العراق والجهل المقدس عندما يتحول الجهل إلى عقيدة

أحمد كوران

ليس أخطر على الأوطان من الجهل حين يتحول إلى يقين ولا أشد فتكاً منه حين يرتدي ثوب القداسة. فالجهل العادي يمكن أن تعالجه المعرفة والخطأ يمكن تصحيحه بالمراجعة أما حين يعتقد الإنسان أن ما يؤمن به فوق السؤال والنقد فإن الجهل ينتقل من كونه نقصاً في المعرفة إلى قوة اجتماعية قادرة على تعطيل العقل وإعادة إنتاج الأزمات.

وهنا يظهر ما يمكن تسميته بـ «الجهل المقدس» ذلك النوع من الجهل الذي يستمد حصانته من الدين أو العشيرة أو القومية أو المذهب أو حتى من شعارات الوطنية فيتحول الرأي إلى حقيقة مطلقة والانتماء إلى معيار للحقيقة والاختلاف إلى تهمة.

ولا يتعلق الأمر هنا بالدين أو الموروث أو الهوية فهذه مكونات أساسية في حياة المجتمعات وإنما بالمشكلة التي تبدأ عندما تُستخدم هذه المكونات لإغلاق باب السؤال ومنح الأشخاص والمواقف حصانة من النقد وتحويل الخطأ البشري إلى أمر لا يجوز مراجعته.

وفي العراق تبدو هذه الظاهرة أكثر تعقيداً لأنها لم تعد مجرد مواقف فردية متفرقة بل أصبحت في بعض صورها جزءاً من بنية اجتماعية وثقافية وسياسية تعيد إنتاج نفسها جيلاً بعد جيل.

أولاً: عندما يصبح الجهل يقيناً

الجهل في حد ذاته ليس عيباً فلا يوجد إنسان يعرف كل شيء. بل إن الاعتراف بعدم المعرفة هو أول أبواب التعلم.

المشكلة تبدأ عندما لا يعرف الإنسان لكنه يعتقد أنه يعرف ثم يرفض أن يسأل أو يستمع أو يراجع موقفه.

وهنا يتحول الجهل إلى يقين واليقين إلى عقيدة والعقيدة إلى جدار يحمي الخطأ من النقد.

ومن أبرز سمات الجهل المقدس:

تقديس الرأي الواحد:
حين يصبح المختلف خصماً بالضرورة ويُختزل المجتمع إلى «معنا» و«ضدنا» ويُعامل صاحب الرأي المختلف بوصفه خائناً أو عميلاً أو خارجاً عن الجماعة.

رفض السؤال:
لأن السؤال يفتح الباب أمام المراجعة والمراجعة تهدد الأفكار المغلقة. وفي المجتمعات التي تخاف من السؤال يصبح الصمت فضيلة حتى عندما يكون الكلام ضرورة.

خلط المقدس بالبشري:
حين تُمنح المواقف السياسية أو المصالح الشخصية أو التفسيرات البشرية غطاءً مقدساً يصبح نقدها وكأنه نقد للدين أو للهوية أو للوطن.

وهنا يجب التمييز بين احترام المقدس واحترام تفسير الإنسان للمقدس فالمقدس قيمة أما تفسير البشر له فهو اجتهاد قابل للنقاش والمراجعة.

ثانياً: كيف يظهر الجهل المقدس في العراق؟

لا يعيش الجهل المقدس في مكان واحد بل يتسلل إلى السياسة والدين والتعليم والإعلام والحياة الاجتماعية.

في السياسة

عندما تتحول الانتخابات من منافسة بين البرامج والكفاءات إلى اختبار للانتماء يصبح السؤال «من يمثلني؟» أهم من السؤال «ماذا سيقدم؟».

عندها لا يعود المرشح مطالباً بإقناع الناخب ببرنامجه بل يكفي أن يكون «مرشحنا» أو «يمثل خطنا».

وهكذا تنتقل السياسة من اختيار الأفضل إلى حماية المنتمي حتى عندما يكون الأداء ضعيفاً أو النتائج مخيبة.

والنتيجة أن الانتماء يصبح أحياناً أقوى من الإنجاز والولاء أقوى من الكفاءة والشعار أقوى من البرنامج.

في الخطاب الديني والاجتماعي

الدين منظومة قيم وأخلاق وعدالة ومسؤولية لكن المشكلة تبدأ عندما يُختزل إلى شعارات وصراعات هوياتية أو عندما يصبح الاختلاف في الرأي سبباً لإلغاء الإنسان المختلف.

