مسعود بارزاني.. قائد لا يتراجع عن كلمته ويؤمن بالسلام والشراكة

الصحفي والمحامي عرفان الداوودي

في زمن السياسة المتقلبة، حيث تتغير المواقف بتغير المصالح، تبقى هناك شخصيات تُقاس قيمتها بمدى ثباتها على المبادئ والعهود. ومن بين هذه الشخصيات يبرز الرئيس مسعود بارزاني بوصفه قائداً ترك بصمة واضحة في تاريخ الحركة السياسية الكردستانية والعراقية، ليس فقط من خلال مواقفه السياسية، وإنما أيضاً من خلال شخصيته التي تجمع بين القوة والهدوء، وبين الصراحة والمرونة، وبين التمسك بالحقوق والإيمان بالحوار.

وفي حوار مهم أجرته صحيفة «الشرق الأوسط» مع السياسي والناشر العراقي فخري كريم، وأجراه رئيس تحرير الصحيفة الإعلامي والصحفي اللبناني المعروف غسان شربل، طُرح سؤال عن شخصية مسعود بارزاني وكيف يمكن اختصارها بكلمات قليلة. وكانت الإجابة تحمل دلالة كبيرة على طبيعة هذا الرجل.

فمسعود بارزاني، كما يظهر من شهادات من عرفوه عن قرب، ليس قائداً يتعجل في اتخاذ القرار، ولا يطلق الكلام جزافاً. عندما يتحدث ويعطي وعداً أو يحدد موقفاً، فإنه يدرك أن الكلمة مسؤولية، وأن التراجع عنها ليس أمراً سهلاً، خصوصاً عندما تكون الكلمة قد قيلت أمام الآخرين وأصبحت جزءاً من مسار سياسي أو تفاوضي.

وهذه الصفة تحديداً هي إحدى أهم صفات القائد: أن تكون كلمته محسوبة، وأن يكون ملتزماً بها.

السلام ليس ضعفاً

قد يظن البعض أن قوة القائد تقاس بقدرته على التصعيد، لكن تجربة مسعود بارزاني تقول شيئاً آخر؛ فالقوة الحقيقية يمكن أن تكون في القدرة على اختيار طريق السلام عندما يكون السلام هو الطريق الأفضل للشعب.

لقد خاض بارزاني مراحل صعبة من تاريخ العراق وكردستان، لكنه ظل يؤمن بأن الحوار والتفاهم والتعاون يمكن أن تفتح أبواباً مغلقة، وأن الحقوق لا تُحمى دائماً بالصدام، بل أحياناً بالحكمة والصبر وطول النفس السياسي.

ولهذا فإن الدعوة إلى السلام والتعاون والتآخي ليست بالنسبة إليه مجرد شعارات، وإنما جزء من رؤية سياسية تقوم على أن العراق لا يمكن أن يستقر إلا إذا شعر جميع أبنائه بأنهم شركاء في وطن واحد، وأن الاختلاف القومي أو السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى عداوة دائمة.

الوفاء في السياسة.. موقف لا ينسى

ومن أكثر المواقف التي تكشف الجانب الإنساني في شخصية مسعود بارزاني، ما رواه فخري كريم عن علاقته بالرئيس العراقي الراحل جلال طالباني.

فعلى الرغم من التاريخ الطويل من الخلافات السياسية بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، فإن بارزاني، عندما مرض طالباني، لم يستغل ظرفه السياسي ولم يفتح باب الحديث عن مستقبل منصب رئاسة الجمهورية أو البحث عن بديل.

بل إن فخري كريم روى أن بارزاني وقف إلى جانب عائلة طالباني، وقال لهم بمعنى واضح: أنا قربكم وأنا عائلتكم.

هذه ليست مجرد مجاملة سياسية؛ إنها رسالة عن معنى الوفاء، وعن قدرة السياسي الكبير على الفصل بين الخلاف السياسي والعلاقة الإنسانية.

وقد وصف فخري كريم هذا الموقف بأنه يكشف طبيعة بارزاني، مشيراً إلى أن الأخير أظهر شهامة واضحة في تلك المرحلة.

مع صدام حسين.. سلام لا يعني التنازل

ومن الشهادات اللافتة أيضاً ما يتعلق بالمراحل التفاوضية الصعبة مع نظام صدام حسين.

