د. ايوب گلالي
تعد العلاقة بين أربيل وبغداد نموذجاً واضحاً للإشكالية الممتدة بين مفهوم الشراكة الاتحادية ومحاولات إعادة إنتاج السلطة المركزية. إن أي نقاش موضوعي يهدف لإنهاء الصراع يتطلب الاستناد المباشر إلى أحكام الدستور العراقي والحقائق السياسية القائمة، بعيداً عن الرؤى المتحيزة والتأويلات القاصرة التي تحاول اختزال المكانة القانونية لإقليم كوردستان. فالإقليم ليس مجرد محافظة عادية تابعة للسيادة المركزية، بل هو كيان اتحادي معترف به دستورياً بموجب المادة (117) من الدستور.
الإشكالات الدستورية وحقوق إدارة الموارد
يمتد الخلاف القانوني والسياسي بين الطرفين ليشمل عدة محاور رئيسية، يتصدرها ملف إدارة المناطق المشمولة بالمادة (140) وملف الطاقة:
* إدارة حقول النفط والمناطق المتنازع عليها: تخضع هذه المناطق للمادة (140) من الدستور لحين استكمال مراحل التطبيع والإحصاء والاستفتاء. ومن الناحية القانونية، لا يحق للحكومة الاتحادية تعطيل تنفيذ هذه المادة ثم الاستفراد بإدارة تلك المناطق واعتبارها خارج حدود الإقليم.
* تشريع قانون النفط والغاز: يعود أصل الأزمة المالية والتنفيذية إلى المماطلة في إقرار قانون النفط والغاز الاتحادي، خلافاً لمقتضيات المادتين (111) و(112) اللتين تقران بملكية الشعب للموارد وتفرضان إدارتها بشكل مشترك.
* طبيعة الصلاحيات الاتحادية: تمنح المادتان (115) و(121) إقليم كوردستان حق ممارسة سلطاته التشريعية والتنفيذية والقضائية، مع إعطاء الأولوية لقانون الإقليم في الاختصاصات المشتركة عند حدوث أي تعارض، وهو ما يجعل محاولات توزيع الصلاحيات بناءً على النسبة السكانية فقط تجاهلاً صريحاً للبنية الدستورية للدولة الاتحادية.
الملفات الاقتصادية والمالية العالقة
على الصعيد المالي والفني، تتجلى الضغوط السياسية من خلال عرقلة المستحقات وتشويه الحقائق التنفيذية:
* ملف الرواتب والاستحقاقات: أعلنت حكومة الإقليم مراراً عن حاجتها الشهرية الشاملة لرواتب الموظفين والمتقاعدين (والتي تتراوح بين 980 مليار وتريليون دينار عراقي). ورغم الشفافية المعلنة، تتلكأ بغداد في إرسال المبلغ كاملاً وتتأخر في التمويل. إن الملاحظات الفنية والتدقيق المالي تتطلب حواراً مؤسسياً ولا يجوز اتخاذها ذريعة لرهن معيشة مئات الآلاف من الأسر بالصراعات السياسية.
* ادعاءات عدم تطبيق الموازنة: تتنافى مزاعم الامتناع التام عن تنفيذ قانون الموازنة الاتحادية مع الواقع؛ إذ يكمن جوهر المشكلة في أن التمويل المحول للإقليم أقل بكثير من استحقاقاته القانونية مقارنة بالنفقات والالتزامات الفعلية.
* نظام الأتمتة الجمركية (ASYCUDA): يتم تصوير التمهل في تطبيق النظام على أنه رفض للاتفاقات، بينما تكمن الحقيقة في توصل اللجان الفنية إلى اتفاق لتطبيقه بشرط اعتماد اللغة الكوردية، وتوحيد التعريفات الجمركية، وضمان مشاركة الإقليم في إدارته وتنفيذه وفق الأطر الاتحادية.
مسارات الحل المستدام
إن إنهاء حالة الانسداد السياسي وبناء علاقة اتحادية متوازنة يستوجب الانتقال من إدارة الأزمات إلى حلها جذرياً من خلال:
1. الالتزام الكامل بالمواد الدستورية: تفعيل المواد (111)، (112)، (115)، (121)، و(140) دون تجزئة أو انتقائية.
2. فصل القضايا المعيشية عن السياسة: تحييد رواتب المواطنين ومستحقاتهم المالية عن الصراعات والضغوطات التفاوضية.
3. تعزيز الثقة المؤسسية: الالتزام الجاد بالتفاهمات الفنية والقانونية الموقعة بين الجانبين.
العلاقة بين أربيل وبغداد هي علاقة شراكة بين مستويين دستوريين داخل دولة اتحادية واحدة، وليست تبعية بين سلطة مركزية وإدارة محلية.