ليس كل سؤال تشكيكاً وليس كل نقد عداءً للدين وليس كل مثقف مخالفاً للعقيدة.

إن المجتمع الذي لا يسمح بالسؤال باسم الدين ولا يسمح بالنقد باسم العادات ولا يسمح بالاختلاف باسم الجماعة ينتهي به الأمر إلى حماية التقاليد البشرية أكثر مما يحمي القيم التي قامت من أجلها.

في التعليم

ليست المشكلة في عدد الشهادات التي تمنحها الجامعات وإنما في قدرتها على إنتاج إنسان يستطيع أن يفكر.

فالتعليم الحقيقي لا يقاس فقط بقدرة الطالب على حفظ الإجابة وإنما بقدرته على فهم السؤال وتحليل المشكلة ومناقشة الفكرة والاعتراف بالخطأ.

وحين يخاف الطالب من السؤال ويخشى الأستاذ من النقاش وتصبح الإجابة المحفوظة أهم من التفكير تتحول المؤسسة التعليمية من مساحة لإنتاج المعرفة إلى مساحة لإعادة إنتاج المعلومات.

والأمية هنا ليست فقط أن تعجز عن القراءة والكتابة فقد يحمل الإنسان شهادة جامعية ويظل أسير فكرة لا يستطيع مراجعتها. الأمية الأخطر هي أمية السؤال.

في الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي

أصبحت المنصات الرقمية بيئة تنافسية على الانتباه وفي كثير من الأحيان يحصل المحتوى الأكثر إثارة على انتشار أكبر من المحتوى الأكثر دقة.

قد يتحدث الباحث بلغة هادئة بينما يصرخ شخص لا يمتلك المعرفة الكافية أمام الكاميرا فيحصد آلاف المشاهدات.

وهنا تصبح الشهرة بديلاً عن الخبرة والثقة المفرطة بديلاً عن الدليل والصراخ بديلاً عن الحجة.

المشكلة ليست في وسائل التواصل نفسها بل في غياب ثقافة التحقق والتمييز بين المعلومة والرأي والخبرة والانطباع الشخصي.

ثالثاً: لماذا ترسخت هذه الظاهرة في العراق؟

لا يمكن فهم الجهل المقدس بمعزل عن التاريخ العراقي الحديث.

فالعراق عاش خلال عقود متتالية الحروب والحصار والاحتلال والعنف الطائفي والإرهاب وهي أزمات لا تترك آثارها في الاقتصاد والأمن فقط بل تعيد تشكيل وعي المجتمع أيضاً.

في المجتمعات التي تعيش الخوف وعدم الاستقرار يبحث الإنسان بصورة طبيعية عن الجماعة التي تمنحه الأمان والانتماء. وقد تصبح الهوية العشائرية أو الدينية أو القومية أو السياسية وسيلة للحماية النفسية والاجتماعية.

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الانتماء من مساحة للتعايش إلى جدار يمنع الاختلاف.

ومع تكرار الأزمات يصبح المجتمع أكثر استعداداً لتقبل الإجابات السهلة عن المشكلات المعقدة وأكثر قابلية لتصديق الخطاب الذي يحدد له عدواً دائماً ويعفيه من مسؤولية التفكير والمراجعة.

لذلك فإن الجهل المقدس ليس نتيجة نقص المعلومات فقط فهو في جانب منه نتاج الخوف وضعف التعليم النقدي وتسييس الهوية وتراجع الثقة بالمؤسسات وتراكم الأزمات.

وهذا يعني أن معالجته لا تكون بمجرد زيادة عدد المدارس والجامعات وإنما بإعادة بناء علاقة المجتمع بالسؤال والمعرفة والمؤسسات.

رابعاً: من المستفيد من الجهل المقدس؟

ربما يكون هذا السؤال أكثر أهمية من سؤال لماذا ينتشر الجهل؟

فالإنسان الذي يسأل يصعب توجيهه والمواطن الذي يقارن يصعب تضليله والناخب الذي يحاسب لا يكتفي بالشعارات.

وحين يقتنع المواطن بأن الفشل سببه دائماً «الآخر» فلن يسأل عن مسؤولية من يدير مؤسسات الدولة.

وحين يصبح الانتماء أهم من الكفاءة يصبح تبرير الفشل أسهل.

وحين يصبح النقد إساءة تصبح الأخطاء أكثر قدرة على الاستمرار.

وهنا يتحول الجهل من مشكلة ثقافية إلى مشكلة في إدارة الدولة والمجتمع.

فالجهل لا يحمي الفاشل من المحاسبة فحسب بل قد يمنحه أحياناً جمهوراً يدافع عنه.

