الدكتور زاهد محمد زهدي من مفاخر الكردالفيلية والوطنية العراقية كل الديار جعلتها وطناً والقلب عن بغداد ما ابتعدا

*محمد سعيد الطريحي (صاحب موسوعة الموسم)

الأديب الكبير والوطني الغيور الدكتور زاهد محمد صادق زهدي، (1930-2001م) من أعلام العراق المعاصرين، وهو شاعر وكاتب واقتصادي، ولد بمدينة الحي – واسط، من أُسرة فاضلة تنتمي للمكوّن الفيلي الكردي العراقي، الذي طبع حياته فخراً بالانتماءِ إليه نسباً باذخاً وإرثاً راسخاً كان محل اعتزازه بما أفصح عنه بحماسة تتحدى ظروف التعصب الذي واجه قومه الأُباة، فاسمعه مُنشداً :
أما اذا سألت عن أصلي وفصلي والنسبْ
فَلَستُ من عُنيزة ٍ أو شَمّر ٍ من العربْ
إني من الأكراد يا آنسـتي أُمَّــاً وأبْ
وإنني بهـذه أفخـر حـين ينتســبْ
كان زهدي نابهاً ذكياً منذ صباه، دخل معترك السياسة مبكراً وساهم بشكل فعَّال بنشاطه في السياسة والمعرفة والأدب، وتعرَّض للنفي والسجن والتشريد جرّاء نضاله وجرأته ومواقفه الأبيَّة الشجاعة.
كتب الشعر بنوعيهِ القريض والشعبي، وقد شهدت حياته في الخمسينيات الى بداية الستينيات من القرن العشرين نشاطاً متميزاً حيث ساهم في نظم الأغاني الوطنية والعاطفية التي غنَّاها نجوم الغناء العراقي في حينه من أمثال ناظم الغزالي وأحمد الخليل ومائدة نزهت وفاضل رشيد وإخوان الريف وغيرهم. صدر له عام 1960 ديوان أفراح تموز، وفي عام 1962م أصدر مجموعة أخرى من شعره حملت عنوان (شعاع في الليل).

في السبعينيات من القرن العشرين تفرَّغ للدراسة الأكاديمية العليا حيث حصل على شهادة الدكتوراه من تشيكوسلوفاكيا في العلوم الاقتصادية عام 1973 مما فسح له مجال العمل كباحثٍ اقتصادي في وزارة التخطيط العراقية، وفي وزارة النقل ببغداد حتى عام 1980. كما أصدر في حينه دراسة عن الشاعر الشعبي العراقي الملا عبود الكرخي، أصدرتها وزارة الاعلام العراقية عن المركز الفولكلوري ببغداد

ومنذ أوائل الثمانينيات انشغل ضمن ما انشغلت به الامة الكردية الفيلية من الكارثة الإنسانية التي قام بها نظام صدام حين قام بعملية التهجير القسري للمواطنين العراقيين من الكرد الفيليين الى خارج الحدود وقتل واعتقل آلاف العوائل البريئة منهم، ومُنيت عائلة الفقيد زاهد محمد بكثير من المآسي بسبب ذلك واستمرت معاناتها طيلة عقد كامل.
ترك زاهد محمد زهدي العراق قسراً عام 1982م وتنقل في عدة بلدان مما أثّر على عطائه الثقافي وبالرغم من الاضطهاد الذي مرَّ به فقد كان العراق ينبض في دمائه وضميره وجسّد ذلك في الكثير من قصائده التي نظمها خلال تلك الفترة وما بعدها وجمع بعضها في ديوان أسماه (حصاد الغربة) والذي طبع مرتين عام 1983 و1984م، (بالمناسبة للدكتور السيد محمد بحر العلوم ديوان شعر يحمل نفس العنوان صدر بعد سنوات من اصادر ديوان شاعرنا زهدي).

