، وتتشكل من خلالها هوية المكان عبر القرون. ومن هنا تأتي أهمية العودة إلى تاريخ الجماعات التي أسهمت في بناء المدن العراقية، ثم غابت أسماؤها تدريجياً من الذاكرة العامة.
ومن بين هذه الجماعات تبرز قبيلة جاوان الكوردية، أو الجاوانية، بوصفها واحدة من القبائل الكوردية التي كان لها حضور سياسي وعسكري واجتماعي وثقافي في العراق خلال العصور الوسطى، ولا سيما في المنطقة الممتدة بين جبال زاغروس وديالى وواسط والفرات الأوسط والحلة.
وليس الحديث عن جاوان هنا بحثاً في الماضي من أجل الماضي، وإنما هو محاولة لاستعادة صفحة من تاريخ العراق الاجتماعي والسياسي، وإعادة قراءة الحلة بوصفها مدينة تشكلت من تفاعل مكونات وجماعات متعددة، كان للكورد فيها حضور مبكر ومؤثر.

وقد وجدتُ في بحثي أن موضوع جاوان لم يكن مجهولاً لدى المؤرخين العراقيين، بل كان موضع عناية العلامة الدكتور مصطفى جواد، الذي خص القبيلة ببحث مهم حمل عنوان (جاوان القبيلة الكُردية المنسية ومشاهير الجاوانيين). وقد نشر البحث في مجلة المجمع العلمي العراقي، المجلد الرابع، الجزء الأول، سنة 1956، في الصفحات 84–121، وهو ما تثبته الفهارس الببليوغرافية للمجلة وأرشيفها.
وهكذا فإن العودة إلى هذا البحث ليست مجرد استعادة لكتاب قديم، وإنما استعادة لسؤال تاريخي ما زال مهماً: كيف أسهمت الجماعات الكوردية والعربية وغيرها في صناعة الحواضر العراقية، وفي مقدمتها الحلة؟
ترد الجاوانية في المصادر التاريخية بوصفها قبيلة كوردية كبيرة متعددة البطون والأفخاذ، وكان انتشارها في مناطق واسعة من العراق نتيجة حركة تاريخية طويلة من الانتقال من البيئات الجبلية والهضبية إلى المناطق السهلية المجاورة.
وهذه الحركة لم تكن استثناءً كوردياً، بل كانت جزءاً من ظاهرة تاريخية أوسع شهدتها المنطقة؛ إذ دفعت الظروف السياسية والاقتصادية والصراعات القبلية والتحولات العسكرية جماعات وقبائل عديدة إلى مغادرة مواطنها القديمة والاستقرار في السهول والمدن.
ويشير الدكتور زرار صديق توفيق، في دراسته عن القبائل والزعامات القبلية الكردية في العصر الوسيط، إلى أن مناطق زاغروس وشمال بلاد ما بين النهرين كانت من مواطن التجمعات الكوردية القديمة، وأن عوامل اقتصادية وسياسية وقبلية أسهمت لاحقاً في انتقال قبائل عديدة من الجبال والهضاب إلى المناطق السهلية المتاخمة لها.
ومن هنا يمكن فهم انتشار الجاوانية في مناطق البنديجين، والدسكرة، والنعمانية، وقوسان، وواسط، والمناطق الواقعة بين سفوح الجبال وضفاف دجلة. ولم يكن وجودهم وجوداً عابراً، بل ارتبط بالاستقرار وبناء العلاقات السياسية والعسكرية والاجتماعية مع القوى المحلية.
وتأتي أهمية شهادة السبكي، المتوفى سنة 771هـ/1369م، الذي أشار إلى جاوان باعتبارها قبيلة من الكُراد سكنت الحلة، وهي إشارة ذات قيمة في تتبع حضور الجماعة الكوردية في الحلة وبيئتها التاريخية.
الجاوانية والحلة المزيدية
تكتسب علاقة الجاوانية بالحلة أهمية استثنائية؛ لأن الحلة لم تظهر فجأة بوصفها مدينة مكتملة، وإنما جاءت نتيجة سياق سياسي واقتصادي واجتماعي ارتبط بإمارة بني مزيد، وبالأمير صدقة بن منصور المزيدي الأسدي.