وهذه هي أخطر مراحل الظاهرة عندما يصبح المجتمع نفسه شريكاً من حيث لا يشعر في إعادة إنتاج المشكلة التي يشكو منها.

خامساً: كيف نفكك الجهل المقدس؟

تفكيك هذه الظاهرة لا يعني مهاجمة الدين ولا محاربة الهوية ولا إلغاء الموروث. بل يعني إعادة كل شيء إلى موقعه الطبيعي: القيم تُحترم والأفكار تُناقش والأشخاص يُحاسبون والمؤسسات تُقاس بنتائجها.

1. إعادة الاعتبار للسؤال

نحتاج إلى إعادة الأسئلة البسيطة إلى حياتنا العامة:

من قال ذلك؟
ما الدليل؟
هل توجد وجهة نظر أخرى؟
ما البديل؟
هل يمكن أن نكون مخطئين؟

فالمجتمع الذي لا يسمح بالسؤال لا يستطيع إنتاج معرفة حقيقية.

2. إصلاح التعليم

المطلوب الانتقال من ثقافة الحفظ إلى ثقافة التفكير ومن الخوف من الخطأ إلى التعلم منه ومن الإجابة الواحدة إلى القدرة على تحليل الآراء المختلفة.

فالجامعة الناجحة ليست التي تخرج أكبر عدد من حملة الشهادات فقط وإنما التي تخرج إنساناً يستطيع أن يسأل ويحلل ويختلف ويبرهن.

3. إعلام يرفع قيمة الحقيقة

الإعلام المهني لا ينبغي أن يكون مجرد ناقل للصراع بل مساحة للتحقق والتحليل وتعدد الآراء.

والمطلوب ليس إسكات الأصوات العالية بل أن نمنح الدليل مساحة أكبر من الضجيج.

4. حماية حق الاختلاف

المجتمع الصحي ليس المجتمع الذي يتفق أفراده في كل شيء بل المجتمع الذي يستطيع أفراده الاختلاف دون أن يتحول الاختلاف إلى كراهية.

أن تقول «أختلف معك» لا يعني أنك تكرهني.

وأن تقول «لا أعرف» لا يعني أنك ضعيف.

وأن تقول «كنت مخطئاً» لا يعني أنك خسرت.

بل ربما تكون هذه العبارات الثلاث علامات على النضج الحقيقي.

5. بناء دولة تحكمها الكفاءة والمؤسسات

لا يمكن فصل الوعي المجتمعي عن شكل الدولة. فكلما كانت المؤسسات أقوى والقانون أكثر حضوراً والمعايير أكثر وضوحاً تراجعت الحاجة إلى الاحتماء بالأشخاص والجماعات.

الدولة الحديثة لا تسأل المواطن أولاً إلى أي جماعة ينتمي بل ماذا يستطيع أن يقدم وما حقوقه وما واجباته.

الخاتمة

العراق لا يعاني من نقص في العقول بقدر ما يعاني أحياناً من بيئة لا تمنح العقل المساحة الكافية للعمل.

المشكلة ليست أن العراقي لا يعرف فكل إنسان يجهل أشياء كثيرة. المشكلة حين يصبح عدم المعرفة يقيناً واليقين حصانة والحصانة وسيلة لإلغاء السؤال.

لقد دفع العراق ثمناً باهظاً من الحروب والانقسامات والأزمات ولا يمكن أن يخرج من دوامة إعادة إنتاجها بالعقلية نفسها التي ساهمت في استمرارها.

نحن لا نحتاج إلى مجتمع يتفق فيه الجميع بل إلى مجتمع يستطيع المختلفون فيه أن يعيشوا معاً.

ولا نحتاج إلى من يدّعي امتلاك الحقيقة كاملة بل إلى من يمتلك شجاعة البحث عنها.

فالأوطان لا تُبنى بكثرة الشعارات وإنما بقدرة أبنائها على التفكير والمراجعة والمحاسبة.

إن الجهل المقدس لا يحمي المجتمع من الخطأ بل يحمي الخطأ من النقد.

وحين يصبح السؤال مقبولاً والاختلاف محترماً والاعتراف بالخطأ فضيلة يبدأ المجتمع بالخروج من أسر يقينه المغلق.

فالمستقبل لا يصنعه من يملك أعلى صوت بل من يملك شجاعة أن يقول:

لا أعرف فلنتعلم.
أختلف معك فلنتحاور.
أخطأت فلنصحح.

فهنا يبدأ العقل وهنا يبدأ الإصلاح وهنا يبدأ العراق الذي يستحق أن نبنيه.

قد يعجبك ايضا