لقد كانت المفاوضات في تلك الظروف تجري وسط جراح عميقة وذكريات مؤلمة، ومع ذلك كان بارزاني يدرك أن السياسة تحتاج إلى أبواب مفتوحة حتى في أصعب الظروف.

إن الذهاب إلى طاولة التفاوض لا يعني نسيان الدماء أو التخلي عن الحقوق، وإنما يعني محاولة الوصول إلى حل سياسي عندما تكون مصلحة الشعب تتطلب ذلك.

ولهذا فإن القيادة الحقيقية لا تكون في رفض الحوار، بل في الدخول إلى الحوار من موقع الثبات على المبادئ.

وقد نقل فخري كريم في حديثه مع غسان شربل صورة مؤثرة عن بارزاني، مشيراً إلى أنه تحمل ألماً كبيراً في سبيل اللقاء والتفاوض مع صدام حسين، حتى وصف موقفه بأنه «مشى على دم شعبه» من أجل الوصول إلى اللقاء، في إشارة إلى حجم الصعوبة النفسية والسياسية التي كانت تحيط بتلك الخطوة.

مسعود بارزاني.. مدرسة في الثبات

إن القائد الحقيقي لا يحتاج إلى تغيير كلامه كلما تغيرت الظروف.

قد يفاوض، وقد يقدم تنازلات تكتيكية، وقد يبحث عن حلول وسط، لكنه لا يتخلى عن المبادئ الأساسية التي يؤمن بها.

وهنا تكمن أهمية شخصية مسعود بارزاني السياسية: المرونة في الأسلوب، والثبات في المبدأ.

فهو لا يرى أن الاعتراف بالآخر ضعف، ولا أن التعاون تنازل، ولا أن السلام استسلام. وفي الوقت نفسه لا يرى أن الدفاع عن الحقوق يتطلب إلغاء حقوق الآخرين.

وهذه المعادلة الصعبة هي التي تجعل القائد أكثر قدرة على جمع الناس حول مشروع سياسي متوازن.

قائد يؤمن بالتآخي

العراق بلد متعدد القوميات والأديان والمذاهب، وأي مشروع سياسي عراقي ناجح يحتاج إلى الاعتراف بهذا التنوع لا إلى محاربته.

ومن هنا تأتي أهمية خطاب التآخي والتعايش والشراكة.

إن كردستان والعراق بحاجة إلى لغة سياسية جديدة، لغة لا تقوم على التخوين والتصعيد، وإنما على احترام الدستور، وحماية الحقوق، والاحتكام إلى الحوار، وبناء الثقة بين المكونات.

وفي هذا السياق، فإن تجربة بارزاني تقدم نموذجاً لقائد يرى أن قوة الكرد لا تعني إضعاف الآخرين، وأن استقرار كردستان لا ينفصل عن استقرار العراق.

الكلمة الأخيرة

قد تختلف الآراء حول السياسيين والقادة، وقد يختلف الناس في تقييم بعض القرارات والمراحل، وهذا أمر طبيعي في السياسة.

لكن هناك صفات شخصية يصعب تجاهلها: الثبات، والوفاء، والشجاعة، والحكمة، والقدرة على الحوار.

وهذه الصفات هي التي تجعل مسعود بارزاني، في نظر كثير ممن عرفوه وتعاملوا معه، شخصية سياسية استثنائية.

إن القائد الذي لا يتعجل، والذي يعرف متى يتكلم ومتى يصمت، والذي لا يتراجع بسهولة عن كلمته، والذي يمد يده للسلام عندما يكون السلام في مصلحة شعبه، هو قائد يترك أثراً يتجاوز حدود المنصب والمرحلة.

مسعود بارزاني ليس مجرد اسم في تاريخ السياسة الكردستانية؛ بل تجربة سياسية عنوانها الثبات على المبدأ، والوفاء بالعهد، والإيمان بالحوار والسلام والتآخي.

وفي زمن تكثر فيه الكلمات وتقل فيه المواقف، تبقى قيمة القائد في كلمة يقولها ويعرف ثمنها، ووعد يقطعه ويحرص على الوفاء به.

قد يعجبك ايضا