وتنسب الرواية التاريخية تأسيس الحلة إلى سنة 495هـ/1101م، عندما اتخذ الأمير صدقة بن منصور الموقع المعروف بالحلة المزيدية عاصمة لإمارته، بعد أن كان وجود المزيديين مرتبطاً بمنطقة النيل الواقعة شمال الحلة باتجاه بغداد. وفي هذا السياق التاريخي كانت الجاوانية حاضرة إلى جانب بني مزيد، وأسهمت في حماية الإمارة وتثبيت نفوذها، كما ارتبط أمراؤها بعلاقات سياسية ومصاهرات مع الأمراء المزيديين.
وهنا ينبغي ألا نقرأ التاريخ بعين الحاضر؛ فالعلاقات بين القبائل والأمراء في العصر الوسيط لم تكن قائمة على مفهوم القومية الحديثة، وإنما كانت تتحرك وفق شبكة معقدة من التحالفات والولاءات والمصالح والمصاهرات والقوة العسكرية. ولذلك فإن وجود الجاوانية في مشروع الحلة المزيدية يجب أن يُفهم ضمن بنية المجتمع السياسي في ذلك العصر.
لقد كانت الحلة، منذ نشأتها، فضاءً للتفاعل بين جماعات متعددة، ولم تكن مدينة ذات لون اجتماعي واحد. وهذا ما يمنح تاريخها غناه، ويجعل البحث في أصول سكانها وتكوينها الاجتماعي والسياسي ضرورة لفهم تاريخها بصورة أكثر دقة.
من الأخطاء المنهجية التي يقع فيها بعض الباحثين عند دراسة تاريخ القبائل أن ينظروا إلى القبيلة وكأنها كيان ثابت لا يتغير. والحقيقة أن القبائل، مثل المدن والدول، تتحرك وتعيد تشكيل نفسها تبعاً للظروف.
فالجاوانية التي ارتبط اسمها بالمناطق الجبلية والهضبية، دخلت تدريجياً إلى مناطق السهول، واستقرت في مراكز حضرية ومناطق زراعية، وأصبحت جزءاً من البنية السياسية والعسكرية للعراق الوسيط.
ولذلك فإن انتقال الجاوانية إلى الحلة لم يكن مجرد انتقال سكاني، بل كان انتقالاً مصحوباً بتغير في الوظيفة الاجتماعية والسياسية. فالقبيلة التي كانت تتحرك في بيئة جبلية أصبحت جزءاً من مجتمع مدينة ناشئة، وتحول رجالها إلى أمراء وقادة وجنود، كما ظهر منهم علماء وفقهاء وأدباء وكتاب.
وهذه النقلة من المجال القبلي إلى المجال الحضري تكشف واحدة من أهم آليات تشكل المدن العراقية: المدينة لم تكن نقيض القبيلة دائماً، بل كانت في مراحل تاريخية معينة نتيجة لتفاعل القبائل والجماعات الوافدة مع السلطة والاقتصاد والزراعة والتجارة.
ومن أبرز الأسماء التي ارتبطت بتاريخ الجاوانية الأمير ورّام بن محمد الكُردي الجاواني، الذي ترد أخباره في سياق الصراعات السياسية والعسكرية التي شهدها العراق في أواخر القرن الرابع الهجري وبدايات القرن الخامس.
ويرتبط ظهور اسمه سنة 397هـ/1006م بالأحداث التي شهدتها بغداد ومناطقها، حين اجتمع مع عدد من الأمراء الكورد والأمير علي بن مزيد الأسدي في سياق الصراع السياسي والعسكري الذي كانت تشهده المنطقة.
وتكشف هذه الأحداث عن حقيقة بالغة الأهمية، هي أن الزعامات الكوردية لم تكن بعيدة عن مركز الأحداث السياسية في العراق، بل كانت طرفاً فاعلاً في التحالفات والحروب التي دارت بين القوى المحلية والأمراء والقادة العسكريين. وتنتهي أخبار ورّام بوفاته سنة 403هـ/1012م، ليخلفه ابنه أبو الفتح، الذي سيصبح واحداً من أبرز أسماء الجاوانية في المرحلة اللاحقة.
