الجامعات العراقية بين وجع الواقع وإنصاف الحقيقة

د. محمد صديق خوشناو

ليس من الحكمة أن ننكر واقع الجامعات العراقية، كما ليس من الإنصاف أن نختزل مسيرتها في منشور عابر أو معلومة غير دقيقة تتداولها وسائل التواصل الاجتماعي.

أقول ذلك من موقع التجربة؛ فقد أمضيت أكثر من خمسة عشر عامًا في إدارة جامعات حكومية وأهلية، وعرفت عن قرب ما تستطيع الجامعة أن تحققه حين تتوافر لها القيادة الأكاديمية الرصينة والكفاءة والبيئة المناسبة، وما يمكن أن تخسره حين تتراجع هذه المعايير.

لا شك أن الجامعات العراقية، في بغداد والمحافظات وإقليم كوردستان، تأثرت بشدة بالظروف التي مر بها العراق، وبخاصة هجرة الكفاءات العلمية، وتراجع البحث العلمي، وضعف البيئة الأكاديمية، إضافة إلى أخطاء في إدارة التعليم العالي واختيار بعض القيادات بعيدًا عن معيار الكفاءة.

لكن معالجة هذه المشكلات لا تكون بتشويه صورة جامعاتنا أو نشر معلومات غير دقيقة عنها.

فقد انتشرت مؤخرًا ادعاءات على وسائل التواصل الاجتماعي تزعم أن جميع الجامعات العراقية خرجت من التصنيفات العالمية. وبالرجوع إلى الموقع الرسمي لـ QS World University Rankings، نجد أن جامعة بغداد مدرجة في تصنيف 2027 ضمن الفئة 801–850 عالميًا، الأمر الذي يدحض التعميم المتداول.

كما أن عددًا من جامعات إقليم كوردستان استطاع أن يحقق حضورًا في التصنيفات والتقييمات الدولية بدرجات متفاوتة، وهو ما يؤكد أن المشهد الأكاديمي العراقي ليس بالصورة السوداوية التي يحاول البعض تقديمها.

نعم، مراتب جامعاتنا لا تزال دون مستوى الطموح، وهذا يستوجب إصلاحًا حقيقيًا يبدأ من دعم البحث العلمي، واحترام الأستاذ والباحث، واستقطاب الكفاءات، وتطوير المناهج، وتعزيز الحوكمة والاستقلال الأكاديمي.

لكن علينا أن ندرك أن التصنيف نتيجة وليس هدفًا. فالجامعة الناجحة ليست التي تحتل رقمًا متقدمًا فحسب، وإنما التي تنتج المعرفة، وتبني الإنسان، وتخدم المجتمع، وتنافس علميًا على المستوى الدولي.

لقد علمتني سنوات العمل الأكاديمي أن بناء جامعة رصينة يحتاج إلى سنوات، بينما يمكن أن تهدم سمعتها في دقائق بمنشور لا يستند إلى مصدر موثوق.

لذلك، نحن بحاجة إلى نقد يبني لا يهدم، وإصلاح يصحح المسار لا يبرر الأخطاء، ومعلومات تستند إلى الحقائق لا إلى ما يتناقله التواصل الاجتماعي.

إن جامعات العراق وإقليم كوردستان تستحق النقد حين تخطئ، والإنصاف حين تُنصف، والدعم حين تنجح.

فمستقبل التعليم العالي لا يُبنى بالشعارات ولا بالتصنيفات وحدها، بل بالكفاءة، والبحث العلمي، والقيادة الرشيدة، والاستثمار في الإنسان والمعرفة.

قد يعجبك ايضا