ومن قصائد الأستاذ زهدي الجميلة التي جسّد فيها محبته واخلاصه وتفانيه من أجل العراق وأهله ودفاعه المستميت ضد الطغاة، وبلوغ نفسه الرضا بقضاء الله وهدايته، هذه الابيات التي يقول فيها :
أنا في هموم الناس أغمس ريشتي

ما كنت مدَّاح الطغاة ولا انثنى
ما قلت يوماً للدعيِّ مكابراً
ولقد حدوتُ لموطني حتى اصطلتْ
وشطرْتُ قلبي للعراق فنصفه
وحملت ما أبقى الطغاةُ من الحشا
ما زلت من عشْرٍ أنوء بحملِهِ
عينايَ ترقبُ أن يُطلَّ من الدجى
ألقَ السنا عذبَ النسيم يهزُّ أعْـ
وينثُّ عطراً في (الفرات ودجلة)
إذ ذاكَ لو حكَمَ الردى في أرضه
سأنامُ مرضيَّ الضمير وألتقي
وأنار لي سبل الرشاد بدينه الـ
وأصوغ من نبضاتها ألحاني
شعري ليمسح جبهة الطغيان
بالمجد! أنت منارة الأوطان
كبدي بنار السجن والسجَّان
عند الضفاف قصائدٌ وأغاني
جرحاً عميق النزف هدَّ كياني
أطوي الديار وغربتي عنواني
فجرُ العراق معطَّر الأردان
طافَ النخيل برقَّةٍ وحنان
فيهبّ فوّاحاً على الشطئان
وعلى ثراه فُصِّلَتْ أكفاني
ربّاً إلى الدربِ القويم هداني
ـهادي وعن دربِ الضلال نهاني