وقد وقع بعض المؤرخين في الخلط بشأن أصل ورّام، ومن ذلك ما ينسب إلى ابن الجوزي من عده في الأتراك، بينما تذهب المصادر التي اعتمد عليها د. مصطفى جواد إلى نسبته إلى الجاوانية الكوردية. وهذه المسألة، على الرغم من أنها تبدو تفصيلاً نسبياً، تكشف أهمية المقارنة بين الروايات التاريخية وعدم التعامل مع كل معلومة واردة في مصدر واحد باعتبارها حقيقة نهائية. فالتاريخ، في النهاية، ليس جمعاً للأسماء والتواريخ فقط، بل هو نقد للمصادر ومقارنة بينها وإعادة تركيب للوقائع في سياقها السياسي والاجتماعي.
برز بعد ورّام عدد من رجال الجاوانية، وكان من أشهرهم أبو الفتح بن ورّام، الذي ارتبط اسمه بالأحداث السياسية في العراق، وبالعلاقات بين الجاوانية وبني مزيد. وتذكر دراسات تاريخية حديثة، نقلاً عن بحث د. مصطفى جواد، أن أبا الفتح بن ورّام كان من أمراء الكورد الجاوانية، وأن له دوراً في التحالفات السياسية التي شهدتها المنطقة في القرن الخامس الهجري. ولم يكن هذا الدور عسكرياً فحسب، بل كان جزءاً من منظومة سياسية واسعة جعلت من الفرات الأوسط وجنوب بغداد مجالاً للتنافس بين الأمراء والقوى المحلية.
وقد كان بنو ورّام من أشهر بطون الجاوانية، وبقي أثرهم في الذاكرة الحلية حتى اليوم من خلال (محلة الأكراد)، وهو اسم مكاني يكتسب أهمية خاصة في دراسة الجغرافية التاريخية للحلة.
إن بقاء اسم (محلة الأكراد) ليس مجرد تسمية جغرافية؛ فالمدن تحتفظ بذاكرتها في أسمائها أكثر مما تحتفظ بها في كتب التاريخ. وقد تختفي جماعة من السجلات الرسمية، لكن اسمها يبقى على زقاق أو محلة أو سوق، ليقول للأجيال اللاحقة إن هنا عاش أناس كان لهم حضور في صناعة المكان.
من اللافت في تاريخ الجاوانية أن حضورها لم يقتصر على الحرب والسياسة. فقد أنجبت القبيلة رجالاً في الفقه والزهد والكتابة والأدب، وهو ما يدحض الصورة النمطية التي تحصر القبائل في الوظيفة العسكرية. وهذه نقطة مهمة في قراءة التاريخ الاجتماعي للكورد في العراق؛ إذ إن الحضور الكوردي لم يكن عسكرياً فقط، ولم يكن محصوراً في الجبال، وإنما شارك في الحياة الحضرية والعلمية والثقافية.
ومن هنا فإن دراسة الجاوانية ينبغي ألا تكون بحثاً في (قبيلة محاربة) فحسب، وإنما دراسة لمجتمع انتقل من المجال القبلي إلى المجال الحضري، وشارك في السياسة والجيش والعلم والثقافة. وهذا بالضبط ما يجعل موضوع مصطفى جواد ذا أهمية خاصة؛ فهو لم يكتفِ بالإشارة إلى قبيلة جاوان، بل سعى إلى تتبع مشاهيرها وإبراز مواقعهم في التاريخ العراقي.
كان العلامة مصطفى جواد واحداً من أبرز المؤرخين والباحثين العراقيين الذين أدركوا مبكراً أن التاريخ العراقي ما زال يخفي الكثير من صفحاته. ومن هذا المنطلق جاءت دراسته عن جاوان. وقد نشرت الدراسة أولاً في مجلة المجمع العلمي العراقي في العدد الأول من المجلد الرابع سنة 1956، بعنوان (جاوان القبيلة الكُردية المنسية ومشاهير الجاوانيين)، وتمتد صفحاتها من 84 إلى 121. ثم ظهرت الدراسة لاحقاً في صورة كتاب، وتثبت فهارس المكتبات الوطنية أن طبعة الكتاب صدرت في بغداد عن مطبعة المجمع العلمي الكردي سنة 1973، في 48 صفحة.
وهنا تبرز قيمة العمل الذي بين أيدي القراء: فهو لا يقدم مادة تاريخية فحسب، بل يعيد إلى الواجهة بحثاً من بحوث مصطفى جواد التي تستحق إعادة القراءة والتحقيق والنشر.
