الصحفي والمحامي عرفان الداوودي
منذ عام 2003 وحتى عام 2026، 23 عاماً كاملة من الحكومات والبرلمانات والوزراء والمسؤولين، و23 عاماً من الوعود التي سمعها المواطن العراقي حتى حفظها عن ظهر قلب.
الكهرباء ستتحسن…
الماء سيتوفر…
الخدمات ستتطور…
البطالة ستنتهي…
الفساد سيُحارب…
والمال العام سيُحمى…
لكن ماذا كانت النتيجة؟
أزمات تتكرر، ووعود تتكرر، ووجوه تتغير، بينما المواطن هو الذي يدفع الثمن.
23 عاماً.. إلى متى؟
السؤال لم يعد: لماذا لم تُحل مشكلة الكهرباء؟
السؤال أصبح:
من المسؤول عن بقاء المشكلة 23 عاماً؟
كم وزيراً للكهرباء تعاقب على الوزارة؟
وكم حكومة أعلنت خططاً ومشاريع؟
وكم ملياراً أُنفقت؟
وكم عقداً أُبرم؟
وأين النتائج التي وُعد بها المواطن؟
إذا كانت الأموال قد صُرفت والمشاريع لم تحقق أهدافها، فهناك مسؤولية سياسية وإدارية ومالية يجب أن تُبحث بجدية من قبل الجهات الرقابية والقضائية المختصة.
أما أن يأتي مسؤول جديد ويكرر وعود المسؤول السابق، ثم تنتهي ولايته ويأتي غيره ليكرر الكلام نفسه، فهذه ليست إدارة دولة.
هذا استهلاك لعمر المواطن وثقة الشعب.
عندما يصبح الحكم مظهراً وليس مسؤولية
للأسف، أصبح المشهد عند بعض المسؤولين أقرب إلى استعراض للسلطة:
سيارات فارهة،
مواكب طويلة،
حمايات،
استقبالات،
صور ومقاطع على مواقع التواصل الاجتماعي،
تصريحات نارية،
وعود كبيرة،
واجتماعات لا تنتهي.
لكن عندما يعود المواطن إلى بيته، يجد الكهرباء مقطوعة، والغاز أو البنزين شحيحاً، والخدمات متراجعة، والشباب يبحثون عن فرصة عمل.
أي دولة هذه التي تُقاس فيها هيبة المسؤول بعدد السيارات والحمايات، بينما المواطن يبحث عن أبسط حقوقه؟
المسؤول الذي يحتاج إلى مئات الصور لكي يثبت أنه يعمل، عليه أن يترك الصور جانباً ويقدم للشعب أرقاماً ونتائج ومشاريع منجزة.
والفساد؟ من سرق المال العام؟
أما أخطر ملف فهو الفساد وهدر المال العام.
لا يجوز أن نتهم كل مسؤول بالسرقة دون دليل، لكن لا يجوز في الوقت نفسه أن نتعامل مع ملفات الفساد وكأنها أسرار ممنوع على الشعب السؤال عنها.
إذا كانت هناك أموال عامة صُرفت بلا نتائج، أو عقود شابتها مخالفات، أو مشاريع متلكئة، أو أموال اختفت بسبب الفساد أو سوء الإدارة، فإن السؤال الطبيعي هو:
أين ذهبت أموال العراقيين؟ ومن المسؤول عنها؟
الشعب لا يريد شعارات عن مكافحة الفساد.
الشعب يريد أن يرى المتهم يحال إلى القضاء إذا ثبتت مسؤوليته، والأموال المسروقة تُسترد، والملفات تُعلن للرأي العام وفق القانون.
إلى أين تتجه مصلحة بعض السياسيين؟
وهنا سؤال سياسي أكثر خطورة:
هل أصبحت مصلحة المواطن في المرتبة الأولى، أم أن مصلحة السياسي في الحفاظ على المنصب والنفوذ أصبحت هي الأولوية؟
نرى أحياناً مسؤولين يتسابقون على اللقاءات والاستقبالات، والقبلات والأحضان، والمجاملات السياسية، وكأن مستقبل العراق يُبنى بهذه المظاهر.
العراق لا يحتاج إلى مسؤول يعرف كيف يقبّل هذا ويحتضن ذاك.
العراق يحتاج إلى مسؤول يعرف كيف يبني مستشفى، وكيف يوفر الكهرباء، وكيف يحمي المال العام، وكيف يطبق القانون.
كفى ضحكاً على المواطن
بعد 23 عاماً، يجب أن نقولها بصراحة:
كفى وعوداً. كفى شعارات. كفى ضحكاً على المواطن.
لا يجوز أن يبقى المواطن العراقي رهينة لوعود انتخابية تتكرر كل أربع سنوات.
ولا يجوز أن يصبح المنصب وسيلة للامتيازات والنفوذ، بينما يبقى المواطن ينتظر أبسط حقوقه.
من يريد أن يحكم العراق، فليتقدم إلى الشعب بالإنجاز لا بالكلام.
ومن يريد أن يحصل على ثقة المواطن، فليثبت أين ذهبت الأموال، وماذا أنجز، وماذا فشل في إنجازه، ومن يتحمل المسؤولية.
الشعب يريد دولة قانون
العراق لا يحتاج إلى مزيد من الأشخاص الذين يتحدثون باسم الدولة.
العراق يحتاج إلى دولة حقيقية.
دولة لا يحمي فيها المنصب صاحبه من المساءلة.
دولة لا تُغلق فيها الملفات بتغيير الوزير.
دولة لا يختفي فيها المال العام خلف العقود والمشاريع المتلكئة.
دولة لا يكون فيها المواطن آخر من يُسمع صوته.
لقد مضت 23 سنة.
23 سنة تكفي لكي نعرف أن المشكلة ليست في نقص الوعود، بل في غياب التنفيذ والمحاسبة الحقيقية عندما يفشل المسؤول أو يثبت تورطه بالفساد وفق القانون.
ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يبقى أمام الجميع:
من يحاسب من حكم العراق طوال هذه السنوات؟
فالسلطة ليست ملكاً لأحد، والمال العام ليس مال السياسي، والمنصب ليس امتيازاً شخصياً.
إنه تكليف أمام الشعب، ومسؤولية أمام القانون، وتاريخ لا يرحم.
وإذا كان المسؤول قد وعد الشعب ولم ينفذ، فعليه أن يجيب.
وإذا فشل، فعليه أن يتحمل مسؤوليته.
وإذا ثبتت عليه جريمة فساد، فعليه أن يواجه القضاء.
أما أن يستمر الفشل، وتستمر الوعود، وتستمر الامتيازات، ثم يُطلب من المواطن أن يصمت… فهذا ما لم يعد مقبولاً.
23 عاماً كانت كافية جداً…
العراقي يريد دولة تعمل، لا دولة تتكلم.
يريد إنجازاً، لا استعراضاً.
يريد قانوناً، لا حصانة سياسية.
ويريد أموال بلده أن تُصرف على الشعب، لا أن تضيع في دهاليز الفساد .