من رماد الحرب إلى ضفائر الحرية.. تجليات الهوية والجسد في شعر نورهان حسن

حوار: عطا درغام

يقف النقد الأدبي المعاصر أمام النصوص التي تولد من رحم الأزمات والحروب بوصفها وثائق وجودية وتاريخية، لا مجرد ترف جمالي عابر. وفي هذا السياق، تبرز القراءة النقدية لديوان “ضفائر من الرماد” للشاعرة نورهان حسن كرحلة تفكيكية لسبر أغوار نصٍّ يتقاطع فيه الجرح الذاتي بالهمّ الجمعي. تنطلق هذه الرؤية من عتبة العنوان وبنيته الدلالية، لترصد تموضع الشاعرة داخل المشهد الثقافي والنسوي الكوردي، وتتتبع ملامح الهوية الجريحة وتراجيديا التهجير القسري. ولا تقف القراءة عند المساءلة الظاهرية للمضمون، بل تغوص عميقاً في البنية الفنية والأسلوبية للغة النثرية، وصولاً إلى جدلية الحب والمرأة المقاتلة التي تعيد تعريف الجسد والأنوثة من تحت الركام، ممهدةً الطريق أمام دراسة أكاديمية شاملة تؤصل لأدب المقاومة الإنساني.

المحور الأول: ديوان “ضفائر من الرماد” وبنيته الدلالية

 

 

* كيف يعكس العنوان “ضفائر من الرماد” الجدلية بين التدمير (الرماد) والانبعاث أو الأنوثة (الضفائر) في أولى عتبات الديوان؟

– استمدتُ عنوان ديواني (ضفائر من الرماد) من قصيدتي جدائلها، حيث أبين فيه جديلة الأنثى والمقاتلة على الجبهات أمام الفكر الظلامي الإرهابي. والضفيرة هي عقد شعر الأنثى، وكل عقدة تحكي حكاية وقصة وربطها بالرماد؛ أي أن لا شيء يدوم. فكل شي يزول إن كان أخيرًا أو شرًا مع مرور الوقت.

* ما هي الثيمات الهيمنة التي تربط بين قصائد الديوان، وهل يمكن اعتباره نصاً واحداً ممتداً؟

– أما الثيمات الهيمنة بين قصائدي، فهي إمتداد لبعضها البعض. فدائماً هناك حب وموت وإرتباط بالمعنويات، كالأرض والجذور.

* كيف تم توظيف الرمزية الروحية والتاريخية في قصائد هذا الديوان للتعبير عن واقع الحرب؟

– من خلال الأحداث التي مررنا بها، وإيماننا بالله أن الله مع المظلومين دائما فمثلاً عندما صلب السيد المسيح لم ينته أو يُقضى على الدين المسيحي، كما نحن تعرضنا للهجر والحروب. فذلك زاد من تمسكنا بقضيتنا وأرضنا وتاريخنا.

فحين أقام قاضي محمد دولة مهاباد، وسقطت بعد أشهر بسبب الخيانات لم تفقد الروح الوطنية، وظل الشهيد قاضي محمد رمزًا من رموز الوطن، كما مصطفى البرزاني وحاليا. عبد الله أوجلان الذي يقضي حياته في سجون إمرالي من أجل القضية الكوردية.

ولا ننسى الشهداء فهم رمز التضحية؛ لأنهم يضحون بأغلى مالديهم في سبيل الكرامة والوطن.

* ما الدور الذي يلعبه التضاد الثنائي (مثل: الموت/الحياة، الوطن/المنفى) في بناء المفارقة الشعرية داخل الديوان؟

– أستخدم التضاد الثنائي في كثير من قصائدي لبناء هيكلية القصيدة وربط السالب بالموجب، لتوضيح مفارقات الحياة والظروف لدى القارئ.

* كيف تحضر جغرافيا “عفرين” و”قامشلو” كرموز مكانية داخل قصائد الديوان وليس كأماكن جغرافية مجردة؟

– عفرين وقامشلو مناطق كوردية لهما تاريخ وأحداث ومواقف بطولية مشرفة ومشتركة، تربطهما اللغة الكوردية والتاريخ ويشتركون بالآلام والمعاناة من سيطرة النظام البائد. فعندما إنتفض أبناء قامشلو في الملعب البلدي في عام ٢٠٠٤، امتدت الانتفاضة إلى عفرين أيضًا. وهذا دليل على الترابط الروحي والمعنوي، وهكذا تكون النتيجة في كل المناطق الكوردية، لذلك لا يمكن فصل عفرين عن قامشلو فهما توأمان لا تفصلهما المسافات.