قصة الكتاب: من جلسات الحلة إلى يد الباحث
وللكتاب بالنسبة لي حكاية تتجاوز قيمته العلمية. ففي لقاءات متجددة جمعتني مع الباحث والمسرحي الصديق ثائر هادي جبارة في مقر عمله في الحلة، دار حديث طويل حول أصل الكورد وتاريخهم في العراق، وكنت آنذاك قد بدأت مشروعاً بحثياً عن (تاريخ الكُرد في العراق)، أحاول من خلاله مقاربة الموضوع من جوانبه التاريخية والسياسية والاجتماعية والثقافية واللغوية. وفي تلك اللقاءات طرح الصديق ثائر هادي جبارة فكرة تحقيق كتاب العلامة مصطفى جواد عن الجاوان، وكان يحتفظ بنسخة قديمة منه في مكتبته. وعدني حين يعثر عليها أن يسلمني إياها. وكان وعده من تلك الوعود التي لا تُنسى؛ لأنه لم يكن وعداً عابراً، وإنما كان تعبيراً عن شخصية عُرفت بالطيبة والوفاء. وفي مطلع آب 2023، وفّى ثائر هادي جبارة بوعده، ووضع النسخة بين يدي. وهنا بدأت رحلة أخرى مع الكتاب.
فالكتاب لم يعد بالنسبة لي مجرد أثر من آثار مصطفى جواد، وإنما أصبح وثيقة تحمل قصة انتقال المعرفة من يد إلى يد، ومن مكتبة شخصية إلى باحث يحاول إعادة إخراجها إلى المجال العام. وقد نشرتُ لاحقاً تحقيقاً لهذا الكتاب عن دار الفرات للثقافة والإعلام في بابل، في محاولة لإعادة تقديم هذا العمل إلى القارئ المعاصر، وهي معلومة منشورة في المادة التعريفية بالتحقيق التي ظهرت في شباط 2024.
لماذا جاوان اليوم؟
قد يتساءل البعض: ما الذي يجعلنا نعود إلى قبيلة عاشت قبل قرون؟ والجواب أن التاريخ لا يعود لكي نستعمله في صراعات الحاضر، وإنما لكي نفهم كيف تشكل الحاضر أصلاً.
إن دراسة قبيلة الجاوان تكشف أن العراق لم يكن في أي مرحلة تاريخية مجتمعاً مغلقاً أو أحادي التكوين. لقد كان دائماً فضاءً لتفاعل العرب والكورد والتركمان وغيرهم، ولتداخل القبائل والمذاهب والجماعات والثقافات. والحلة مثال ساطع على هذا التداخل.
فمدينة نشأت في سياق إمارة المزيديين لم تلبث أن تحولت إلى مركز علمي وأدبي وسياسي، وجذبت الشعراء والأدباء، واستقرت فيها جماعات مختلفة، كان من بينها قبيلة الجاوان الكوردية. ومن هنا فإن الاعتراف بالدور الكوردي في تاريخ الحلة لا ينتقص من دور بني مزيد أو القبائل العربية، كما أن الاعتراف بدور المزيديين لا ينتقص من حضور الكورد. التاريخ ليس مسابقة بين الهويات، وإنما هو سجل للشراكة الإنسانية في صناعة المكان.
ثم مشكلة أخرى ينبغي التوقف عندها، وهي استخدام التاريخ لتثبيت تصورات سياسية معاصرة. فحين نبحث في تاريخ قبيلة الجاوان، لا ينبغي أن يكون هدفنا إثبات أن الحلة (كوردية) أو (عربية) بالمعنى السياسي المعاصر؛ فهذا إسقاط لمفاهيم حديثة على مجتمع من العصور الوسطى. الحلة مدينة عراقية تشكلت عبر قرون من التفاعل بين مكونات متعددة، وهذا هو مصدر قوتها وجمالها. والجاوانية جزء من هذه الذاكرة، مثلما أن المزيديين جزء منها، ومثلما أن القبائل والجماعات التي استقرت في المنطقة لاحقاً أصبحت جزءاً من تاريخها.