شهد عقد التسعينيات استقراراً نسبياً لحياة شاعرنا زهدي، اذ حمل في البداية جواز سفر سعودياً ثم أردنياً، فأُتيح له التنقل لأداء عمله الرسمي والثقافي بين الأردن والشام والسعودية ولندن والقاهرة، لهذا كان غزير الإنتاج في هذه الحقبة سواء على مستوى الشعر، أو الدراسات الأدبية، أو الشعر الشعبي (باللهجة الدارجة العراقية) وحتى الأغنية حيث كتب عدداً من أغاني الأطفال التي تمَّ تلحينهما من قبل محطة تلفزيون الى ART السعودية الفضائية، كما أنجز سلسلة دراسات معدة تلفزيونياً بعنوان (أعلام من التراث).
وقد بدأت علاقتي معه (رحمه الله) في أواخر التسعينيات، وقد أرسل لي في حينه بعض نتاجاته التي نشرتها في جريدة الديوان التي كانت تصدر في هولندا، وكذلك في موسوعة الموسم.( انظر جريدة الديوان الصادرة في لاهاي – العدد الثالث (1421هـ -2000م) ص46، وموسوعة الموسم – هولندا – المجلد 49-50 (2002م) ص244).وفي الملف الخاص الذي جمعته عنه ونشرته في موسوعة (مواسم كردستان) مجموعة من قصائده التي أرسلها لي فأثبتها تحت عنوان (نماذج من شعره)، وكان الفقيد قد نشط كثيراً في المساهمة بمعظم الأنشطة الإعلامية المناهضة لنظام الحكم العراقي، لكنه على المستوى الشخصي لم يكن مرتبطاً بحزبٍ أو حركة سياسية معينة في هذه الفترة، حيث أنَّ نظره وكتاباته كانت موجّهة ضد الإرهاب والاستبداد الصدامي وحسب.
وللفقيد الكبير زاهد محمد زاهد نتاجات مطبوعة ومنها ما أشرنا لها سابقاً، ومن بين الكتب التي أصدرها، كتابه عن الجواهري (الجواهري صنـّاجة الشعر العربي في القرن العشرين)، وثلاثة كتب صدرت عن دار المدى عنواناتها على التوالي: (وراء المكرفون) و(ندوة الأربعاء) و(معزوفات على حرف الحاء)، وأذكر أنه حدَّثني عن بدأه بكتابة ذكرياته الشخصية التي تتناول سيرته في العراق وخارجه، واختار لها عنوان ( مشاهد من رفوف الذاكرة) بل أنه نظم بعض تلك الحوادث التي مرَّت به في البلدان التي عاش فيها، شعراً في ارجوزة طويلة عزم على تسميتها بالألفية لكونها تشتمل على ألف بيت من الشعر، أنجز ما يوازي نصفها ولا أعرف ان كانت هذه النتاجات المذكورة قد نُشرت أم لا، كما هو الحال مع ما كتبه الراحل العزيز من الأبحاث الاقتصادية في شؤون التنمية واقتصاديات النفط..
وقبيلَ أن أختتم هذه الترجمة القصيرة، أسرد بعض الخواطر التي تعكس ما كان يعانيه من الغربة الشديدة التي استوقفتني وأنا أقرأ مجموعة من قصائده الجميلة، حيث يظهر جليَّاً لمن يقرأ شعره الذي جادت به قريحته بعد هجرته القسرية من الوطن والى حين وفاته غريباً يرى بوضوح أنَّ الغربة المُوحشة قد طبعت أيامه الأخيرة، بحيث تراكمت عليه أحزان المعاناة السابقة التي عاناها في العراق وقلقه المستمر منذ صباه ووعيه على مستقبل وطنه العراق الذي ألقت عليه الدكتاتورية بظلّها البغيض، فجعلت الغربة لديه هاجساً ثقيل الوطء على شعوره العام، وقد جابه القسوة ومرارة الأيام حتى اعتاد عليها وألِفَها بما يُوحي بحالة اليأس التي سيطرت عليه بما تترجمه هذه الأبيات من شعره:
(غريبٌ) بأرض الله صعب المراكب
سميري هموم الناس والشعر صاحبي
طويل الليالي متعب القلب حاملٌ
مطامع مغلوبٍ بإحساسِ غالب
أرى العمر كأساً لا يلذ شرابه
اذا لم يكن مُرَّاً كثير المتاعب
وقد كان يحزّ بنفسه تكالب القوى الاستعمارية على العراق بالإضافة الى الفرقة والخوف والنفاق والمطامع الذاتية التي سيطرت على بعض القِوى التي كانت تدعي تحرير العراق في السنين التي سبقت سقوط الطاغية صدام فاسمعه قائلاً:
أننكر انَّا صنعنا البلاء
فصبَّ علينا صنوف البلا
وإنَّ النكايات ما بيننا
زعافٌ بأكوابنا يُستقى
وشهدٌ يُداف بخمر الكؤؤس
تَكرَّعَها فاسقٌ فارتوى
وموت بطئ يهدّ النفوس
ويرمي بها في مهاوي الأسى
يُضاف الى نكبات الشاعر زاهد محمد وحرمانه، السجون والمنافي المتعددة التي عاش فيها، مصائبه التي توالت عليه في أواخر حياته على الصعيد العائلي والعاطفي، فهي الأخرى هزَّت نفسيته المرهفة وخاصة بعد وفاة أخيه وأُمّه في ايران وهو بعيد عنهما ولعل المصاب الأكبر الذي أخذ جانباً كبيراً من التراجيديا المؤلمة التي سيطرت على مشاعره، هو نبأ وفاة ولده الشاب (بختيار) في القاهرة في تموز عام 1991م ودفنه فيها قبل أن يحضر لوداعه وتشييع جنازته، اذ وصل القاهرة بعد ان استقر ولده الحبيب في موقعه الأخير من رحلة الوداع ولم يتسنَّ له إلقاء نظرته الأخيرة، وخير معبّر لمشاعره الجيَّاشة عن تلك الأحداث المأساوية التي ألمت بحياته، قوله:
وزَّعتُ أشلائي بأطراف الدُّنَى
فأخٌ دفين التُّرب في إيران
ومُضيَّعٌ في السجن سيق لحتفهِ
غُفَل المصير مضيّع الجثمان
ودفنتُ في أرضِ الكنانة فلذة
مني غريب الغُسل والأكفان
وأنا غريب الدار أرقب ساعتي
خلف الحدود وفي يدي أكفاني
بغداد هل غدت القبور مكارماً
يُجزى بها الأحرارُ بالحرمان
ومع كل ما أصابه من النكبات والحَيْف الذي لحقه بسبب مواقفه السياسية ودفاعه عن استقلال الوطن وحرية العراقيين بقيت روح زاهد محمد مرفرفة بمحبة العراق بما يملكه من وجدان حي ومودة راسخة وقلب جبار بقي يخفق ببغداده التي أحب كما يقول:
هذا أنا قدرٌ تقاذفني
كالبحر عمقاً والفضاء مدى
تركت بفعل ما صنعت
أيدي الزمان الأهل والولدا
واخترتُ أرض الله أذرعها
لم أتخذ داراً ولا بلدا
كل الديار جعلتها وطناً
والقلب عن بغداد ما ابتعدا
أبداً يطوف على شواطئها
شوقاً وتحمل غربتي الجسدا
رحم الله شاعرنا وأديبنا الكبير الدكتور زاهد محمد زهدي وسلام عليه في الخالدين.

قد يعجبك ايضا