المحور الثاني: موقع الشاعرة من الأدب الكوردي والأدب النسوي

 

 

* أين تتقاطع تجربة نورهان حسن مع إرث الشواعر الكرديات الكلاسيكيات والمعاصرات؟

– في البدايات كنت أكتب خواطر ونثريات في مذكرات يومية، وقد جمعتها في دفترين احتفظت بهما إلى أن تهجرنا من بيتنا بحلب في بداية ثورة سوريا، وتركنا كل شي لننجوا بأرواح أطفالنا. وبعدها تابعت الكتابة على المنصات الاجتماعية والكروبات، إلى أن جمعت أشعاري في ديواني الأول (ضفائر من الرماد).

وحالياً أكتب قصة هي عبارة عن سيرة ذاتية بما يحتويه من ظروف اجتماعية، وقصة تهجيرنا عدة مرات، وأقوم بترجمة خواطري من اللغة العربية إلى اللغة الكوردية. وقد كنت من محبي الأشعار، لأن والدي -رحمه الله- كان يعزف على البزق، ويؤلف مقطوعات شعرية ويلحنها، لكنه لم يحظَى بالشهرة لأنه كان يعتبر ذلك هواية فقط.

شاركت بمهرجان لاتحاد المثقفين في قامشلو، وأشارك بمعظم الأمسيات الشعرية التي تُقام في الاتحاد.

* كيف يساهم ديوانها في تشكيل ملامح “الأدب النسوي الكوردي” في منطقة روج آفا؟

– أعتقد بأن من خلال قصائدي يمكن تشكيل ملامح الأدب النسوي؛ إذ يتطرق إلى الجديلة والفراق ومواضيع أخرى تتعلق بالأنثى وكفاحها، في ظل ظروف التهجير وخساراتها لفلذات كبدها؛ دفاعًا عن حقوقهم المشروعة.

* ما هي الخصوصية التي يمنحها الكتابة باللغتين (العربية والكوردية) لموقع الشاعرة في المشهد الثقافي الكوردي العام؟

– كوني كوردية، وأكتب باللغة العربية. فإن ذلك يمنحني المجال لإيصال رسالتي للجميع في الساحة العربية، والكتابة باللغة العربية لا تمنعني من رسم صور معاناتنا ككورد، والتعبير عن أفراحنا وأحزاننا. فاللغة الكوردية لم تنصف في العالم، وبالتالي لا يمكن لأحد غير الكوردي المثقف والكاتب إيصال صوت شعبه بأي لغة ما، ولأننا نعيش في دولة عربية مثل سوريا، فمن المهم أن نكتب باللغة العربية لتنتشر بشكل واسع على نطاق أوسع.

* كيف أعادت الشاعرة صياغة مفهوم “صوت المرأة” في مواجهة الخطاب الأدبي الذكوري السائد في فترات الأزمات؟

– الكتابة النسوية هي وسيلة لإبراز حقوق المرأة، وإثراء المجتمع بكتابات ذات طابع إنساني بلغة شعرية عاطفية، تُظهر ملامح المرأة في مواجهة الذكورية وتمنحها حريتها الشخصية. فهناك أمثلة على ميراث المرأة الكوردية مثل: “عيشة شان” من كورد تركية، و”ليلى قاسم” من كورد العراق، و”آرين ميركان”، و”أفيستا، و”بارين كوباني” من كورد سوريا. كل هؤلاء النساء، قاموا بحماية التراث الكوردي من الزوال.

المحور الثالث: القضية الكوردية، الهوية، وأوجاع التهجير

 

 

* كيف تشكلت ملامح “الهوية الجريحة” في شعر نورهان حسن نتيجة لتجربة التهجير القسري؟

– نعم، تشكلت ملامح الهوية الجريحة في شعري، عندما نزحنا وتهجرنا من حلب إلى عفرين، ومن عفرين تهجرنا مرة أخرى لمناطق الشهبا. وهناك لقينا من المعاناة، مالقيناه تحت خيام لا تقي من حر الشمس، ولا برد الشتاء، وتوجهنا إلى قامشلو والحسكة و كوباني. لقينا هناك أيضًا ظروفًا صعبة جدًا يصعب وصفها في قصيدة أو قصيدتين.

* ما هي الأدوات الفنية التي استخدمتها الشاعرة لتحويل الذاكرة الجمعية الكردية إلى نص شعري حي؟

– يمكن لموقف ما، أو حادثة أن تجعلني ألجأ إلى كتابة نصي الشعري أو خاطرة ما؛ فأحوله إلى لوحة حية من خلال العبارات والجمل.

* كيف تظهر تراجيديا “شنكال” وعفرين في قصائدها كشاهد تاريخي وصدمة وجودية؟

– في الإبادة الجماعية لشنكال راحت ضحيتها آلاف الأشخاص، وخاصة المرأة فقد تعرضت للسبي والبيع. وفي عفرين أيضاً عندما تم إحتلالها من قبل الفصائل الإرهابية، تعرضت المرأة الكوردية العفرينية للسجن والقتل والاغتصاب. لذلك لا يمكن الفصل بينهما، ففي كلتا الحالتين الضحية هي المرأة.

