” وسيط لموافقة أمنية ” قصة قصيرة

ماهين شيخاني

كانت حصة فراغ.
استغلها زميلي، وهو موجه في مدرسة الإعدادية، ليأخذني في جولة قصيرة خارج المدرسة. لم أسأله إلى أين، فقد ظننت أن الأمر لا يتجاوز نزهة عابرة أو حديثاً في مكان قريب.

تأبط ذراعي، ومضى بي بخطوات واثقة، كأنه يعرف تماماً إلى أين يتجه.

كان زميلاً بعثياً معروفاً في البلدة، واسع العلاقات، وله معارف في دوائر كثيرة.

بعد مسافة، التفتُّ إليه وقلت:

ــ إلى أين تأخذني؟ لقد ابتعدنا كثيراً عن المدرسة.

ابتسم وقال:

ــ لا عليك… بقيت خطوات قليلة فقط.

واصلنا السير.

ثم بدأت أشعر بشيء من القلق.

وعندما ظهر أمامنا مبنى الأمن العسكري، أدركت فجأة إلى أين كان يقودني.

توقفت.

ــ ماذا نفعل هنا؟

نظر إليّ بهدوء وقال:

ــ سمعت أنك قدمت طلباً للموافقة على السفر إلى تركيا… وربما أستطيع مساعدتك.

شعرت كأن دلوًا من الماء البارد انسكب فوق رأسي.

نظرت إلى المبنى، ثم إليه.

قلت بحزم:

ــ أعتذر… لا أستطيع الدخول.

ــ ولماذا؟

ــ أتريد أن أتسبب في طردي من وظيفتي؟ ليس لي أن أواجه رئيس القسم، وبالأخص معك أنت. معظم زياراتهم لنا في المدرسة تكون بسبب الأسئلة عنك.

ساد صمت قصير.

ثم قال:

ــ حسناً. ابقَ هنا عند المدخل. وإن لم أخرج، أخبر أهلي بما حدث.

طرق الباب ودخل.

بقيت وحدي.

كان المكان هادئاً على نحو يثير الريبة. وقفت أمام الباب الحديدي، أتطلع إليه بين لحظة وأخرى.

مرت دقائق.

ثم ظهر رجل أمن بملامح حادة، ومن أصول كردية، وقال لي:

ــ انتظر قليلاً، سأخبر الرئيس بأمر الموافقة.

لم أفهم لماذا طلب مني الانتظار.

وقفت.

دقيقة…

ثم أخرى…

وأخذت أحسب المسافة بين المدرسة وهذا المكان، وأقدّر الوقت الذي مضى، وكأنني أحاول أن أهرب من المكان بالحساب.

عاد الرجل بعد قليل.

اقترب مني وقال:

ــ أبو علي سيمنحك الموافقة… ولكن بشرط.

تغير شيء في داخلي.

قلت:

ــ تفضل… ماذا يريد؟

ذهبت مخيلتي بعيداً.

ربما يريد هدية.

ربما شيئاً لمنزله.

ربما مبلغاً من المال.

كنت مستعداً لكل شيء تقريباً… إلا ما لم يخطر في بالي.

قال الرجل متردداً:

ــ والله يا أستاذ… لا أعرف كيف أدخل في الموضوع.

ثم صمت لحظة وأضاف:

ــ بصراحة، سيمنحك الموافقة بشرط أن تتعاون معنا.

حدقت فيه.

ــ لم أفهم… كيف أتعاون معكم؟

خفض صوته:

ــ أنت رجل ذكي، وتفهم المقصود. المطلوب منك فقط أن تتعهد بجلب المعلومات لنا.

ساد الصمت.

ثم قلت:

ــ آه… يعني مخبراً؟

لم يجب.

واصلت، وقد بدأ الغضب يصعد إلى صوتي:

ــ يا سيدي… منذ خمس وعشرين سنة وأنا هنا. أنتم تعرفون كل شاردة وواردة في هذه البلدة. هل سمعتم عنا يوماً أننا بعنا أخلاقنا أو قيمنا إلى هذه الدرجة؟

نظرت إليه مباشرة وقلت:

ــ لماذا تهينوننا؟

خفض رأسه وقال:

ــ أستاذ، لا تؤاخذني… الأمر ليس بيدي. هكذا طُلب مني.

لم أجب.

استدرت وخرجت.

خرجت من المبنى كما دخلته…

بلا موافقة.

لكنني خرجت محتفظاً بشيء لم يستطيعوا انتزاعه مني.

كرامتي.

لم أسافر إلى تركيا.

وبعد ثلاثة أشهر…

توفي خالي.

كان مريضاً، وكان بحاجة ماسة إلى من يرافقه إلى المشافي، وكنت أتمنى أن أكون إلى جانبه.

لكنني لم أستطع.

ومنذ ذلك اليوم، كلما تذكرت ذلك الباب الحديدي، لم أعد أتساءل عن ثمن الموافقة…

بل عن ثمن الكرامة.

كان ثمنها هذه المرة…

ثلاثة أشهر فقط.

وثلاثة أشهر كانت كافية كي أخسر إنساناً عزيزاً إلى الأبد.
.

قد يعجبك ايضا