إن الهوية العراقية، إذا أردنا فهمها تاريخياً، ليست هوية ناتجة عن أصل واحد، وإنما هي حصيلة تراكمات بشرية وحضارية طويلة. ولهذا فإن استعادة تاريخ قبيلة الجاوان ينبغي أن تكون مناسبة لتعميق الانتماء إلى العراق، لا مناسبة لإعادة إنتاج الانقسامات.
الحلة مدينة تتعدد فيها الذاكرة
حين أسير في الحلة اليوم، لا أرى مدينة معاصرة فقط؛ أرى طبقات من الزمن متراكمة فوق بعضها. هنا مر المزيديون، وهنا عاش الكورد الجاوانية، وهنا بقيت أسماء المحلات شاهدة على جماعات غابت أجسادها وبقيت أسماؤها، وهنا نشأ أدباء وشعراء وعلماء، وهنا ظل الفرات يحمل ذاكرة المدن التي قامت على ضفافه. ومن بين تلك الطبقات تظل (محلة الأكراد) شاهداً مكانياً على حضور الجاوانية في الحلة.
إن أسماء المحلات والأحياء والأسواق تستحق أن تكون موضوعاً لعلم مستقل في تاريخ المدن؛ لأنها تحفظ ذاكرة اجتماعية لا تسجلها دائماً كتب المؤرخين. وقد يكون الاسم الشعبي لمحلة ما أصدق من وثيقة رسمية، لأنه يعكس ما استقر في وجدان السكان عبر أجيال.
وصف د. مصطفى جواد جاوان بأنها (القبيلة الكُردية المنسية) يحمل دلالة تتجاوز القبيلة نفسها.
فكم من جماعة صنعت جزءاً من تاريخ العراق ثم غابت عن السردية العامة؟ وكم من أمير وقائد وعالم وأديب لم يبق من سيرته سوى إشارة صغيرة في كتاب قديم؟
إن وظيفة الباحث ليست أن يصنع تاريخاً جديداً، وإنما أن يبحث عن الأجزاء التي سقطت من الذاكرة، ويضعها أمام القارئ مع احترام المصادر وحدودها. وهذا ما يجعل إعادة نشر وتحقيق مثل هذه الدراسات عملاً ثقافياً مهماً؛ لأن التراث لا يعيش إذا بقي حبيس الرفوف. والكتاب الذي ينتقل من مكتبة إلى أخرى، ومن باحث إلى قارئ، يستعيد حياته من جديد.
إن تاريخ الجاوانية ليس هامشاً صغيراً في تاريخ العراق، ولا مجرد صفحة من صفحات الأنساب القبلية. إنه جزء من تاريخ سياسي واجتماعي وعسكري وثقافي شهدته منطقة الفرات الأوسط وجنوب بغداد والحلة خلال القرون الهجرية الأولى.
لقد شارك أمراء الجاوانية في الحياة السياسية والعسكرية، وتحالفوا مع بني مزيد، وبرز منهم رجال حرب وأدب وعلم، واستقروا في الحلة، وتركوا أثراً ما زالت بعض علاماته حاضرة في جغرافية المدينة وذاكرتها.
ومن هنا تأتي أهمية كتاب د. مصطفى جواد، لا بوصفه كتاباً عن قبيلة فحسب، بل بوصفه وثيقة عن العراق المتعدد، العراق الذي صنعته جماعات مختلفة، وتداخلت فيه الهويات والثقافات والمصالح، وترك كل مكوّن منه شيئاً في ذاكرة المكان.
إن إنصاف التاريخ لا يعني أن نمنح جماعة ما أكثر مما تستحق، ولا أن ننتزع من جماعة أخرى حقها؛ بل يعني أن نضع كل جماعة في موضعها الصحيح، وأن نقرأ الماضي بأدوات البحث لا بأمزجة الحاضر.
والجاوانية، في هذه القراءة، ليست قبيلة منسية فحسب؛ إنها صفحة من صفحات العراق التي تستحق أن تُقرأ من جديد. أما الحلة، فإنها حين تستعيد تاريخ الجاوانية، لا تستعيد «تاريخ الآخرين»، وإنما تستعيد جزءاً من تاريخها هي. وهذا هو المعنى الأعمق للبحث التاريخي: أن نعيد إلى الذاكرة ما أسقطه النسيان، وأن نقرأ تعددنا القديم بوصفه واحداً من منابع غنى العراق، لا سبباً جديداً للفرقة.

قد يعجبك ايضا