* هل تكتفي القصيدة عندها برصد المعاناة، أم أن الهوية في شعرها تتخذ دور المقاومة والتمسك بالجذور؟

– أكيد لا، فمن خلال القصائد يمكن لي إظهار هويتي في الشعر إيمانًا مني بأن القلم هو أيضًا سلاح ومقاومة، وبأن كلمة أوأي سطر أكتبه، سيكون له وقع وأثر لدى القارئ. وبذلك أبرز ماأفكر به، وأترجمه بقصة أو قصيدة.

المحور الرابع: الأسلوب الشعري، البنية الفنية، واللغة

 

 

* ما هي الخصائص الأسلوبية التي تميز لغة نورهان حسن الشعرية من حيث الانزياح والتركيب الرمزي؟

– ما يميز أسلوبي في كتابة الشعر هو طرح الفكرة بشكل مباشر؛ مستعينة بكلمات شعرية وجمل مترابطة لتظهر القصيدة بشكلها الشعري الناعم الدافئ أحيانًا، وبأقل عدد من الكلمات أعبر فيها عن مضمون القصيدة،، ولا أحب إطالة القصيدة كي لا تبعث على الملل لدى القارئ.
* كيف توازن الشاعرة بين الإيقاع الداخلي للقصيدة النثرية وبين تدفق المشاعر العاطفية والوطنية الحادة؟

– أوازن بين الإيقاع الداخلي للقصيدة النثرية وبين تدفق المشاعر بكلمات رقيقة وصادقة، ويمكن تكرارها في بعض الجمل، لإلقاء الضوء عليها لاستكمال صورة القصيدة.

* ما هي مصادر الصورة الشعرية في قصائدها، وهل يغلب عليها الطابع البصري الحركي أم المجازي الذهني؟

– مصادر صوري الشعرية أغلبها من محيطي وواقعي بعيدة عن الخيال والوهم؛ لأنني أعيش المعاناة بحذافيرها، والمواقف التي نمر بها أو أستذكر موقف ما أو حادثة، فأعيد تركيبها على شكل قصيدة.

* كيف وظفت الشاعرة تقنية “التناص” أو استدعاء الأساطير الكوردية في صياغة نصوصها المعاصرة؟

– في الواقع لم أوظف هذه التقنية كثيرًا في قصائدي. واستعانتي بالأساطير الكوردية هي دليل على امتداد الجذور الكوردية عبر التاريخ، وحتى وقتنا الحالي، وليعطيها مشهداً موثوقًا للحبكة الشعرية استنادًا للإنتاج الأدبي لدى الآخرين.

المحور الخامس: جدلية الحب، المرأة، والمقاتلة

 

 

* كيف رسمت الشاعرة صورة “المرأة المقاتلة” في ديوانها، وما هي الرموز المرافقة لهذه الصورة؟

– صورة المرأة المقاتلة في ديواني هي عبارة عن لوحات رسمتها من خلال قصيدة جدائلها. فالجديلة ترمز للأنوثة، والشال السرمدي وشريط شعرها كلها رموز تدل على أنوثة المرأة المقاتلة برغم شجاعتها، والوقوف أمام أعدائها بكل ثقة وعنفوان تتخطى الصعاب بخطواتها الحازمة؛ لأنها تعلم في قرارة نفسها بأنها امرأة خلقت حرة، وستظل تدافع عن حريتها ووجودها.

* هل تظهر المرأة في شعرها كضحية للحرب أم كرمز للصمود والنهوض من تحت الركام؟

– أكيد المرأة في شعري رمز الصمود والبطولات. فقد ذكرت أسماء شهيدات دافعن عن الحرية والكرامة والوجود.

* ما هي طبيعة العلاقة بين “الأنا” الشاعرة و”الآخر” (المجتمع/ الحبيب/ الوطن) في تتبع مسارات الحب والحرية؟

– هي علاقة شرق أوسطية، لم تخرج من إطار الحرية المطلقة، ولم تخرج عن العادات والتقاليد في المجتمع إلا في حالات الأحلام.

وفي حب الحبيب مخلصة ومحافظة للحب والود. فالحياة بدون شريك لها، لا تساوي شيئًا ولا قيمة للحياة. فهما يكملان بعضهما البعض

أما حب الوطن، فهو حب مطلق لا تقف أمامه أي عائقة، ودللت على ذلك بأن الشهادة لأجل الوطن هو الثمن الوحيد لحريتنا.

قد يعجبك ايضا