دور رجال الدين المسيحي في الشأن السياسي

الكاردينال لويس ساكو

كثر في الآونة الأخيرة الحديث عن ضرورة عدم تدخّل رجال الدين في السياسة، وكأنّ الحضور الديني في المجال العام يتنافى، في جوهره، مع طبيعة الرسالة الدينية. غير أنّ هذه المسألة تحتاج إلى شيء من التمييز والدقة، فالتدخّل في الشأن السياسي الهدف منه خدمة الخير العام، والدفاع عن العدالة والسلام، وصون حقوق الإنسان وحريته وكرامته، فإنه يغدو موقفًا أخلاقيًا ومسؤوليةً تجاه المجتمع، لا ممارسةً حزبية أو سعيًا إلى منفعة خاصة.

والتاريخ، في هذا السياق، يقدم لنا نماذج عديدة لرجال دين كبار أدّوا أدوارًا مؤثرة في الحياة السياسية والعامة، لا انطلاقًا من رغبة في الوصول إلى السلطة، وإنما دفاعًا عن الإنسان وقيم الحق والعدل والسلام. ولم ينقطع هذا الدور في العصر الحديث؛ فما يزال لصوت بابا الفاتيكان حضورٌ وتأثيرٌ بارزان في القضايا الدولية والإنسانية، كما يحتفظ الأزهر الشريف بمكانة مؤثرة في القضايا العامة، وكذلك المرجعية الشيعية العليا في النجف التي كان لها، ولا يزال، حضورٌ واضح في الشأن العام ومواقف مؤثرة في القضايا الوطنية والمجتمعية.

وإذا انتقلنا إلى تاريخ كنيسة المشرق، نجد أن البطريرك لم يكن شخصيةً دينيةً منعزلةً عن محيطها السياسي والاجتماعي، بل اضطلع، في مراحل تاريخية مختلفة، بدورٍ يتجاوز الإطار الكنسي الضيق، ولا سيما في حماية أبناء شعبه، والدفاع عن حقوقهم ومصالحهم، والتواصل مع السلطات الحاكمة بما يخدم وجودهم وأمنهم ومستقبلهم.

ومن الشواهد التاريخية اللافتة على ذلك ما جرى في العصر العباسي. فعندما قرّر الخليفة المعتصم بالله نقل مقرّ الخلافة إلى مدينة سامراء واتخاذها عاصمةً للدولة، نقل البطريرك سركيس (860–872م) مقرّه هو الآخر إلى سامراء، ليكون قريبًا من الخليفة. ولم يكن هذا الانتقال مجرد إجراء إداري أو اختيارًا لمقرّ جديد، بل ينبغي قراءته في إطار الدور الذي كان يضطلع به البطريرك في تمثيل كنيسته وشعبه، ومتابعة شؤونهم، والدفاع عن مصالحهم في ظل السلطة القائمة.

وهذا المثال التاريخي يبيّن بوضوح أن حضور رجل الدين في المجال السياسي لإيصال صوت الشعب إلى أصحاب القرار، والدفاع عن حقوقههم وكرامتهم.
(انظر: كتابنا، سير البطاركة، الطبعة الثانية، بغداد، 2023، ص 82).

دور كنيسة المشرق في العلاقات الدبلوماسية بين الإمبراطورية الفارسية والإمبراطورية الرومانية

تناولتُ في هذه الأطروحة الثانية سنة 1985 في جامعة السوربون/ باريس، دور كنيسة المشرق في العلاقات الدبلوماسية بين الإمبراطورية الفارسية والإمبراطورية الرومانية ـ البيزنطية، خلال الفترة الممتدة من القرن الخامس إلى القرن السابع، أي حتى سقوط الإمبراطورية الفارسية.
وقد رصدت الدراسة ثلاث عشرة بعثة دبلوماسية إلى الإمبراطورية البيزنطية، ترأسها رجال دين من كنيسة المشرق.

يمكن تلخيص أهم الأسباب التي دفعت الفرس إلى اختيار رجال الدين المسيحيين لقيادة هذه البعثات بما يأتي:
1.كون الدولة البيزنطية دولةً مسيحية؛ ولذلك كان من المؤكد أن تحظى الوفود المسيحية القادمة من فارس باستقبال أفضل، وأن تجد آذانًا صاغية لمطالبها.
2.المكانة التي كان يتمتع بها رجال الدين المسيحيون؛ إذ كانوا موضع ثقة واحترام لدى السلطات والمجتمع في الإمبراطورية البيزنطية.
3.إتقانهم اللغات؛ فقد كان عدد منهم يجيد اليونانية والفارسية والسريانية، مما سهّل عليهم التواصل وأداء مهامهم الدبلوماسية.
4. الولاء لبلادهم وضمان العودة؛ إذ كان الفرس يرون في رجال الدين ضمانةً أكبر لعودة أفراد البعثة إلى بلادهم، في حين لم تكن الثقة بالمواطنين المدنيين مطلقة، وقد كان بعضهم لا يعود من البعثات التي يُوفد إليها.
5. انخفاض تكلفة البعثات الدينية مقارنةً بالبعثات المدنية؛ إذ كانت البعثات التي يقودها رجال الدين أقل كلفة من حيث النفقات والمتطلبات وعموما كانت الكنائس هي التي تضيفهم.

تكشف هذه السياسة عن نهج فارسي اتسم بالذكاء والواقعية والصبر الاستراتيجي في إدارة العلاقات الخارجية، وهو نهج يمكن ملاحظة بعض ملامحه في السياسة الفارسية عبر مراحل تاريخية مختلفة.

بعثة البطريرك إيشوعياب الثاني 630

ومن أبرز الأمثلة على ذلك، البعثة الدبلوماسية التي ترأسها البطريرك إيشوعياب الثاني في خريف عام 630م، حيث التقى الوفد بالإمبراطور هرقل في حلب بسوريا، في وقت كان فيه الإمبراطور يشرف على إعادة تنظيم الجهاز الإداري.
وقد توصل البطريرك والإمبراطور إلى اتفاق تضمن ثلاث نقاط رئيسية:

1.​اعتراف الطرفين بالحدود المتفق عليها عام 591م.
2.​إخلاء جميع المناطق التي احتلها أحد الجيشين، في أقرب وقت ممكن.
3.​إعادة أسرى الحرب إلى ذويهم فورًا.

علاقة البطريرك إيشوعياب الثاني بالمسلمين
كما أقام البطريرك إيشوعياب الثاني علاقات طيبة مع المسلمين القادمين من شبه الجزيرة العربية، ولا سيما بعد دخولهم الأراضي الفارسية وسقوط العاصمة المدائن (ساليق وقطيسفون) عام 637م.
وتضمنت التفاهمات التي أُبرمها معهم عددًا من البنود، من أبرزها:
1.​دفع المسيحيين الجزية مقابل الحماية؛ وكانت الجزية، في كثير من الأحيان، أقل مما كانوا يدفعونه سابقًا للسلطات الفارسية.
2.​ضمان حرية ممارسة الشعائر الدينية؛ إذ تُرك للمسيحيين حق ممارسة شعائرهم الدينية، شريطة ألا يقوموا بأي نشاط تبشيري يستهدف المسلمين.

تبرز هذه الأحداث الدور الذي أدته كنيسة المشرق، ورجال الدين فيها، بوصفهم وسطاء دبلوماسيين أسهموا في بناء قنوات التواصل بين القوى السياسية الكبرى في المنطقة، وفي حماية مصالح جماعتهم الدينية خلال التحولات السياسية والعسكرية الكبرى التي شهدها الشرق الأدنى في تلك الحقبة.

رسم لجاثاليق او سقف مشرقي يعود لسنة 837-839 وجد في قصر المختار بسامراء
قد يعجبك ايضا